أفغانستان بلد المعاناة والمحنة وكافة سكانها يعانون من الفقر والعزلة وأطفالها على وجه الخصوص يتذوقون مرارة الحياة قبل أن يدركوها، تدهور الأوضاع الصحية والتعليمية شبح أسود يطارد اطفال أفغانستان، ومثال على الواقع المرير الطفلة انسا التي تبلغ من العمر خمسة اعوام وهي مريضة بالتيفود.. ترقد في فراشها بالمستشفى وهي ترتدي ثوبا افغانيا تقليديا ازرق اللون مطرزاً. والطفلة من كيليسمين قرب مطار كيتا في اقليم بلوستان الغربي بباكستان. وهناك خمسة الاف في قريتها وربما اكثر وليس لهم سوى بئر واحدة وانبوب مياه واحد. وانسا واحدة من المحظوظين. يقول الطبيب منير احمد المسئول عن وحدة الرعاية المركزة في مستشفى كيتا للاطفال المزودة بأحدث التقنيات الطبية والمقامة بتمويل الماني «الازمة الاقتصادية هي السبب». والمستشفى نظيف والارض تلمع وتوجد لافتة بيضاء تحمل اسم كل طفل وتاريخ دخوله المستشفى وتشخيص حالته. وكثير من الاطفال مصاب بالملاريا بينما يعاني آخرون من التهاب السحايا او السل او التيفود. وسوء التغذية شائع. وقال احمد «المواطن العادي الذي يحصل على ما يتراوح بين خمسة الاف او ستة الاف روبية «80 دولارا» في الشهر لا يمكنه ببساطة ان يأتي باطفاله الى هنا». وطفلان من كل ثلاثة اطفال يصلون الى المستشفى يأتون من عائلات فقيرة للغاية وكثير منهم من ابناء اللاجئين الافغان في اقليم بلوخستان. ويقول احمد «بحلول منتصف الشهر بعد ان ان يدفع رب الاسرة فواتير الكهرباء والمياه والهاتف لا يتبق له المال اللازم والمستشفيات التي توفر العلاج بالمجان في حالة سيئة واذا عاش الطفل فان الامر ينتهي به هنا في نهاية المطاف». وقال عاملون بالمستشفى ان الازمة الاقتصادية في باكستان تفاقمت منذ الهجمات الانتحارية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر. وقالت ممرضة «العديد من الناس يدخرون مالهم او يخزنون الطعام.. انهم متوترون ويشعرون بالقلق ان تهاجم امريكا افغانستان وان تصبح كيتا نفسها هدفا». وتوفر سلطات بلوخستان الاقليمية نحو 75 في المئة من ميزانية المستشفى بينما تمثل مدفوعات المرضى نحو خمسة في المئة فقط. والتبرعات التي تقدمها المانيا توفر بقية الميزانية ولكن اجور الاستشاريين واطباء الاطفال والفنيين وتكاليف البياضات والمغسلة تشير الى ان المستشفى ينفق اكثر مما يكسب. وقال طبيب الاطفال كوكب لطيف انه وزملاءه حاولوا الاقتصاد لتخفيض الرسوم الا ان العديد من الاباء لا يحضرون اطفالهم الى المستشفى بسبب التكاليف. ويحصل الطبيب الاستشاري على 100 روبية «نحو 50ر1 دولار» الا ان اجراء 20 فحصا طول اليوم قد يزيد التكلفة الى عشرة امثال هذا الرقم. وقال لطيف مشيرا الى انسا «نحاول توفير المال بتقليل الفحوص التي تجرى ولكن والدة هذه الطفلة تعطي مثالا لما يحدث فهي تريد ان تأخذ ابنتها الى المنزل بالرغم من انها ما زالت بحاجة الى يومين او ثلاثة ايام اخرى تقضيها في الرعاية المركزة». والمأساة الأخرى تتجلى من حكاية هرميوني يونجز التي لا تستطيع تحريك الجبال ولكن عزيمتها الحديدية لن تترك الجبال تعترض طريقها. ولدى يونجز مهمة هي تعليم 65 الف طفل في اقصى شمال شرق افغانستان المعزولة بسبب الحرب والفقر وسلسلة جبال هندو كوش. وتبدأ يونجز البريطانية «56 عاما» منذ عام 1997 كل عام دراسي بنقل اطنان من الكتب المدرسية الى الشمال الشرقي وهو الجزء الوحيد في افغانستان الذي لا تسيطر عليه حركة طالبان الحاكمة عبر جبال مرتفعة ووعرة لا يتمكن من عبورها سوى الحمير. وترتب يونجز حاليا قافلتها الخامسة والاكبر من المساعدات غير عابئة بالتهديدات بحرب اعنف او الحملة على الحدود مع باكستان. وابلغت رويترز «هذه هي اول قافلة اغاثة طارئة تدخل افغانستان في ظل الاوضاع الراهنة»، مشيرة الى الازمة التي اثارتها هجمات انتحارية على الولايات المتحدة وتهديدات واشنطن بمعاقبة افغانستان عليها. وقالت يونجز المنسقة التعليمية لصندوق رعاية الطفولة التابع للامم المتحدة «يونيسيف» لشمال افغانستان «على الاقل اذا امكننا اضافة قطرة ماء الى المحيط فانها تفيد... وهذا ما سنفعله». وتفاصيل الازمة مثل التهديدات الامريكية بقصف افغانستان لا تشغل بال يونجز عندما تفكر في التلاميذ الذين تركتهم خلفها في بداخشان. وقالت «تلقيت خطابا من بنات في احدى المدارس يقلن.. هرميوني ارجوك عودي الينا». واضافت «انهم يعلمون ان شيئا رهيبا حدث في العالم لكنهم لا يفهمون. انهم يعيشون في اكثر مكان من افغانستان وحشة دون اجهزة راديو او تلفزيون. قبل شهر ذهبت الى قرية لم ير سكانها سيارة من قبل. سألني اثنان من الرجال المسنين كيف نحلبها او نطعمها». وتشمل شحنات المساعدات الطارئة السنوية التي تبلغ نحو 200 طن شحنة من الكتب الدراسية والكراسات ومواد تعليمية اخرى فضلا عن اغطية واحذية ومواد غذائية عالية البروتين للمساعدة على التعامل مع الازمة الراهنة. ويتعين نقل الشحنات من مدينة بيشاور الباكستانية الى هذه القرية عبر طرق تضيق تدريجيا الى ممرات صخرية ضيقة. عندما تصل الشحنات الى جرام شاشما تنقل من 22 شاحنة الي 220 سيارة رباعية الدفع حتى شاه سليم وهناك تنقل الشحنات الى ظهور اربعة الاف حمار تهبط بها الجبل. ومن المقرر ان تبدأ الشاحنات الرحلة الى شاه سليم يوم أمس.