وسط توتر واحتقان دوليين غير مسبوقين منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية يمر عام على إندلاع إنتفاضة الأقصى ففي الحادي عشر من سبتمبر وقع زلزال مفاجئ هز أركان القطب الأوحد في العالم المعاصر، وتمثل في الهجمات الإنتحارية المحكمة بالطائرات المدنية على رموز القوة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية في كل من نيويورك وواشنطن. ومما لاشك فيه أن هذه الأحداث قد غيرت أو على الأقل أعادت النظر في مفاهيم عديدة حول طبيعة ما يعرف بالنظام العالمي الجديد بعد أن كادت تستقر في العلاقات السياسية الدولية. وما يعنينا في هذا المقام هو أن إسرائيل ـ الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة ـ حاولت الاصطياد في الماء العكر لتحقيق مصالحها حتى ولو كان على حساب الحليف الذي يمر بأقسى ظروف يتعرض لها في تاريخه!! لقد تصورت إسرائيل أنها الفرصة لاستغلال حوادث يوم الثلاثاء الدامي للإجهاز على الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية بالإيحاء بأن هذه الحوادث هي نتيجة للإنتفاضة الفلسطينية وحملت الفلسطينيين مسئولية ما حدث ثم سرعان ما عبأت الشعب الأمريكي المأخوذ بالصدمة من خلال جماعات الضغط الصهيونية المسيطرة على مراكز توجيه الرأي العام والاعلام في إتجاه أن منفذي العمليات الإرهابية عرب ومسلمون . وكأن كل ركاب الطائرات الأربع التي نفذت الهجمات في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا كانوا عربا ومسلمين ومن أتباع الناشط الإسلامي أسامه بن لادن! وبغض النظر عن هوية الفاعلين والجهة أو الجهات التي وراءهم فإن إسرائيل استثمرت على نحو كبير هذه الأحداث عملا بالقول الشائع مصائب قوم عند قوم فوائد ويبدو ذلك من التزامن بين تباكيهم كنوع من التضامن مع المصاب الأمريكي وتصعيد الإسرائيليين لعملياتهم الإرهابية ضد الفلسطينيين حيث قتل جنود إرييل شارون أحد عشر فلسطينيا دفعه واحدة في أعقاب التفجيرات بالإضافة إلى اقتحام المناطق الفلسطينية!! وأوضحت إسرائيل أن هذا الفعل ـ الإرهابي ـ رد فعل إنتقامي إسرائيلي من الشعب الفلسطيني على الهجمات التي وقعت في الولايات المتحدة رغم أن الفلسطينيين لا علاقة لهم من قريب أوبعيد بهذه الحوادث حسب المعلومات التي توفرت حتى الآن لدى سلطات التحقيق الأمريكية! هذا المنهج الإسرائيلي في التعامل مع الفلسطينيين ليس جديدا بل يمكن القول أنه بعد مرور عام من عمر إنتفاضة الأقصى فشلت الدعاية الصهيونية في ربط هبة الشعب الفلسطيني بالإرهاب لأن الإنتفاضة ظلت حالة من التعبير عن إرادة شعب يرفض القهر والاحتلال. وعبر التاريخ القديم والحديث لم توصف حركة أو ثورة شعب يسعى لاستعادة حقوقه المشروعه بأنها إرهابية بل العكس هو الصحيح تعد سياسات التركيع والإذلال والاغتيال والتدمير هي الإرهاب بعينه. والأمر في هذا الخصوص ينطبق على سلطات الاحتلال الإسرائيلية التي تمارس الإرهاب في أبشع صوره خاصة منذ أن تقلد إرييل شارون سدة الحكم! ـ إذن ماذا يمكن أن نطلق على قتل المدنيين الفلسطينيين خاصة الأطفال منهم . ومحمد الدره وإيمان حجو لم تبرد دماؤهما بعد .. أليس هذا عملية إرهابية منظمة تستهدف إبادة شعب بأسره ؟! ـ ماذا يمكن أن نصف عمليات تدمير المنازل وإقتلاع أشجار الزيتون وتجريف الأرض وحصار شعب والتآمر على حياته ولقمة خبزه .. أليس هذا إرهابا ؟! اعتقد أنه بعد حوادث أمريكا التي اكتوت بنارها وفي عقر دارها آن الآوان كي تسمي الأشياء بمسمياتها الصحية ولعل الإدارة الأمريكية تعي حقيقة الخطأ الذي وقعت فيه عندما اتبعت سياسة غض الطرف لتطلق العنان للإرهاب الإسرائيلي! وعليه يصبح من أحد الدروس المستفادة من حوادث سبتمبر أن تتعامل واشنطن مع الإرهاب بصرف النظر عن جنسية أو دين المتورطين فيه، وأن إسرائيل هي إحدى الجهات الراعية والمنفذة للإرهاب في العالم. وإذا كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة قد تجنبت الاعتراف بهذه الحقيقة وظلت تلوي الحقائق فإن الإدارة الحالية لايمكنها أن تتجاهلها لأن وضعها أكثر حساسية واختلافا عن الإدارات السابقة وليس من صالحها اليوم تجاهل الإرهاب الصهيوني! إن العالم كله يقف اليوم ضد الإرهاب فليس من العدل والمنطق أن تستثنى إسرائيل ويجرى الإلتفاف حول حقيقة أنها الدولة الإرهابية الأولى في هذا العالم. ونحذر أن هذا الإلتفاف سيساعد عناصر الإرهاب على تنفيذ المزيد من العمليات ضد الولايات المتحدة وغيرها في أي مكان من العالم وسوف تتكرر حوادث الحادي عشر من سبتمبر إذا لم تعد الولايات المتحدة النظر في فهم وتطبيق مبدأ العدالة المطلقة الذي ترفعه شعارا في حملتها ضد الإرهاب ـ وتطبقه على الجميع بلا استثناء! إن الإنتفاضة الفلسطينية باعتراف القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة حق مشروع للشعب الفلسطيني في مقاومة المحتل وبالتالي لايمكن وصف فصائل المقاومة بأنها منظمات إرهابية لأنها حركات تحرر وطني موجهة إلى إحتلال استيطاني توسعي أجنبي في فلسطين. أما سياسة الاغتيالات الإسرائيلية ـ وهي شكل واحد من أشكال الإرهاب الصهيوني ـ تعد إرهاب دولة تؤيده أطراف مواليه لإسرائيل ومن بينها الولايات المتحدة أوعلى الأقل تلتزم الصمت بصدده أو تنتقده على استحياء! فهل يفيق العالم من غفوته بعد حوادث أمريكا الدامية ويضع الأمور في نصابها الصحيح؟! دعونا نتحدث بصراحة أن إسرائيل تتعامل مع الإنتفاضة بنفس الكيفية التي تعرضت لها أمريكا يوم الثلاثاء الأسود في تاريخها مع الفارق أن ما حدث في واشنطن ونيويورك كان لمدة يوم واحد ـ رغم فداحة الخسائر إلا أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية مسلسل مستمر من العدوان على أرواح الأبرياء وترويعهم والنيل منهم ولو تم حساب الإرهاب الإسرائيلي قياسيا لنجد أن المباني التي دمرت في فلسطين لو وضعت فوق بعضها لسوف تفوق إرتفاع مركز التجارة العالمي ببرجيه التوأم!! معنى ذلك أن قوى الإرهاب التي تضرب الفلسطينيين يوميا بطائرات إف 16 والأباتشي وتقصفهم بالصواريخ من المروحيات والدبابات لا تختلف عن قوى الإرهاب التي هاجمت أمريكا. ويؤكد التاريخ أن للصهاينة سجلا ملطخا بدماء الأبرياء من عمليات إرهابية نذكر ببعضها على سبيل المثال لا الحصر: ـ قتل اليهود الكونت برنادوت وسيط الأمم المتحدة في فلسطين ونسفوا فندق الملك داود في القدس. ـ أغرقت المنظمات الإرهابية اليهودية سفن المهاجرين اليهود في ميناء حيفا عندما قرر ركابها الهجرة إلى الولايات المتحدة بدلا من الاستيطان في فلسطين في عام 1945. ـ قدم اليهود العون للزعيم النازي إدولف هتلر لقتل بعض أبناء ذويهم في المانيا لدفعهم إلى الهجرة إلى فلسطين ونفذوا عمليات تفجير في بغداد وسط يهود العراق لحثهم على الهجرة. ـ نفذ اليهود في القاهرة في أوائل الخمسينيات فضيحة لافون التي خطط لها اسحق لافون أكبر المسئولين العسكريين في إسرائيل للوقيعة بين مصر والولايات المتحدة. ـ اغرقت إسرائيل في عام 1967 المدمرة الأمريكية ليبرتي التابعة للأسطول السادس في البحر المتوسط لتوريط أمريكا في حرب بالشرق الأوسط. هذا قليل من كثير من سجل طويل لجرائم الإرهاب الصهيوني لماذا لا تتم اعادة قراءته من قبل الولايات المتحدة قبل أن توجه الإتهام إلى العرب والمسلمين وتتناسى أو تتجاهل دور الصهاينة اليهود في إمكانية تحريض اليمين الأمريكي المتطرف الأكثر إرهابا وعداء للحكومة الأمريكية على القيام بحوادث التفجيرات الأخيرة! إن المجتمع الدولي وبصفة خاصة الولايات المتحدة مدعوين للتريث وتحكيم صوت العقل قبل أن ينشق العالم على نفسه مما يؤدي إلى كارثة محدقة بالإنسانية. ويمكن القول إن سياسة التحريض التي تمارسها إسرائيل للإيقاع بالعرب والمسلمين في شراك الإنتقام الأمريكي تسعى في واقع الأمر إلى تحقيق مصالحها العليا وتبعث حلما تاريخا بتفجير شرارة إندلاع حروب صليبية جديدة! وليس غريبا أن تصل حملات التحريض الإسرائيلية إلى حد من الإدعاء والزيف بتشبيه العمليات الاستشهادية التي تقاوم بها فصائل المقاومة الفلسطينية هذا المحتل الإسرائيلي بعمليات التفجير الأخيرة في الولايات المتحدة. إن هذا الخلط في الحقائق لايمكن أن يقبله أي عاقل وفي تقديري أن العرب والمسلمين أمامهم فرصة اليوم في القيام بفضح الزيف الإسرائيلي وكشف أن الإرهاب الحقيقي هو ما تقوم به إسرائيل ضد الشعب العربي الفلسطيني وأن الحملة الدولية على الإرهاب يجب أن تطال إسرائيل. خلاصة القول. وإذا لم يضع صانعو القرار في السياسة الأمريكية هذا في اعتبارهم وقبل التسرع بزج العالم إلى آتون حرب لا يعرف مداها أو عواقبها إلا الله سبحانه وتعالي فإنهم أي الأمريكيون سيقعون في مغالطة خطيرة فليس من مصلحة الولايات المتحدة وبعد ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر أن تتعامل بسياسة المعايير المزدوجة وغض الطرف عن جرائم الإرهاب الإسرائيلي أو شق الصف العربي والإسلامي خاصة وأن الشعب الأمريكي بصفة خاصة يعيش فترة عصيبة من تاريخه ويحتاج إلى إستعادة الثقة في قدراته ليس بالتهور والمضي إلى مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج قد تؤدي تداعياتها إلى حالة في العالم يصعب الآن التنبؤ بها ستكون الولايات المتحدة أول الخاسرين فيها.. ولكن يمكن استعادة الثقة بالإنصات الى صوت العقل ومراعاة أن الإرهاب ليس له وطن أو دين إنما هو ظاهرة تحتاج إلى آلية دولية دائمة قادرة على اجتثاثه!! بقلم: إبراهيم الصياد ـ كاتب وإعلامي مصري