لا يجوز أن يشغل العالم حدث مهما كان خطيرا، عن حرب الإبادة التي يواجهها الشعب الفلسطيني البطل، ولا عن دعم الإنتفاضة والمقاومة، التي أكملت عامها الأول، بكل ما تملك في مواجهة تهمة الإرهاب التي ترميها بها إسرائيل والصهيونية العالمية. فكأن الفلسطينيين والعرب بحاجة إلى مزيد من هموم ومشكلات غير متوقعه، حيث جاء المشهد الدرامي المرعب الذي عاشته الولايات المتحدة الأمريكية يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، ليضع الفلسطينيين والعرب، حكومات وشعوبا وأفرادا، أمام هم جديد، بدأ فور وقوع حوادث تفجير مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون في الولايات المتحدة. ولهذا الهم وجوه متعددة، فبداية يواجه العرب والمسلمون بصفة عامة، إتهاما صريحا تارة وتلميحا تارة أخرى بالمسئولية عما يجرى، واصبح كل من يحمل صفة عربي أو مسلم موضع شك وإتهام لا دليل يثبته. كما استغلت إسرائيل هذه التفجيرات التي وقعت في نيويورك وواشنطن، لتكرس من غطرستها وتوسع نطاق إعتداءاتها على الأراضي الفلسطينية، فقد قامت وحدات من المشاة تساندها المدرعات والجرافات بتطويق مدينة جنين وتوجيه ضربات مؤثرة ضد أهداف فلسطينية متعددة، فضلا عن اجتياح القوات الإسرائيلية أيضا مدن أريحا وقلقيلية وسلفيت، وقامت باعتداءات واسعة على قطاع غزة، مستفيدة من إنهماك العالم في تحليل تداعيات الحدث الأمريكي الكبير، وفي هذا السياق اعترف بنيامين بن اليعازر، وزير دفاع العدو الإسرائيلي، بأن قواته قتلت عشرات الفلسطينيين دون أي رد فعل عالمي. وفي هذه الأثناء شهدت العمليات الفلسطينية ضد إسرائيل تراجعا حادا، لاعتبارات سياسية واستراتيجية بعيدة. والشاهد أن الدولة الإسرائيلية بادرت بشن هجوم على السلطة الفلسطينية بدرجة عالية من الحرية في الفعل والسيولة في التصريحات، حيث تعالت أصوات متباينة، من اليمين واليسار، تطالب شارون باجتياح كامل الأراضي الفلسطينية، وظهرت تلميحات إسرائيلية تزعم أن الرئيس عرفات أصبح يشكل تهديدا استراتيجيا للغرب وحضارته، وذلك في محاولة رخيصة للإستفادة من الأجواء المعبأة ضد العرب والمسلمين، وحاول موشي كاتساف رئيس إسرائيل الربط بين ما تعرضت له الولايات المتحدة، وبين ما يزعم أن إسرائيل تتعرض له حاليا على أيدي الفلسطينيين، الأمر الذي تسعى من خلاله القيادات الإسرائيلية لنزع الشرعية الدولية عن السلطة الفلسطينية، التي أدركت بدورها جملة الرسائل الإسرائيلية، وحاولت التعاطي مع الموقف بمزيد من التريث على الصعيد الداخلي، والحذر على الصعيد الخارجي. والواقع أن الحدث الأمريكي، إذا كانت إسرائيل تسعى إلى جني ثماره حاليا، فإن إنعكاساته السلبية طالبت مباشرة خطة التحرك العربي لمحاصرة إسرائيل خلال إجتماعات الأمم المتحدة المقبلة في نيويورك، والتي تم إقرارها عقب اجتماعات الدورة 116 لمجلس وزراء خارجية دول الجامعة العربية.. وبالتالي فموقف السلطة الفلسطينية بات غاية في الحساسية، حيث تواجه تحديات جمة، بينما تزداد الخيارات أمام الحكومة الإسرائيلية، خاصة في ظل حملة الإتهامات الأمريكية التي تزعم تورط أطراف عربية وإسلامية في الأحداث الأخيرة، بصرف النظر عن أي إنتهاكات أو ممارسات عنصرية وإرهابية من قبل إسرائيل. وإذا كانت الإدانة الواضحة والصريحة من جانب جميع الدول العربية لسلسلة الاعتداءات الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة، تؤكد الإلتزام الأخلاقي والقانوني للأمة العربية، وهو التزام دائم ومستمر يرفض أي مساس بأرواح الأبرياء من المدنيين والآمنين، فإن ذلك لا ينقص من حق العرب الكامل في إدانة الإرهاب الصهيوني ضد الأبرياء والآمنين من أبناء الشعب الفلسطيني الذي ذاق ويلات القتل والتشريد والإبادة وسط صمت دولي مريب. إن سجل الإرهاب الإسرائيلي متخم بما لا يتصوره عقل، وبما لم يخطر على قلب بشر، من أجل خدمة أهداف عدوانية وتوسعية حتى ولو كان الثمن آلافا من الأبرياء، ان السجل يقول انهم هم الذين قتلوا الكونت برنادوت وسيط الأمم المتحدة في فلسطين، وهم الذين نسفوا فندق الملك داود في القدس، وهم الذين أغرقوا سفينة المهاجرين اليهود في ميناء حيفا، عندما قرر ركابها الهجرة إلى الولايات المتحدة بدلا من البقاء في أرض فلسطين، وهم ايضا من قدموا العون لهتلر لقتل بعض أبناء الجالية اليهودية لتحقيق نفس الهدف، وهم الذين نفذوا فضيحة لافون في القاهرة التي خطط لها اسحق لافون، أكبر المسئولين العسكريين في إسرائيل بهدف الوقيعة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية في بداية الخمسينيات. وهكذا فإن التاريخ الأسود للقادة الإسرائيليين، في مقدمتهم رئيس الوزراء الحالي أرييل شارون، يؤكد أن الإرهاب صناعة إسرائيلية بعد أن اسهم في اغتصاب الاراضي الفلسطينية والعربية وإهدار حقوق أصحابها، وأرقام وضحايا المذابح التي ارتكبتها العصابات وقوات الاحتلال الإسرائيلية على مدى أكثر من نصف قرن، تجسد هذه الحقيقة. وليس خافيا أن الدول العربية دعت - مرارا- الولايات المتحدة إلى تحمل مسئولياتها الدولية من أجل حماية الشعب الفلسطيني، على أساس أن الإرهاب أيا كانت صورته وشكله ولونه، فإن له هدفا واحدا هو ترويع الأبرياء والنيل منهم وسلب حقوقهم في الحرية والحياة. ان ثمة مؤشرات مزعجة تشير إلى أن هدف إسرائيل والعناصر الموالية لها في الولايات المتحدة الآن، هو الإساءة إلى العرب والمسلمين، بل ان حملة التحريض وصلت إلى حد تشبيه عمليات المقاومة الفلسطينية ضد الإحتلال الإسرائيلي، بعمليات التفجير التي شهدتها المدن الأمريكية. فالقوى الخفية التي خططت ونفذت انفجارات الولايات المتحدة الأمريكية، لا تختلف في أهدافها ووسائلها عن القوى التي خططت وتخطط كل يوم عمليات القتل والاغتيال والملاحقة لإرهاب وتركيع شعب فلسطين على مدى سنوات طويلة وحتى الآن. ان الفلسطينيين، كانوا ولايزالون يأملون في أن يدرك الأمريكيون إن كانوا لم يدركوا بعد، عدالة القضية الفلسطينية، وفداحة الظلم الذي لحق بأبناء هذا الشعب الذي شرد من وطنه، واحتلت أراضيه، وحرم من أبسط حقوقه السياسية والإنسانية، أما أن تعمد إسرائيل إلى استغلال الفاجعة الأمريكية للادعاء بأنها تقف في خندق واحد مع الولايات المتحدة ضد عنف الإرهاب، فهذا منطق سفسطائي مقلوب، ذلك أن إسرائيل في وضع الدولة المحتلة، التي تضطهد الشعب الفلسطيني وتحرمه من ممارسة حقوقه الوطنية والسياسية. ولعل من أخطر التداعيات السلبية لعمليات التفجير الإنتحارية في واشنطن ونيويورك، على القضية الفلسطينية وعلى إنتفاضة الأقصى المباركة، هو أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تعاني الآن من هول الصدمة، والتي لاتزال تحت وطأة المفاجأة، قد تغير بعض سياساتها ومواقفها بعد أن تستفيق مما حدث، والأرجح أن يكون هذا التغيير في إتجاه الإنسحاب تدريجيا من قضايا العالم ومشكلاته السياسية والاجتماعية والعسكرية، وقصر الاهتمام على الجوانب الأمنية والاقتصادية وفي الحدود التي قد تتأثر أمريكيا بها،وفي الوقت ذاته ستستمر وتزيد صعوبة اقناعها بالإنغماس مجددا في مشكلات وقضايا إقليمية، مادامت لا تمثل خطورة من الدرجة الأولى أو الثانية على أمنها أو مصالحها الاستراتيجية. والمشكلة هنا بالنسبة للعرب أن قضايا مثل الوضع في الشرق الأوسط، خاصة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لايمكن بحال الفصل فيها بين جوانب أمنية وأخرى سياسية. وهنا تكمن المعضلة في إقناع واشنطن بأن أمنها ومصالحها تتحقق إذا تبنت نهجا سياسيا محايدا، وليس إذا تحيزت أو حتى انسحبت ورفعت يدها عن الاهتمام بما يجري في المنطقة، بعبارة أخرى، ينبغي توصيل رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن الاقتصار على الاهتمام بالأمن بالمعنى المادي والعسكري وحسب، دون مراعاة الحقوق العادلة للشعوب، ومنها الشعب الفلسطيني لن يؤدي سوى إلى مزيد من تعقيد المشكلات وتفجرها. ففي ظل الإنحياز الأمريكي المستمر والصمت الدولي، ستتمادى إسرائيل في عدوانها ضد الشعب الفلسطيني، وتمارس الإرهاب يوميا بالحصار والقصف والقتل الجماعي واغتيال القيادات وهدم المنازل وتجريف وحرق الأراضي. وتشير أحدث بيانات معهد الأعلام والسياسات الفلسطيني إلى استشهاد نحو 700 مواطن واصابة أكثر من 22 الفا منذ إندلاع إنتفاضة الأقصى الباسلة، التي تكمل عامها الأول في 28 سبتمبر 2001، ومن بين هؤلاء الشهداء 28 سيدة ورضيعان ونحو 200 طفل دون الثامنة بنسبة بلغت 30% من مجموع الشهداء، كما أن 80% منهم تم قتلهم وهم خارج خطوط المجابهة مع قوات الاحتلال حيث كانوا في بيوتهم أو وجدوا في مكان القصف وإطلاق النيران بالمصادفة، كما توضح الأرقام أن 4% من الشهداء توفوا نتيجة منع قوات الاحتلال الإسرائيلي لسيارات الاسعاف التي تقلهم وعدم السماح لها بالتوجه إلى المستشفيات عند الحواجز الاحتلالية. وأمام هذه الأرقام وغيرها من الحقائق الدامغة التي تجسدها الصور للممارسات الإرهابية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين العزل في الضفة الغربية وغزة، فلابد أن تعيد الولايات المتحدة النظر في سياستها بالشرق الأوسط، وهي تقف الآن في مفترق طرق بعد أحداث بيرل هاربر الجديدة، فهل تتخلى عن سياسة الكيل بمكيالين وتتخذ مواقف أكثر عدلا تجاه قضايا العالم أجمع؟ أما إسرائيل، فإن عليها أن تتيقن أن أسلوب فرض الأمر الواقع بالقوة والعنف وقلب الحقائق لن يجدي لأن المقاومة المشروعة ستستمر لتحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، وكل الأراضي العربية المحتلة. ان الغضب في الشارع الفلسطيني والعربي، الذي يتغذى يوميا على إرهاب الدولة الذي هو سياسة مستمرة لإسرائيل ضد الفلسطينيين، لن يظل مجرد موجات غضب، بل لابد وأن تتدفق موجاته لتصب في نهر يحتويه، ويتخذ منه قوة فعل وتأثير، وعملا إيجابيا مخططا يردع الطيش السياسي الإسرائيلي المصنوع بسبق الإصرار والترصد، ويوقظ الدبلوماسية الأمريكية من السكون الاختياري، الذي يزيد من عدوانية إسرائيل وتجاهلها للسلام الذي تعاقدت عليه، وإندفاعها في طريق خطر ليس على غيرها فحسب، بل عليها في المقام الأول، أو حسب ما تقوله بعض أصوات يهودية عاقلة أن شارون يقود إسرائيل إلى الكارثة. بقلم: د. محمود مرتضى ـ كاتب سياسي مصري