أحداث الثلاثاء الحزينة في واشنطن ونيويورك أكدت ان التقدم في مجال العلم والتكنولوجيا سلاح ذو حدين ايجابياته الكثيرة لا تنفي استخدام البعض له كوسيلة لتدمير كل انجازات البشرية في دقائق معدودة، ما حدث رسالة متعددة الأبعاد والدلالات رسالة للأقوياء بأن للقوة حدود في المقام الأول قوة الارادة والضعيف هو من لا ارادة له. رسالة بأن التشكيك في القناعة الوطنية والقومية والدينية مجرد وهم فالعولمة والتكيف معها ايجابيا في عالم العزلة فيه مستحيلة لا تعني التخلي عن الخصوصية الثقافية والدعوة للتجرد من الولاء بثقافة ضيقة لصالح ثقافة عالمية يتساوى فيها الناس جميعاً ثقافة يحسم فيها الجدل حول ثقافة العولمة أم عولمة الثقافة!! بالدخول في عالم بلا حدود ثقافة عالم أهم ما يميزه الانفتاح على مختلف الأفكار والتحرر من كل صور اللاعقلانية الناتجة من التحيز لدين معين أو ايديولوجيا بعينها وتبني عقلية العلم وحياد الثقافة. أحداث الثلاثاء في أمريكا أحدثت ردود فعل قوية في كل أنحاء العالم، الكل بلا استثناء ضد قتل الأبرياء أما ردود الفعل في أمريكا وأوروبا فقد ساهم اعلام الصهيونية في توجيهها ضد العرب والمسلمين. المهم انها في الغرب عموما أحدثت دفعة قوية للتنظيمات القومية المتطرفة، والظاهرة ليست جديدة خاصة في فرنسا وألمانيا ولكنها اليوم مرشحة للتصعيد ضد مواطني العالم الثالث خاصة العرب والمسلمين والأمر يحتاج لوقفة مع النفس وإعادة نظر في أحلام ظل الشباب يرددها وهي أن الهجرة إلى أمريكا تعني قمة التطلعات!! نعم بلادنا عموماً تعاني من أزمات خطيرة ولكن أكدت التجارب ان الإنسان لا قيمة له خارج حدود وطنه وان كان متخلفاً. السؤال هنا من الذي يعالج قضايا الوطن ويزيل أسباب تخلفه في أي بلد غير أبنائه؟ السودان افريقيا مصغرة: السودان افريقيا مصغرة بين دفتيه افريقيا بكل ما فيها من تعدد اثني وتنوع ثقافي وهو القطر الوحيد في أفريقيا الممتد من صدر القارة إلى عمقها والرابط أرضاً وسكاناً بين طرفيها شمال الصحراء وجنوبها وهو النموذج للتفاعل والتكامل بين العرب والأفارقة. السودان دولة محورية في افريقيا وهو أكبر دولة مساحة وأغناها بموارده الطبيعية والبشرية ولكن ولأسباب كثيرة لم يستطع أن يلعب هذا الدور لأسباب بعضها مورث والبعض الآخر صنعناه بأيدينا، دور الاستعمال البريطاني الذي زرع بذرة عدم الثقة بين الشمال والجنوب. اهتمام النخبة السياسية بقضية بناء الدولة والصراع حول السلطة واهمال بناء الأمة، غياب المشروع الوطني، أزمة الشرعية، التطلعات غير المشروعة ونظرة البعض للمجتمع من خارجه، الاستقطاب غير المرشد بين العرب وغير العرب، تعثر مشاريع التنمية، اتساع دائرة الفقر، تآكل الطبقة الوسطى التي حملت لواء التحرر، غلبة الأفكار الماضوية عند البعض تقابلها نظرة للماضي كمشكلة تمنع التقدم، نقد الماضي ومحاكمته بينما الوضع الأمثل نقد الحاضر، نظرية المؤامرة... الخ. دور الإدارة البريطانية اتبعت الإدارة البريطانية أسلوباً خبيثاً لإدارة البلاد على التوازي في الشمال، تطور نسبي فرضته مصالح الدولة الغازية، خط سكة حديد الشمال ارتبط بدخول جيش المستعمر، خط سكة حديد الشرق والغرب لنقل المحاصيل والواردات من وإلى ميناء التصدير، مشروع الجزيرة لخدمة صناعة النسيج في انجلترا، المدارس القليلة لملء الوظائف في أسفل السلم الإداري، أما في الجنوب فقد تخلت الإدارة البريطانية عن واجبها تجاه أبناء الجنوب ـ المؤسسات التعليمية والصحية تركت للارساليات دون أي تدخل من قبل السلطة مما أدى إلى تخلف الجنوب في هذا المجال. الإدارة على التوازي وعزل جنوب القطر عن شماله، ارتبط بمشروع لالحاق جنوب السودان بشرق افريقيا وهو المشروع الذي لم يجد القبول من دولها، مما أدى إلى تغيير جذري في السياسة البريطانية تجاه جنوب السودان بالحديث عن ارتباط الجنوب بالشمال في النصف الثاني من الأربعينيات. الاستقطاب والاستقطاب المضاد تأثر جيل الحركة الوطنية التي قاومت الاستعمار وحققت الاستقلال بما يحدث في مصر والشرق الأوسط في زمن تميز فيه الساسة بطلاقة اللسان والتبحر في العربية وآدابها، في السودان جاء الاهتمام باللغة العربية والثقافة الاسلامية امتداداً لدولة المهدية وخوفاً من هيمنة الثقافة الغربية التي عملت الإدارة البريطانية على نشرها في المدارس وفي مؤسسات الدولة لهذه الأسباب توسعت دائرة انتشار العربية كلفه مركزية حافظت على وجودها حتى في الأطراف، ففي الجنوب رغم العزلة التي فرضها المستعمر قانوناً وممارسة تمددت اللغة العربية لغة السياسة والفن والأدب لكل الجنوب. الاتجاه شمالاً واهمال البعد الافريقي للسودان في مرحلة تمر بها المنطقة بتفاعلات حاسمة على صعيد الهوية والانتماء أدى إلى ظهور استقطاب مضاد ينادي بشعار آخر مختلف عن شعار السودان العربي شعار الغلبة فيه للانتماء الافريقي والارتباط أكثر بدول القرن الافريقي ووسط افريقيا والاهتمام بالثقافات غير العربية. تعثر مشاريع التنمية غياب المشروع الوطني والصراع حول السلطة وعدم الاستقرار السياسي وتعثر مشاريع التنمية أدى إلى التدهور المستمر الذي نعاني منه الآن وهو في نظر دكتور عبدالغفار محمد أحمد نتيجة إلى فشل الصفوة في تحقيق تنمية متوازية لفسادها وعدم ادراكها لمسئوليتها التاريخية وإلى ضعف الطبقات الأخرى وعدم قدرتها على الوقوف على قدميها. حل الأزمة في نظر د.عبدالغفار في اصلاح الصفوة لمسارها وتحقيق تنمية متوازية فيها اهتمام أكثر بالمسحوقين. جوزيف قرنق عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني مشكلة الجنوب في رأيه مظهراً للمسألة القومية في المرحلة الانتقالية التي تمر بها افريقيا حيث تطرح قضايا التغيير الاجتماعي والديمقراطية. عند بداية التسابق الأوروبي على افريقيا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان معظم الأفارقة يعيشون ضمن ظروف اقتصاد طبيعي تمنع قيام نظام سياسي أرقى من القبيلة بسبب ظروفها الاقتصادية البدائية التي لا تسمح بتقسيم اجتماعي للعمل وتنمية الثقافة واللغة في مثل هذه الظروف «ما قبل الرأسمالية» لايمكن أن تنشأ فيه حركة قومية بالمعنى الصحيح، سمة ثانية مميزة هي نشوء دول مكونة من جماعات هناك تفاوت في درجة تطورها نتيجة للتخبط الاستعماري لحدودها.أ ياً كان التحليل يجب أن نعترف بأننا نعاني من أزمة خطيرة ومعقدة أزمة لايمكن علاجها بالشعارات ولا بالمكايدات، أزمة حلها يكمن في ازالة كل أسباب التخلف وفي تنمية البلاد وتطويرها. في التقرير الذي أصدرته اللجنة العليا للثقافة والتنمية عام 1995 عن الأمم المتحدة تحت عنوان تنوعنا الخلاق حديث لخافيير بيريز دي كويلار الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق ورئيس اللجنة العليا للثقافة والتنمية. جاء فيه لقد اتسع مفهوم التنمية مع ادراك الناس ان المعايير الاقتصادية وحدها لا تؤدي إلى حفظ كرامة البشر وتحسين أحوالهم لذا كان البحث عن معايير أخرى وهي الدعوة التي تبناها برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة بدعوته إلى توسيع نطاق فكرة التنمية البشرية وهي عملية تتعلق بتوسيع رقعة الخيارات أمام الناس وتحسين فرص الافراد في مجالات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، والثقافة جزء من هذا المفهوم وفي تجربة دول شرقي آسيا التي بقيت شعوبها على إيمانها بقيمها وحققت لنفسها مستوى معيشياً أفضل من نظيره في كثير من الأمم في العالم. البعد الثقافي للتنمية لم يجد الاهتمام الكافي في الماضي، الآن بدأ في المجتمعات المعاصرة والمؤسسات الدولية اتجاه لإعادة النظر في مفهوم التنمية وفي بناء رؤى ثقافية ضمن الخطوط العامة للتنمية لمواجهة هذا التحدي طرح دي كويلار عدداً من الأسئلة: 1ـ ما هي العوامل الثقافية والاجتماعية التي تؤثر في التنمية؟ 2ـ ما هي العلاقة بين الثقافات وأنماط التنمية؟ 3ـ كيف يمكن ربط مكونات أية ثقافة تقليدية بالتحديث؟ 4ـ ما هو التأثير الثقافي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية؟ 5ـ ما هي الأبعاد الثقافية للرفاهية الفردية والجماعية؟ تجربة الهند الهند مجتمع فقير متعدد الأعراق والثقافات والأديان، الهند بحكم سياستها الرشيدة واستقرارها السياسي أصبحت رقماً لا يمكن تجاوزه عندما نتحدث عن مجتمع المعلومات، فهي دولة فقيرة نعم ولكنها متقدمة تكنولوجياً فهي التي تصدر إلى الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى نوعية خاصة من العمالة أطلق عليها اسم عمال فائقي المهارة «عمال المعرفة» وهم الذين يعملون في مجال الحاسبات الاليكترونية في كل ميادينها تصنيعاً وتخطيطاً وبرمجة. لماذا التخلف وكيف النهضة؟ الكيان السوداني لم ينشأ صدفة فهو نتيجة طبيعية لتفاعلات مستمرة بين جماعات اختارت طوعاً الهجرة إلى ربوعه مكونة مجتمعاً جديداً له خصوصيته المميزة له عن كل جيرانه، لذلك يجب أن نعترف بالتنوع الثقافي وأن نحترم مختلف الثقافات ونعمل على رعايتها وتطويرها وابرازها فالثقافة لأي جماعة هي الطاقة والروح التي تتحكم في الفكر والسلوك، والمفهوم المعاصر أعطى التنمية اطاراً أوسع من مجرد الوصول إلى السلع والخدمات، التنمية فرصة لاختيار أسلوب حياة كامل الثقافة فيه ليست فقط مجرد عامل مساعد فهي عنصر أساسي لذلك فشلت كل محاولات التنمية الاقتصادية المعزولة عن سياقها الانساني والثقافي. التحدي الذي يواجهنا كشعب هدته التجارب الفاشلة هو مدى استعدادنا لوقفة شجاعة وفاصلة وقفة نعيد فيها النظر في كل شيء أفكارنا وتوجهاتنا، وقفة تمكننا من اتخاذ أساليب جديدة وسبل جديدة لتنظيم مجتمعنا ومن إيجاد أنماط جديدة لتنظيم مجتمعنا ومن إيجاد أنماط جديدة للحياة تزيد من عوامل الجذب نحو الداخل وتوفر البيئة المناسبة للتعايش والتفاعل والمشاركة في بناء سودان جديد يتساوى فيه الجميع دون تمييز بسبب اللون أو الثقافة أو اللغة سودان تقفل فيه نهائيا ملفات الحروب والعنف واستئصال الآخر والتمييز بين المواطنين لتحل محلها قيم جديدة مثل التسامح والمساواة والاعتراف بالمغايرة. نعم نعاني ولكن قسوة الوضع القائم لا تعني استحالة التغيير ان كانت لنا ارادة ورؤية، والاستقرار لا يعني السكون أو التحجر خاصة ونحن في عالم متغير عالم لا مكان فيه للضعفاء. مشاكل وحلول في السودان مشاكل وهذا أمر طبيعي في كل بلد فالقضية ليست في تشخيصها بل في قدرة المجتمع في ايجاد الحلول لها، ربما جاز للبعض أن يتحدث عن مظالم وعن غياب العدالة في توزيع الخدمات ومشاريع التنمية وعن مساندة الدولة لثقافة مركزية واحدة على حساب الثقافات الأخرى، الاعتراف بالمظالم والمشاركة في وضع استراتيجية شاملة تخاطب قضايا الحاضر والمستقبل واجب على كل مواطن أن يسعى بكل ما يملك من قدرة للمساهمة فيها كي تفتح أمام السودان الموحد طوعاً آفاق جديدة تمكنه من أن يلعب دوره في محيطه الاقليمي. يجب أن نتفق أولاً ان السودان ولد ليبقى موحداً بإرادة أبنائه في الجنوب والشمال في الشرق والغرب وحدة طوعية مؤسسة على المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، الاعتراف بالتعددية الثقافية لا يعني تحويلها إلى أدوات أيديولوجية بهدف تعزيز مواقف انفصالية أو لفرض رؤية جماعة معينة على الآخرين كلا الموقفين مرفوض فالتعددية تعني المساواة بين جميع المواطنين على اختلاف ألوانهم وثقافاتهم والتعددية تعني ادارة الاختلاف بصورة تحقق الاستقرار السياسي والمجتمعي وتفتح العقول لبناء وطن فقد الكثير بسبب انشغال أبنائه بأنفسهم ومصالحهم وبالمكايدات والمؤامرات، الكل يتحدث باللسان فقط عن السودان وطن النجوم عن موارده وتفوق أبنائه في الخارج وفي المؤسسات الدولية ولكن عندما يفتح ملف الداخل يتغير كل شيء البشر والأداء والنتيجة ما نحن فيه. لتجاوز هذه المرحلة المأزومة يجب أن نتخلى عن قيم سالبة ظللنا نمارسها دون وعي أو ادراك بما قد يترتب عليها من مخاطر منها اللامبالاة والاتكالية والاعتماد على الغير، تضخم الذات، كثرة الكلام وعدم تطابق القول مع الفعل، غلبة السياسي على الفكري، قضايا كبيرة ومعقدة يتم تدويلها على عجل كي تعالج بالمسكنات دون تعمق فيها لمعرفة أسبابها والعناصر التي لعبت دوراً في تعقيدها هكذا نحن منذ فجر الاستقلال ندور حول القضايا مع خطورتها وأهمية عامل الزمن في علاجها ليتم ترحيلها إلى مراحل لاحقة مما أدخل البلاد في أزمة متعددة الأبعاد، الآن الكل يتحدث عن الحرب وآثارها المدمرة وعن الجنوب كقضية مركزية ولكن الحرب تمددت وتعددت الأطراف المشاركة فيها وفي الأفق حلف جديد ينادي بسودان جديد عناصره الأساسية كل المهمشين في الغرب والشرق والجنوب والشمال وللحلف قضية قد لا يختلف غالبية المواطنين معهم فيها وان اختلفوا في الأسلوب الأمثل لمعالجتها، نعم للديمقراطية ونعم للامركزية التي تعطي الأطراف صلاحيات واسعة لإدارة مناطقهم ونعم لمشاركتهم مشاركة حقيقية وعادلة في السلطة على مستوى المركز وفي ثروات البلاد وفق معادلة متوازية ومقبولة للجميع ولكن القضية لا يمكن أن تحل بالمواجهات ولاباستخدام القوة لفرض ارادة جماعة ما على الآخرين ولا باختزالها في شكل أقرب للمعادلة الرياضية سودان موحد علماني أو تقرير المصير. تقرير المصير في ظل ما هو ممارس اليوم يعني الانفصال، السودان سيظل موحداً وان كان هناك خطأ ففي قياداته التي عجزت عن معالجة قضاياه بالحوار، لهذا فالمطلوب اليوم من الجميع مراجعة نقدية تمكننا من تحديد نقاط القوة لدعمها ونقاط الضعف لمعالجتها والاستعداد لمرحلة جديدة أهم ما يميزها خلوها من التناقضات التي نعيشها الآن. مرحلة الجديد فيها تجاوز كل الحلول التقليدية والتلفيقية ومواجهة كل التحديات بخطوة جسورة تضع مصالح البلاد العليا في حدقات العيون وتحجم أصحاب التطلعات غير المشروعة وتزيل كل المظالم خاصة في الأطراف عبر رؤية لسودان يشعر كل مواطن فيه بقيمة وبعظمة الانتماء إليه وبمسئوليته تجاه أمنه واستقراره وتنميته. د.ابراهيم الامين