في غمرة الاحتفالات التي سادتها البهجة لدى استقبال الالفية الجديدة، بدا العالم وكانه على موعد مع مستقبل مشرق: فقد ولد آنذاك اقتصاد جديد، وبات السلام ممكنا في الشرق الاوسط، وطويت صفحة الحرب الباردة. وبعد مرور نحو سنتين على هذه الاجواء الاحتفالية جاءت اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر لتبدد القسم الاكبر من هذه الامال. واذ ما بدا ان اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر التي استهدفت الولايات المتحدة تشكل مدخلا مأساويا للالفية الثالثة، فانها تتوج ايضا مرحلة نكسات بالنسبة الى العالم على الجبهتين الاقتصادية والسياسية على حد سواء. فمن انهيار الاقتصاد الجديد الى احتمال حدوث انكماش عالمي مرورا بوقف عملية السلام في الشرق الاوسط وارتفاع وتيرة التحركات المعادية للعولمة، تعمل الاحداث المتلاحقة على الدفع باتجاه الحذر والتخوف من المستقبل. وقال توماس هنريكسن المتخصص في الشئون الدولية في معهد هوفر في كاليفورنيا «ان ما يحدث عبارة عن احداث متلاحقة وهي الى حد ما مثل فقاعة الصابون التي ستنفجر». واضاف «لقد حدث ما يشبه الاشارة، وبدأت الاتجاهات تغير من وجهتها». في مطلع العام 2000، بدا وكأن كل شيء يسير على ما يرام. كان الاقتصاد الامريكي يستفيد من عشرة اعوام من الازدهار والانترنت في اوج عزه وانتشاره. وكانت اوروبا وقسم كبير من آسيا ينعمان بالازدهار، وكانت محادثات السلام في الشرق الاوسط قاب قوسين او ادنى من تسجيل خطوات مهمة الى الامام. لكن الرياح تغيرت اعتبارا من ابريل عام 2000. فقطاع شركات الانترنت الذي كان جذب حوالى 30 مليار دولار من الرساميل انهار مثل قصر من ورق. وفقدت سوق الاوراق المالية للشركات الالكترونية «ناسداك» حيث يتم التداول بأسهم غالبية الشركات في الاقتصاد الجديد، 2000 مليار دولار واضطرت هذه الشركات الى تسريح اكثر من 129 الف شخص في الولايات المتحدة وحدها. وعبر العالم، بدأت الاقتصادات تتعثر. فتوقعات النمو الاقتصادي سجلت تراجعا وبدأت المخاوف من الوقوع في انكماش عالمي. وفي الفترة نفسها، انخفض مؤشر داو جونز المرجعي في وول ستريت بنسبة 30% وفقد المستهلكون ثقتهم. وفي الشرق الاوسط، اندلعت الانتفاضة في سبتمبر بعد ان كان كثر الكلام عن امكانية التوصل الى اتفاق سلام قريب. وقتل اكثر من 800 شخص في الانتفاضة الفلسطينية، وهزت سلسلة العمليات الانتحارية اسرائيل ودفعت باقتصادها الى شفير الهاوية. وتنامت في العالم الحركات المعادية للعولمة وتمكنت من عرقلة تنظيم الاجتماعات الدولية الكبرى في اوروبا وأمريكا. وبينما كانت هذه الحركات في البداية هامشية ومجهولة يتراوح نشاطها بين الدفاع عن سلاحف البحر والمطالبة بالغاء ديون الدول الفقيرة عادت وتحولت الى قوة لها تأثيرها ويحسب لها حساب. وقد ارغمت تظاهرات الحركات المناهضة للعولمة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن على خفض عدد جمعياتهما العمومية الى الحد الادنى، ثم الى الغاء عقدها بكل بساطة في اعقاب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر. وفي اعقاب قمة مجموعة الثماني في جنوة في ايطاليا التي تخللتها اعمال شغب متعددة، قرر زعماء العالم الصناعي عقد اجتماعهم المقبل في كاناناساكيس الكندية في منطقة جبلية نائية. ويتذكر كريستوفر كارول استاذ الاقتصاد في جامعة جون هوبكنز في بالتيمور (ميريلاند، شرق) قائلا «قبل 18 شهرا فقط كنا لا نزال نشعر اننا في قمة العالم، وبنوع خاص في الولايات المتحدة». واضاف «اما الان فأننا متأكدون اننا لم نكن على هذا المستوى العالي واننا لا نملك اي ضمانات». ومن دون الاشارة الى روابط بين هذه الاحداث التي ادت الى بلبلة النظام العالمي، لفت المراقبون الى ان تراكم هذه الاخبار السيئة قد يؤدي بصورة خطيرة الى تراجع ثقة الراي العام في المؤسسات العامة. وكان مشهد الهجوم الدامي في وسط امريكا والذي لم يكن احد يتصور حدوثه في ما مضى، صدمة ليس بالنسبة الى الولايات المتحدة وحسب، وانما ايضا بالنسبة الى العالم اجمع. وقد تسببت انذارات بوجود قنابل هنا وهناك باخلاء مطارات ومبان ادارية في عدد من البلدان في حين تحدثت شائعات عن موجة من الاعتداءات المقبلة بعد تلك التي استهدفت برجي مركز التجارة العالمي والبنتاجون حيث لقي ستة الاف شخص حتفهم. وقد تسبب انفجار دام في مصنع في تولوز في جنوب فرنسا -لم يحدد مصدره حتى الان- بحالة من الذعر محليا. وتم تعزيز الاجراءات الامنية حتى في هوليوود حيث تم تحذير الاستديوهات رسميا من انها قد تكون هدفا لاعتداءات. وقد ارسلت مجموعة من تكساس الى محطات الاذاعة الالف التابعة لها قائمة بالاغاني التي يجدر بها تفادي بثها. ان الاعتداءات الانتحارية في نيويورك وواشنطن قد تغرق الاقتصاد الامريكي الهش اصلا في حالة من الانكماش. واعلن كريستوفر كارول ان «النقطة المتينة القوية في الاقتصاد هي النفقات الاستهلاكية. فاذا حدث انهيار في ثقة المستهلكين، فسيكون الامر عندئذ بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير». أ. ف. ب
