منذ فترة قال احد قادة جيش الاحتلال الصهيوني ما نصه: «نملك اسلحة تمكننا من احتلال كل الشرق الاوسط .. لكننا للاسف لا نستطيع حماية مستوطن وزوجته وهما يسيران داخل او بجانب احدى مستوطنات الضفة وغزة». ذلك بالضبط هو جوهر ما فعلته انتفاضة الاقصى بعد مرور عام على اندلاعها: زلزلت ليس فقط جيش الاحتلال او حتى المستوطنين ولكن وهذا هو الاهم روح المجتمع الاسرائيلي نفسه. قد يكون سوء حظ كبير صادف الانتفاضة، وهو الهجمات ضد واشنطن ونيويورك، وعلينا الاعتراف اننا اذ كنا نعيش فعلا عصر العولمة والهيمنة الامريكية الشاملة على غالبية الكون، فان جدول اولويات العالم بأكمله قد تغير الآن ولو الى حين، ولكن علينا الايمان ايضا بأن قضايا الشعوب التي تتوق للتحرير من نير الاحتلال لا يمكنها ان تتلاشى لمجرد ان دولة عظمى ـ ولو كانت بحجم امريكا ـ لا تريد لاي قضية اخرى ان تشوش على قضيتها الراهنة. التاريخ الانساني الذي يخبرنا ان ما من قوة على ظهر الارض مهما بلغ شأنها قادرة على اجتثاث حق شعب او امة تريد الحياة بكرامة واستقلال. الانتفاضة قد تهدأ حينا، والعمليات الاستشهادية قد تتوقف قليلا، وقد نرى في الايام المقبلة مزيدا من اللقاءات والمفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين بمباركة غربية وعربية، لكن كل ذلك سيتوقف على ما يقدمه الاسرائيليون، واذا كنا نعرف مسبقا ان شارون وعصابته غير مهيأ لاعادة الحقوق لاصحابها، فعلينا ان نتوقع ان عودة الزخم للانتفاضة ماهو الا مسألة وقت ريثما يهدأ الغبار الذي يثيره الحشد العسكري الامريكي الآن في كل العالم. لكن الحقيقة المهمة التي علينا كعرب ان نتمسك بها، ان انتفاضة الاقصى كانت هي الحدث الاكثر نبلا في التاريخ العربي الراهن، مشكلتنا اننا لا نرى من اسرائيل الا عنجهيتها وصلفها وأسلحتها الاكثر تقدما، لكن من يتابع الصحف الاسرائيلية بدقة يكتشف بسهولة ان اطفال الحجارة وشباب العمليات الاستشهادية تمكنوا خلال عام واحد من قلب حياة الاسرائيليين رأسا على عقب، الكثيرون تركوا مستوطناتهم الى ارض 48 وآخرين تركوا كل فلسطين للخارج، جميعهم لم يعودوا آمنين في المنازل والشوارع والحافلات والمقاهي والمطاعم، اخيرا ذاقوا طعم الالم والمعاناة التي طالما اذاقوها للفلسطينيين. في تجارب الشعوب لم نسمع ان دولة احتلال قامت باعادة ما تحتله من تلقاء نفسها على طاولة المفاوضات، فعلت ذلك فقط عندما ادركت ان ثمن احتلالها اصبح فادحا، والانتفاضة بدأت الطريق الصحيح، وبشائر النصر تلوح في الافق رغم كل الضباب الذي يخيم على سماوات المنطقة. عماد الدين حسين