بعد سبات طويل، وسنوات عجاف من العجز الرسمي والانكسار الشعبي، انعكست تصعيدا متعدد الاشكال والابعاد في ممارسات الاحتلال الصهيوني وغطرسته الارهابية. بعد حقبة طويلة من خيبات الامل ووعود السلام الموهوم، وبعد ان امتدت عتمة اليأس والاحباط لتلامس آفاق الأمل وتسد نوافذ المستقبل .. وبعد ان انسلخ العربي او كاد من جلده ومن هويته، ونسي او كاد ينسى لون السماء او حتى موقعها من طول ما سار مطأطأ الرأس، خجلا من نفسه وواقعه ومن اجياله المقبلة. بعد كل ذلك .. جاءت انتفاضة الاقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000، لتغير المفاهيم والموازين، ولتعيد خلط الاوراق من جديد وتقلب الطاولات على العدو وعلى «المشمشمين» حول موائده الليئمة. جاءت الانتفاضة الثانية .. انتفاضة الاقصى، لتعيد الحياة الى نبض الامة، ولتعيد الامة لذاتها ووعيها الذي غاب او غيب طويلا. فتمددت الشرايين وانتفض الجسد كله، على امتداد الوطن العربي واتساع الامة الاسلامية من اقصاها الى اقصاها. انهدت سدود اليأس، وانتفضت الامة مرفوعة الهامة، متطلعة الى المستقبل، وقد داست بأقدامها كل اوهام «التمدرد» (بعد مدريد») ووعوده الخادعة. بالطبع لم يقصد شارون، باجرامه المعهود وطبيعته الارهابية، شيئا من ذلك كله، حين قام بزيارته المشئومة للحرم القدسي الشريف صبيحة ذلك اليوم من ايام «ايلول»! بل كان العكس هو ما سعى اليه وعمل لاجله .. مزيد من تكريس الاحتلال وممارسة التهويد للقدس ومسجدها الاقصى. لكن المحتلين الصهاينة الذين زرعوا الظلم، واستنبتوا القهر والارهاب طوال نصف قرن وأكثر، كان حتما ان يتجرعوا حصاد زرعهم ويتذوقوا ما عملته ايديهم. وهكذا تحول اليأس جرأة والاحباط استشهادا، واصبح الصبي الاعزل الا من براءته وعفويته يواجه الدبابة ويتحدى آلة العدوان والارهاب. وعلى الجانب المعتدي انقلبت القوة هيستيريا جنونية، رغم كل ما تمتلكه من وسائل الحرب والدمار، وصارت الغطرسة خوفا وهلعا .. لتزدهر الهجرة المعاكسة، وتغص المصحات النفسية والعقلية بالباحثين عن ملاذ لم توفره لهم كل ادوات الحرب والعدوان. هكذا تجني اسرائيل حصاد الحقد والقهر الذي زرعته.. وكل زارع لابد، يوما، ان يحصد ثمار ما زرع!! عبدالله اسحاق