دخلت الانتفاضة الفلسطينية عامها الثاني أمس، وفي وقت تتصاعد فيه حدة الاعتداءات الصهيونية على الشعب الفلسطيني ويقابلها في الوقت ذاته صمت ان لم يكن عجزاً عربياً فريداً من نوعه عن دعم هذا العمل التحرري، سواء كان ذلك على المستوى الرسمي أو على مستوى الشارع العربي. والواقع ان هذه الانتفاضة التي غيرت موازين وحسابات ورهانات كثيرة، لم تجد دعماً عربياً يلائم ويوازي وقعها على المستوى الاقليمي والدولي، بل ان أغلب الاجتماعات التي عقدت من أجلها خرجت بدون نتائج تذكر، ومن أمثلة ذلك الاجتماع الطاريء بالقاهرة الذي قرر دعم الانتفاضة اقتصادياً، لكن هذا الدعم لم يبلغ نصف ما تقرر، أما قمة عمان والتي أكدت على مقاطعة اسرائيل، لم تجد تأثيراً في اجتماع مكتب المقاطعة بدمشق حيث لم يتجاوز الحضور النصف. إذا مشكلة الانتفاضة الرسمية كانت تحاط بها جسد عربي لم يقدم ما هو مطلوب منه، أما على مستوى الشارع العربي فالواقع ان هذا الشارع قد تحرك ولأول مرة منذ قرون في وقت واحد وعمت المظاهرات من المحيط إلى الخليج دعماً للانتفاضة وقدم الجميع دعمهم المادي ولكن سرعان ما حل الفتور بهذا الدعم وبدأت انشغالات أخرى تطغى على ذلك الشارع. وعلى المستوى الاسرائيلي فقد استطاعت الانتفاضة تغيير رئيس الوزراء الاسرائيلي وان كان القادم ارييل شارون كما أثرت على البنية الاجتماعية للكيان الصهيوني وكان ذلك جليا وواضحا، وأمام كل هذا جاءت الغارات الجوية على واشنطن ونيويورك وكانت هذه الضربة التي هزت العالم قد طال تأثيرها على الانتفاضة فمنذ الثلاثاء الأمريكي الدامي لم تقم أي عملية استشهادية بل أعلن «وقف اطلاق النار» وهو في الحقيقة وقف الانتفاضة. «البيان» التقت في دمشق، سياسيون ومفكرون ومثقفون وفنانون سوريون ليتحدثوا عن الانتفاضة، ويقيموا الدعم العربي لها، وما هي آفاق المستقبل بالنسبة لها. مع التأكيد ان الجميع شدد على ضرورة استمرارها لأنها الطريق الأمثل لنيل الحقوق وانهاء الاحتلال. في البداية يقول عز الدين ناصر رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال سوريا ان العمال العرب واتحاداتهم القطرية لم يرتفعوا إلى مستوى ما هو مطلوب منهم لدعم الانتفاضة حيث يسيطر الصمت العربي شعبياً ورسميا، وتساءل أين مسيرات الاحتجاج والاعتصامات والمبالغ والأموال الواجب تقديمها لأسر الشهداء والذين يجتاح الاحتلال بيوتهم ويهدمها ويوجه مدافعه إلى صدورهم وأجسامهم يحرقها. أليست أعمال القمع والقتل والارتكاب تمثل أقصى درجات الارهاب والعنصرية والعدوان على الشعب الفلسطيني ومقاومته المقدسة؟ وأضاف ناصر قائلا: هل يمكن لنا أن نتساءل ماذا فعل كل منا من أجل الانتفاضة لاستمرارها وتقوية ساعدها بشكل جدي ملموس وفاعل؟ ان قوى الاعتداء تتصاعد وتتوحد في كل مكان لاجهاض الانتفاضة فلماذا نحن العرب لا نوحد أقوالنا وأفعالنا ومواقفنا وايجاد الوسائل الممكنة لحماية وضمان واستمرار الانتفاضة كي تحقق أهدافها معربا عن موقف سوريا الداعم على الصعيد الشعبي والرسمي للقضية المركزية الفلسطينية، مشيرا لما شهدته البلاد من مسيرات واحتجاجات ومظاهرات واعتصامات وما قدمه عمال سوريا من تبرعات سخية لدعم الانتفاضة لافتا إلى دور اللجان الشعبية المشكلة في المدن والأرياف والمبادرات العظيمة التي تصب جميعها في خندق المقاومة دعما وتحقيقا لصمود الانتفاضة. يقول حسن جمام رئيس الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب: ان ما يحتاجه الشعب الفلسطيني هو القليل من الكلمات والكثير من الأفعال ويتطلب منا التحول من الخطابات إلى تقديم المقترحات الملموسة ووضع الخطط العملية كي تكون على قدر المسئولية ومستوى الانتفاضة وتضحيات الشعب الفلسطيني. وأشار جمام إلى ما تضمنته مذكرة الأمانة العامة حول الانتفاضة من شرح لمعاناة الفلسطينيين من النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية والصعوبات المحيطة بالانتفاضة الباسلة، ولدينا مقترحات مهمة عدة لمواجهة الصلف الصهيوني من خلال توحيد الجهود وحشد الطاقات والامكانات المادية والبشرية داعياً بذلك إلى وقف كل أشكال التطبيع مع اسرائيل على كافة المستويات مطالبا باغلاق السفارات ومكاتب التمثيل الدبلوماسي والتجاري والثقافي مع الكيان الصهيوني وتنظيم مقاطعة فعالة للبضائع والسلع الاسرائيلية والأمريكية في كافة الأسواق العربية والقيام بحملة اعلامية شعبية واسعة لدعم الانتفاضة الفلسطينية مادياً ومعنوياً وتوسيع الحملة على المستويين الاقليمي والدولي لحشد الدعم اللازم لعمال وشعب فلسطين. جسد التاريخ يقول الكاتب محمد عبدالمولى مخطيء من يظن ان انتفاضتنا عمرها عام أو بعض عام لأن في هذا اقتطاعاً لسيرورتنا داخل جسد التاريخ تاريخنا ليس عاماً أو أعواماً. قبل عام لم نكن نائمين حتى نؤرخ صحوتنا بدءا من عام ما (قيل عام وقيل عامين وجيل في) لم يكن العدو يقدم لنا الورود وقطع الحلوى ثم ندم على فضيلته فقدم لنا الصاروخ والدبابة والمجزرة، فعلى طول الخط، خط التاريخ والمستقبل، لم يغادر العدو تفكيره المعدني والمؤلف من مجنزرات ومصفحات وبنادق وطائرات ولن يغادر تفكيره ذلك، فالمعدن بيت العدو لأنه لا يملك متعة الالتصاق بالتراب والحجر والشجر، فالتراب والشجر عدوان للعدو لا يتحمل رؤية أرض خالية من المستوطنة أو الدبابة أو وصايا التلمود ليس في وارد العدو ولادة شجر الزيتون هذا رعب حقيقي له. وأضاف: عدونا يحتل نفسه قبل أن يحتلنا والفارق ما بيننا اننا نملك مقومات أن نتحرر منه في حين سيبقى هو محتلاً بنفسه لنفسه ولن يتحرر من نفسه لأنه لا يمتلك الاسم الحقيقي خارج القتل والذبح ونقض المواثيق هو يمتلك (تربية) فريدة لا تصنع منه فكرة انسان انه يعيش غربته عن (الانسان) الذي ينتج واقعه وتاريخه ويؤلف اسطورته بأظافره يثبت الزمن في شاطيء بحر أو مهرجان للعنب أو موسيقا على سفح الجبل، الانسان الذي يكتب معناه وينقله من جبل إلى جبل يعرف الفرح إلى أقصاه والحزن إلى أقصاه والنشوة إلى أقصاها والسخرية إلى أقصاها أي يحيا الوجود إلى أقصاه عدونا يدرك إلا (معنى) له وان اقامة مدن حديثة على جغرافيا ليست من حقه لا يقدم له مغزى لوجوده. أما الكاتب والسياسي حمدان حمدان فيقول: مع مرور يوم أمس تكون الانتفاضة الفلسطينية قد أتمت عامها الأول بلياليه الحالكة مع العميق من الحزن والقليل من التردد.. فقد كان مفهوما منذ الانتفاضة الأولى أواخر الثمانينيات بل ومنذ أوائل المجابهات مع الكيان الاسرائيلي بأن ميزان التكافؤ كان مكسوراً لا بين الفلسطينيين واسرائيل بل بين ـمجموع) الدول العربية من جهة واسرائيل من جهة مقابلة. كانت الانتفاضة الثانية بالنسبة للشعب العربي الفلسطيني مع تفهم دروس الانتفاضة الأولى والاتعاظ بعبراتها الميدانية أشبه ما تكون بالقدر المكتوب على جباه شعب فلسطين بشيبه وشبانه ونسائه وأطفاله وهذا المقدر المحتوم لم يكن مخالطة غيبيات أو استشعار رؤى ما ورائية خطتها الطبيعة المجهولة لمصائر الناس بل ان قدر الفلسطينيين كان منذ البداية في النقيض الاسرائيلي وما رافقه عبر قرون كاملة من «أرض الميعاد وشعب الله المختار وأرضي يا اسرائيل» إلي آخر ما فاض به أدب الغرب التوراتي ومصالحه الاستعمارية بدءا بقرن بريطانيا المعروف وانتهاء بقرن القوة الأمريكية الوحيدة في العالم اليوم. إذن فإن المقابلة كانت مكسورة بين اسرائيل وحلفائها العالميين من جهة وبين ذاتية التصميم الفلسطيني تحفه أدعية الشعوب العربية والاسلامية مع عدم اهتمام رسمي عربي لا يعرف الخجل. وأضاف: ان الاثر السلبي الذي يؤثر على الانتفاضة الآن هو الضربات الموجعة التي وجهت لنيويورك وواشنطن، واسهام عرب ومسلمين بها، وهذا يؤشر إلى عودة اختلال المكاييل وانعدام النزاهة في الضمير الأمريكي. النضال المتواصل يقول اللواء طارق الخضراء رئيس أركان جيش التحرير الفلسطيني ان الانتفاضة الفلسطينية هي انتفاضة الحرية والاستقلال وهي انتفاضة كل الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، وان يكن غلب عليها اسم «انتفاضة الأقصى» بسبب ان القدس والمسجد الأقصى هما مركز الصراع ولا ريب ان هذه الانتفاضة الشعبية الباسلة المستمرة بقوة ليست منعزلة عن نضالات شعبنا ومعارك أمتنا ضد هذا العدو المحتمل، فهي ليست مفصولة عن النضال المتواصل للحركة الوطنية الفلسطينية منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى اللحظة بل هي معززة للتراث النضالي الوطني والقومي التحرري للشعب الفلسطيني وللنضال القومي للأمة العربية ضد عدوها الرئيسي الكيان الصهيوني المحتل. هذه الحسبة المهمة تشكل بداية فهم آلية الانتفاضة والمقاومة الوطنية الفلسطينية ضد الاحتلال، فهي فلسطينية المحتوى عربية الهوية والانتماء وبذلك تشكل أنبل ظاهرة نضالية عربية ينبغي الوقوف معها ودعمها بكل السبل ليس لأنها تخوض النضال الشرس وتقاوم الاحتلال بالحجارة والاصرار على الحقوق والتمسك بالأرض العربية بل لأنها تشكل الخندق الأساسي للدفاع عن كامل الحقوق والكرامة العربية والاسلامية في فلسطين والمنطقة العربية وشعبنا المقاوم ببسالة قوات الاحتلال الغاشمة التي ترتكب المجازر الوحشية كل يوم وتدمر الحياة والبيوت والأشجار وتقاتل المناضلين الشرفاء، هذا الشعب الآبي الصعب على الركوع والاستسلام يخوض معركة الأمتين العربية والاسلامية وحري به أن يلقى منهما الدعم والمساندة الحقيقية لا بيانات التأييد والشجب اللفظية، وينبغي تعزيز الشعور بأن ما يجري في فلسطين يمس كل عربي ومسلم ويمس العربي المسلم كما يمس ويهدد العربي المسيحي، فالعدو الصهيوني لا يفرق بين مسجد وكنيسة وبين مسيحي ومسلم وهذا العدو العنصري الفاشي يقتل ويقصف البيوت في فلسطين ولا يفرق بين جنين وغزة ورفح وبين جالا وبيت ساحور انه يدمر كل شيء في حرب الابادة والارهاب المنظم الذي يستهدف غدرا اغتيال رموز المقاومة وتصفيتها ظنا منه انه بذلك يستطيع انهاء الانتفاضة المستمرة والشاملة وفرض الاستسلام على هذا الشعب الآبي الصامد ولكن خاب ظنهم. فالانتفاضة أقوى من آلتهم العسكرية المدججة بكل أسلحة الدمار الأمريكية والانتفاضة ستنتصر رغم كل الظروف الصعبة والمعقدة لأنها انتفاضة شعب يسير نحو الحرية بتلال دمه. يقول د. طلال ناجي نائب الأمين العام للجبهة الشعبية (القيادة العامة): ان الشعب الفلسطيني أثبت بعد مرور عام على انطلاق انتفاضته الشجاعة، مدى تصميمه على الكفاح والنضال بكل الوسائل المتاحة له من أجل استعادة حقوقه المشروعة بالرغم من كل اجراءات التنكيل والبطش التي اتبعها العدو الصهيوني مستخدما فيها كل أنواع الأسلحة الأمريكية من دبابات وطائرات ضد جماهير عزل إلى حد كبير بالرغم من كل ذلك هذا الشعب مصمم على الاستمرار إلى أن يستعيد حقوقه المشروعة التي أجمع عليها كل الشعب الفلسطيني وكلفتها الشرائع الدولية وصدرت بصددها مئات القرارات من الهيئات الدولية وفي مقدمتها الجمعية العامة العمومية ومجلس الأمن الدولي، هذه الحقوق التي تأتي في مقدمتها حق العودة الكاملة إلى ديارهم إلى الأرض الفلسطينية وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني فوق أرضه وحقه في إقامة دولته المستقلة على كامل الضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس الشرقية عاصمة لفلسطين. وإزالة المستوطنات الاسرائيلية عن قطاع غزة والضفة الغربية. بعد عام نحن على ثقة ان هذا الشعب العظيم الصابر لن يستكين ولن يرضخ ولن يستسلم أمام تنكيل آلة البطش البربرية الاسرائيلية وسوف يستمر بانتفاضته المباركة إلى أن يجبر هذا العدو على الانسحاب من الضفة والقطاع والقدس والتسليم بالحقوق الوطنية الثابتة لهذا الشعب. نحن ندرك بأن الظروف الحالية بالغة الخطورة وان العدو الصهيوني يستغل ما حدث في أمريكا من انفجارات خطرة، ونحن كجبهة شعبية ندين ما حدث في أمريكا ولا نوافق على ما حدث ولقد أعلنت كل الفصائل على شجبها للعملية واستنكارها لقتل المدنيين الأبرياء، ونحن مجاهدون نعمل من أجل تحرير وطننا المحتل من عدو مغتصب لأرضنا وحقوقنا الشرعية ونحن بموجب القوانين الدولية حركة تحرير وطنية نعمل من أجل استعادة حقوقنا المشروعة ولسنا ارهابيين ولا نوافق على قتل الأبرياء أو على استخدام السلاح ضد المدنيين الأبرياء. يحاول العدو الصهيوني وفي مقدمته السفاح شارون سفاح مجزرة قبية وقاتل الأسرى المصريين في صحراء سيناء ومجازر صبرا وشاتيلا في لبنان والقتل الجماعي ضد الشعب الفلسطيني في هذه الأيام وهو يستغل الأحداث في الولايات المتحدة ويمارس المزيد من القتل والبطش ومحاولة منه بإنهاء الانتفاضة أو جر السلطة الفلسطينية بشكل ذليل إلى طاولة المفاوضات للحصول على تنازلات جديدة مستغلاً الظروف النفسية الضاغطة التي تعيشها منظمة التحرير الفلسطينية. دمشق ـ يوسف البجيرمي: