خلفت دعوة الحرب على الارهاب الصادرة من الولايات المتحدة نوعا جديدا من ردود الافعال العربية والعالمية ففى الوقت الذى أبدت فيه روسيا ترحيبا واسع النطاق بالاجراءات التى تتخذها الولايات المتحدة الأمريكية فى حربها ضد الارهاب نجد تردداً نسبياً من ألمانياً وفرنسا ربما لم يكن متوقعا.. اما على الجانب الاخر فاختلفت الصورة لكى ترسم خطوطا فاصلة فى خريطة العلاقات الدولية فلاول مرة يأتي الدعم والتأييد من الخرطوم.. ولم تخجل طرابلس من اعلان تأييدها منقطع النظير للسياسة الامريكية.. وجاء الموقف المصرى مختلفا بقدر ما عن المواقف المصرية الثابتة تجاه السياسة الامريكية.. فى الوقت ذاته سعت الولايات المتحدة الامريكية لارسال مندوبيها الى طهران لجس النبض الايرانى المعادى بطبعة للسياسة الامريكية محاولة من خلال هذه البعثة شحذ كل الاسلحة الممكنة للاقناع والتحايل حتى تكسب الصف الايرانى الى قضيتها ضد الارهاب.. ولم تتردد فى رفع العقوبات عن السودان أو باكستان وتسوية الديون الباكستانية كمكافأة فورية على التقارب مع أمريكا وكأنها تلوح للعالم وخاصة للدول العربية أن من كان معها فهو الكاسب الوحيد ومن كان ضدها فسيكون بالتأكيد الخاسر الوحيد. ولكن هل ستتغير الصورة العالمية للعلاقات الدولية فى ظل التقاربات العربية الامريكية وفى ظل التقارب العربى الاسلامى الذى تمثله مصر وايران؟! وماذا لو حدث تغير صريح فى السياسة الامريكية ازاء العمليات التى تسعى امريكا الى القيام بها كأن تطال الضربات الامريكية دولا عربية واسلامية.. هل سيبقى السودان وليبيا مؤيدين لسياسة ضرب أراضيهما تحت شعار محاربة الارهاب.. وهل ستبقى باكستان مكتوفة الايدى إذا ما تعرضت كشمير الى ضربات أمريكية خاصة وأن بعض الشائعات قد حددت أن كشمير من أهم الاماكن المرصودة لوجود ابن لادن.. هل ستقف لبنان وسوريا مؤيدتين للسياسة الامريكية فى حالة تعرض حزب الله فى الجنوب اللبنانى الى ضربات أمريكية باعتباره من المصنفين أمريكيا تحت شريحة الجماعات الارهابية؟!الخبراء السياسيون يؤكدون أن الخريطة العالمية للعلاقات الدولية ستتغير حتما خاصة فى ظل كل المتغيرات التى تمر بها المنطقة العربية وما يمر به العالم من أحداث مؤثرة. ضد أمريكا والإرهاب معاً «بلا شك فإن الحدث الذى وقع فى الحادى عشر من سبتمبر وضربت فيه رموز هامة فى المجتمع الامريكى سيؤدى الى تغييرات اساسية فى السياسة الامريكية» هذا ما يؤكده الكاتب الصحفى حسين عبد الرازق ـ رئيس تحرير مجلة اليسار المصرية ـ فأمريكا التى كانت القائدة بدون شريك وتتصرف كأقوى قوى عسكرية فى العالم اهتزت هيبتها وهى فى الوقت الذى يعلن فيه الرئيس بوش أنه سينتقم من الجناة.. يرفع شعار الحرب على الارهاب ويسعى بكل ترسانته العسكرية ودعايته ودبلوماسية لاقناع العالم لسياسة النيل من رؤوس الفساد فى العالم وهو ما يطلق عليهم الجماعات الارهابية هذا الموقف الامريكى من الارهاب ستكون له آثاره على المدى البعيد على منظومة العلاقات الدولية.. ويبدو لى أنه من المبكر ان نحاول رسم خريطة لهذه العلاقات فكل ما تتمناه الولايات المتحدة الامريكية هو ايجاد اكبر عدد من الدول المؤيدة لهذا التحالف وبالتالى هذا يفسر توجهها الى ايران وسوريا.. فهى تريد أن تجعل العالم معها وليس ضد الارهاب.ولكن لم تنتبه الولايات المتحدة الامريكية على ما يبدو أن هناك فارقاً جوهرياً وكبيراً بين تأييد الدول لها والوقوف معها ضد الارهاب وبين الاندماج فى الكيان الامريكى.. وغير صحيح ان هناك تقاربا مصريا ايرانيا خاصة بشأن قضية التحالف مع أمريكا فمن الواضح أن الموقف المصرى قد بدا مختلفا بعض الشيء عن المواقف العربية الاخرى الا أنه يتراجع بدون سبب منطقى ويؤيد الولايات المتحدة الامريكية فيما تنوى أن تفعله لانها تعتبر هذه التحركات قد جرت وفقا للشرعية الدولية وايضا فى دعوتها الى اقامة مؤتمر دولي حول الارهاب وطرق مكافحته والذى قد يستغرق على الاقل عامين للاعداد له والوصول الى نتائج ملزمة مما يوفر للولايات المتحدة الامريكية الوقت لممارسة سياستها الانتقامية وعملها العسكرى بعيدا عن القيود الدولية التى قد يفرضها مثل هذا المؤتمر. والامر الذى يؤكد عليه حسين عبد الرازق ان التنبؤ بأي نتائج متوقعة على مستوى تشكيل العلاقات الدولية والإقليمية الجديدة فى ظل كل الهدم للنظام العالمى الجديد التى تقول أمريكا انها ترعاه وتحرص على بقائه.. امر شديد الصعوبة وقد يدفعنا الى الوقوع فى تخمينات غير سليمة وغير جائزة مما يسهل هدمها مع مخالفة هذه التوقعات لما رسمناه فى اذهاننا وربما نبنى على أساسه بعض المصالح المتشابكة بيننا وبين الغرب.. فالواضح لدينا حتى الآن أنه بين يوم وليلة تتغير المواقف سواء على المستوى العربى أو حتى المستوى الاوروبى وحتى الموقف الامريكى ربما لا تتضح ملامحه للعالم حتى الآن. فعلى سبيل المثال لم تتحدد طبيعة الحرب المرتقبة هل هى حربا شاملة.. ام حرب تشن من خلالها بعض الهجمات السريعة الخاطفة وهل ستستخدم فيها أمريكا كل أسلحتها بما فيها السلاح النووى.. كل الامر برمته يحتاج الى مجرد انتظار فربما تتضح الصورة فى الاسابيع المقبلة. إعادة الحسابات الدكتور السيد عليوة ـ استاذ السياسة بجامعة حلوان ـ يتحمس كثيرا لبوادر العلاقات التى يصفها بالجديدة خاصة وانها ستساعد على اتاحة الفرصة سواء امام العرب أو أمريكا لاعادة الحسابات خاصة على مستوى سياستها المنعزلة عن مشاكل العالم العربى فأمريكا الان تكتشف لأول مرة أن هناك دولة على الخريطة تسمى السودان وتحرص على جذبها داخل تحالفها ،ولا تخجل من مخاطبة ليبيا لتشاركها تحالفها ضد الارهاب.. وفى نفس الوقت ترسل مندوبيها الدبلوماسيين لطلب ود ايران.. وتسعى الى جعل الجانب السورى مؤيدا لسياستها ومن اجل ذلك اقدمت على محو أى وجود اسرائيلى فى تحالفها.. بل أنها تجبر اسرائيل على التخلى عن سياستها الاجتياحية حتى تبدو الساحة خالية الا من تأثير الكارثة التى عانت منها الولايات المتحدة الامريكية. واذا كانت الأمور تسير على هذا المنوال على مستوى العلاقات العربية الامريكية.. فهى على الجانب العربى تبدو أكثر تميزا وانسجاما فإيران ومصر والسعودية تسير للمرة الاولى فى نفس الخندق وتحركها نفس المصالح وتجمعها نفس الاهداف وربما ستمثل القوة العربية المتحالفة فى المستقبل القريب كتلة مؤثرة قد تنضم اليها سوريا وليبيا وربما العراق. الا ان الدكتور عليوه لديه بعض الهواجس التى يذكرها قائلا ربما تسير الصورة فى غير مسارها فالفيصل فى استمرار العلاقات خاصة العربية الامريكية هو استعداد العرب للتحالف فيما تسعى اليه أمريكا سواء كان هذا التحالف مقتصرا على ضرب أفغانستان او سيطول بعض الدول العربية.. فالامر لابد وأن يختلف عندما تجد الدول العربية قد طالتها القوات الامريكية أو هددت مصالحها العربية بأى صورة من الصور.. وعلى الجانب الآخر سيطلب من الولايات المتحدة ضرورة مراعاة المصلحة العربية اذا كانت تسعى فعلا لكسب العرب فى صفها حتى يتم القضاء على تلك العناصر التى تهدد الاقتصاد والامن الأمريكيين بالدرجة الاولى.. وان كنت أشك فى سير الامور كما نحب ونهوى فقد ينقلب الاسد الامريكى على أصدقائه ويتحول هذا التحالف الى نقمة لا يعلم مداها الا الله. وفى أغلب الظن فأن العلاقات الدولية ستتغير لا محالة وما من شك فى ذلك ولكن قد تستمر على المنوال الذى نراه الان وقد يصيبها بعض الركود والتعقيد فى حاله الخروج عن القاعدة ومحاولة جنى الثمار قبل اكتمال النضج. الصورة قاتمة الدكتور رفعت سيد أحمد ـ مدير مركز يافا للدراسات السياسية والاستراتيجية ـ تبدو له الصورة الدولية أكثر قتامة فامريكا لا تفعل كل ما تفعله طلبا للود العربى بل هى تحاول أن تبسط نفوذا على العالم بمنطق آخر وهو أن المصالح العربية هى ايضا فى خطر مثلما تتعرض المصالح الامريكية فالارهاب ظاهرة دولية قد تطول الدول العربية قبل أمريكا وهنا من المحتم أن يقف العرب والعالم مع أمريكا فى ما تسميه الحرب ضد الارهاب وتتصرف كما لو كنا العبيد وهى السيد الاوحد فمن كان معها كان ضد الارهاب ومن لم يكن معها فهو مؤيد للارهاب وينبغى محاربته ولا تعطى الفرصة للاختلاف والتميز عن رأيها.. أما عن الحديث عن طبيعة العلاقات الدولية والاقليمية فى المنطقة فى ظل الاحداث الجارية فان الامر لا يتعدى سوى سياسة استيطانية تحاول أن ترسمها أمريكا وتفرضها على العالم فإعلان روسيا الانضمام للتحالف وفتح مجالها الجوى والمساعدة بالقوات والعتاد اذا احتاج الامر لا يعود لايمان روسيا بالمهمة الجليلة التى تسعى امريكا لعملها ولكن أفغانستان هى كبش الفداء فى المقابل ستترك أمريكا روسيا تفعل بالشيشان كما يحلو لها وهنا لا يوجد مجال للتردد الروسى أما على المستوى الاوروبى فما زال الامر غامضا بعض الشيء فأحيانا تتقدم المانيا الصفوف الغربية وفى نفس الوقت تعود من حيث بدأت.. حتى فرنسا لم يعرف بعد ما هى طبيعة الخدمات التى ستقدمها الى أمريكا. أما على المستوى العربي الاسلامي فلا أجد أى تقاربات تذكر فايران مازالت عند موقفها المناهض لامريكا وان ابدت استياءها لما وقع للضحايا الابرياء وكل العالم لا يختلف عن اتخاذ هذا الموقف.. ولا يجب أن نبتلع الطعم الامريكى فى جر دول عربية فى تحالفها ضد الارهاب خاصة دولة مثل السودان تعتبرها امريكا بالوثائق والأدلة من الدول الداعمة والتى تؤوي الإرهاب. ولا يجب ان يساورنا الامل والا نذهب باحلامنا الوردية الى أبعد من المفترض طبقاً للسياسة الامريكية التى لن تتغير كما نريد. فالافكار الاستيطانية ستظل هى المحرك الرئيسى فى العلاقات الدولية بين أمريكا واى دولة خاصة الدول العربية والاسلامية ومما لاشك فيه أن الخريطة ستتغير ولكن للاسوأ حسبما يرى الدكتور رفعت سيد احمد خاصة ونحن نجد آلاف اللاجئين الافغان يتركون ديارهم ويرحلون وتتحول أفغانستان الى بلد بلا شعب ولا اى عناصر معيشية لاستمرار الحياة.. والنتيجة أن امريكا تريد أن تفرض هيمنتها على هذه المنطقة طمعا فى المزيد والذى لا يدركه سوى أمريكا. أما ما يلاحظه البعض من بعض التقاربات العربية والاسلامية فهذا الامر سابق لأوانه وربما يحدث ويكتمل ولكن فى حالة واحدة اذا اقتنع العرب والمسلمون بقيمة هذا الاتحاد والتقارب الذى لابد وان ينمو ويترعرع بعيدا عن العيون الامريكية وهذا بالطبع من المستحيل.. والاهم من وجهة نظر الدكتور رفعت أننا سوف ندخل الى عالم جديد من الانتهاكات وسنواجه نظريات استيطانية لم نعرفها من قبل فى ظل هيمنة امريكية عالمية على كل مقدرات الامور فى العالم العربى، هكذا ستختلف الخريطة وهكذا ستبدو الصورة بلا ملامح الا من الاسد الامريكى الذي سيزداد تأسدا وغرورا رغم ما يبدو أنه تحول الى أسد جريح. إسرائيل السبب الرئيسي الا أن الدكتور أحمد ثابت ـ استاذ السياسة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ـ يحيد الامور ويرسم خريطته المتوقعة بشيء من المثالية التى يتمناها فى العالم فهو يرى ان الوقت قد حان لكى تدرك الولايات المتحدة الامريكية أن اسرائيل السبب الرئيسى لكل ما تتعرض له امريكا من عنف وارهاب وأن سياستها التوسعية التى تحاول فرضها على العالم لن تجنى من ورائها الا الحسرة والندم.. ويصف كل ردود الفعل الامريكية على الكارثة التى وقعت لها رغم ما يبدو أنها انتقامية الا ان بها شيء من الادراك لاهمية تعاون العرب والمسلمين معها والدليل على ذلك تعاونها مع باكستان الدولة المسلمة وسعيها الى مخاطبة كل فريق بلغته التى يعيها وهذا من شأنه التأكيد على أمر غاية فى الاهمية أن امريكا لأول مرة تدرك ان هناك دولا فى العالم غير الغرب تستحق أن تخاطبها وتطلب ودها.. ومن اجل هذه الروح الأمريكية الجديدة والتى شجعت عدداً كبيراً من الدول أن يعى قيمه مشاركته لامريكا فى تحالفه حتى ولو أقتصر على التأييد الشفهى.. من هذا المنطلق نلاحظ من الوهلة الاولى التغيير فى اسلوب التعامل من جانب الادارة الامريكية والذى قد يرفضه البعض باعتباره متسلطا الا انه فى نفس متوقعا.. وربما يأتي الوقت الذى نجد للعرب والمسلمين حلفا لديه القدرة على المواجهة والتحدى ومواجهة أى عدوان على الصورة العربية والاسلامية المتواضعة السمحة.. وأتوقع أن تمر المنطقة العربية بتغيرات جذرية لا مثيل لها خاصة مع بوادر التقارب العربى العربى فى كل الاتجاهات بدءاً من مصر وانتهاء بالسودان. وما ينبغى ان نفعله كعرب هو الاهتمام وانتهاز فرص التقارب من أجل تحقيق استراتيجية عربية تجعلنا نستعيد قدرتنا على العطاء والمواجهة.. وعلى المستوى الدولى فلا يجب أن نضيع الفرصة على أنفسنا فى حال اقتناع الولايات المتحدة الامريكية بعزل إسرائيل عن المنطقة وهذا ما نريده وقتها سنحقق أقصى غايتنا لان اسرائيل ستدرك أن الوقت قد حان للتسليم بأن هناك شركاء ينبغى النظر إليهم وهم الفلسطينيون وسيقف العالم مع اعلان الدولة الفلسطينية وهذا ما نتمناه. القاهرة ـ مكتب «البيان»: