المؤرخ الأمريكي بول كيندي صاحب الكتاب الشهير صعود وسقوط الأمبراطوريات العظمى والذي تنبأ فيه بانهيار الولايات المتحدة كقوة عظمى قال عقب احداث نيويورك وواشنطن الأخيرة لقد بدأ القرن الحادي والعشرون يوم 11 سبتمبر 2001، ولاشك في أن العالم قبل 11 سبتمبر تاريخ وقوع هذه الأحداث يختلف عن العالم بعد يوم 11 سبتمبر فهذا الحدث يحمل الكثير من الدلالات ذات البعد الاستراتيجي في السياسة الدولية تفوق في اهميتها ومداها حجم الدمار والخسائر والضحايا الذين شاهدهم العالم على الهواء مباشرة عبر الأقمار الصناعية، ومن هنا تأتي أهمية العبارة الموجزة التي لخص فيها بول كنيدي رؤيته لما حدث.. وفي هذه الدراسة نحاول تحديد أهم دلالات هذا الحدث وتداعياته بصفة عامة وعلى المنطقة العربية والانتفاضة الفلسطينية بصفة خاصة. أولى الدلالات الاستراتيجية لما حدث في الولايات المتحدة من تفجيرات أول ما يطرأ على الذهن عند تأمل هذه الأحداث هو الاهتزاز الشديد الذي أصاب مكانة الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم فالقوة العظمى معناها الدولة القادرة على ردع أي تهديد محتمل لأمنها والقادرة على الصمود بنفسها أمام أي أطراف آخرى، ولكن ها هي تفجيرات نيويورك وواشنطن والموجهة إلى رموز القوة الأمريكية توضح عدم قدرة الولايات المتحدة على ردع ما يهدد أمن مواطنيها وهم يمارسون حياتهم اليومية، وليست المسألة قاصرة في بعدها الاستراتيجي على هذا وإنما تمتد إلى تأثير هذا على نظرة الدول الأخرى إلى القدرة الأمريكية الفعلية على الردع، فالدول لا تتعامل مع القوة العظمى على أساس قوتها الفعلية، بقدر ما تتعامل معها على أساس إدارتها وفهمها لهذه القوة، وقد يكون هناك تطابق وعدم تطابق بين القوة الفعلية للقوة العظمى، وإدراك الدول الأخرى لطبيعة هذه القوة ومداها وكأن الأحداث الأخيرة أوضحت حالة عدم التطابق بين حقيقة القوة الفعلية الأمريكية والقوة المدركة لدى الأطراف الأخرى، الأمر الذي يهدد في المستقبل مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى ما لم تؤكد الولايات المتحدة أن الأمر بخلاف ذلك، ولعل هذا ما يفسر هذا التحرك الهيستيري للولايات المتحدة من أجل تكوين تحالف دولي وشن حرب ضد عدو غير معروف وغير محدد، وهو ما قد يحمل معها مخاطر غير متصورة على الولايات المتحدة وعلى السلم والأمن الدوليين، إلا أنه في ذات الوقت لا يجب إغفال حاجة الولايات المتحدة إلى القيام بعمل ما تبرز فيه عناصر قوتها الحقيقية، في رسالة محددة وواضحة إلى القوى الأخرى، بأنها مازالت القوة العظمى الوحيدة. ثاني الدلالات التي يمكن إبرازها من خلال هذه الأحداث هو أن حدوث تغير في الإطار البنائي القائم للنظام الدولي له تكاليف وأعباء كبيرة على كافة الأطراف الدولية، بعض هذه الأطراف غير مستعدة أو غير قادرة على تحملها، والبعض الأخر غير مستعد وغير قادر من ذات الوقت على ذلك، والبعض ان كان قادرا على تحملها إلا أنه لا تتوافر له الاستعدادات اللازمة لتحمل هذه الأعباء. الدلالة الثالثة لهذه الأحداث على المستوى الاستراتيجي فتمثل في رد الاعتبار للجيوبوليتيك أو الجغرافيا السياسية، بعد فترة اهتزت فيها أهميتها لحساب العوامل الاقتصادية أو ما أطلق عليه البعض الجغرافيا الاقتصادية، فهذه الأزمة أوضحت أهمية الجيوبوليتيك بصورة مؤكدة، فبالنسبة للولايات المتحدة أعادت اكتشاف الأهمية الاستراتيجية لبعض الدول التي كانت بعض الآراء قد قللت من أهميتها بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية الكونية، مثل باكستان ومصر والسعودية وتركيا وغيرها، فاعتبارات الجغرافية السياسية اعتبارات حاكمة ومؤثرة في التفاعلات الدولية خاصة في أوقات الأزمات. الدلالة الرابعة تتعلق بالخسائر الاقتصادية في ظل العولمة، فهذه الخسائر التي لحقت بالاقتصاد الأمريكي تمتد بآثارها إلى معظم اقتصادات العالم بل أنها تهدد بأزمة اقتصادية عالمية شبيهة بأزمة الكساد العالمي عام 1929 ولذلك لجأت القوى الاقتصادية الكبرى إلى اتخاذ العديد من الإجراءات لمنع حدوث هذه الأزمة نظرا لضخامة الاقتصاد الأمريكي حيث أن الولايات المتحدة تمثل تجارتها الخارجية 25 من إجمالي حجم التجارة الخارجية، وتساهم بنسبة 40 من حجم الاستثمارات والأموال المتدفقه في شرايين الاقتصاد العالمي. الدلالة الخامسة تدور حول محاولة بعض الدول توظيف رد الفعل الأمريكي المحتمل والذي يقوم على أساس محاربة ما تسميه الولايات المتحدة بالإرهاب تحدده مصالحه وعلاج مشكلاته الخاصة، ولذلك برز الحديث عن الإرهاب الإسلامي، فإسرائيل حاولت الصاق تهمة الإرهاب بالمقاومة الفلسطينية المشروعة للدفاع عن النفس، وروسيا الاتحادية لها مشكلاتها مع الشيشان، والهند تواجه مقاومة إسلامية في كشمير، والصين لها مشكلاتها مع الإسلاميين في إقليم سنيليانج أو تركستان الشرقية، واليمين الأوروبي المتطرف له تحفظاته على الاقليات المسلمة في أوروبا، والولايات المتحدة توجه أصابع الاتهام إلى ابن لادن وطالبان، وهكذا حدث نوع آخر من أنواع التلاقي بين العديد من الدول لتوظيف رد الفعل الأمريكي لخدمة مصالحها الخاصة خاصة وأن الولايات المتحدة بحاجة لتأييد هذه الدول في حربها ضد ما تسميه بالإرهاب. الدلالة السادسة تدور في نطاق الدور الذي يلعبه الاعلام في صناعة وتشكيل الحدث الدولي في الواقع المعاصر، فلاشك من أن الاعلام لعب دورا هاما في تشكيل ادراك وفهم الناس لما وقع من تفجيرات في واشنطن ونيويورك وأعطى لهذه التفجيرات أبعادا خاصة ما كانت لتظهر لولا وجود الاعلان بل وساعد بعض الدول التي تملك قدرات اعلامية مؤثرة على توظيف الحدث لخدمة مصالحها، إسرائيل نموذج واضح لهذه الدول. الدلالة السابعة تتعلق بمستقبل الولايات المتحدة ومدى قدرتها على تجنب حدوث مثل هذه الأحداث في المستقبل، فبالرغم من الضجيج الاعلامي الكبير وتوجيه إتهامات لابن لادن وتنظيم القاعدة الذي يتبعه، إلا أن الفاعل الحقيقي والمنفذ الحقيقي لهذه التفجيرات لم تصل إليه الولايات المتحدة حتى الآن، كما أن الاسباب التي قادت إلى حدوث هذه التفجيرات لم تعالج ويبدو أن صانع القرار الأمريكي قد فضل الخيار الأسهل وهو تعليق ما حدث على شماعات جاهزة يمكن من خلال الضجيج الاعلامي والدعائي تحميلها بالمسئولية واتخاذ إجراءات ضدها. الدلالة الثامنة تدور حول العلاقة بين الاخلاق والسياسة، فالعمليات السياسية القذرة لابد وأن يكون لها مردودها على من يقوم بها، وهذا هو حال الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي لعبت دورا هاما في صناعة بعض هذه الجماعات، واستضافت عناصر فيها بهدف استخدامها كأداة من أدوات الضغط عند الضرورة على الدول الأخرى، ورفضت شعارات حقوق الإنسان لتبرير هذه الأعمال، ولم تهتم الاهتمام الكافي بالدعوات الصادقة التي انطلقت من قبل من جانب بعض دول العالم بضرورة التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب بكافة صوره وأنماطه وإزالة أسبابه، وتجاهلت معايير الحق والعدل واحكام القانون الدولي والشرعية الدولية في إدارتها للشئون السياسية في العديد من مناطق العالم خاصة المنطقة العربية والشرق الأوسط، والغريب أن الإدارة الأمريكية لم تدرك هذا فتتحدث الآن عن حاجتها إلى المزيد من الأعمال القذرة في إدارتها لمعرفتها مع ما تسميه الإرهاب وهي بهذا تساعد على توالد بؤر جديدة لهذا الإرهاب. ثانيا - تداعيات الحدث على المنطقة العربية وعلى الانتفاضة الفلسطينية لاشك في أن ما حدث في الولايات المتحدة وردفعلها على هذه الأحداث وأسلوبها في إدارة الأزمة الراهنة له تداعياته على الأوضاع في المنطقة العربية بصفة عامة وعلى الانتفاضة الفلسطينية وقضية الصراع العربي الإسرائيلي بصفة خاصة، وذلك نظرا للمصالح الاستراتيجية الهامة للولايات المتحدة في المنطقة ولثقلها الكبير في تفاعلاتها السياسية، فلاشك أن هذه الأحداث مثلت صدمة كبيرة للكثير من الذين يعتمدون على الولايات المتحدة في الحفاظ على الأمن في المنطقة، خاصة الولايات المتحدة ذاتها لم يعد بعيدا عن التهديد، كما أن رد فعلها وإدارتها للأزمة من شأنه أن يهدد الأمن في المنطقة العربية، من ناحية أخرى وجد العرب أنفسهم في موقع المتهم الذي يجب عليه أن يدافع عن نفسه دون وجود أي مبررات موضوعية لذلك، ولكن الضجيج الإعلامي والمعالجة الإعلامية المتميزة ضد العرب والمسلمين، خلفت هذه الحالة الإدراكية التي اربكت الموقف العربي، خاصة في ظل توظيف إسرائيلي فعال على المستوى الاعلامي لهذا الحدث من أجل إظهار التضامن الإسرائيلي اللامحدود مع الولايات المتحدة في هذه الأزمة، وهو مستوى لا تستطيع أي دولة عربية أن تعبر عنه علنا كما فعلت هذا إسرائيل، من جانب آخر أوضحت الأزمة عدم إمكانية اعتماد الولايات المتحدة على حليفها الإستراتيجي في المنطقة في أوقات الأزمات فالولايات المتحدة التي تطلب من الدول العربية والإسلامية الدخول معها في تحالف دولي لمواجهة ما تسميه بالإرهاب، لم تطلب ذلك من إسرائيل، لأن دخول إسرائيل في هذا التحالف من شأنه عزوف الدول العربية والإسلامية عن الدخول فيه، وهكذا تشهد المنطقة العربية معادلة غريبة بالنسبة للعرب وبالنسبة للولايات المتحدة، فهي تحمل فرصا بقدر ما تحمل من مخاطر، وعلى صعيد الصراع العربي الاسرائيلي، فقد أتاح هذا الحدث الفرصة لاسرائيل للاستمرار في تعنتها ومحاولة تشويه الانتفاضة الفلسطينية ووصفها بالإرهاب، بالإضافة إلى أنه أتاح الفرصة لها للاستمرار في القيام بأعمال القمع والقتل والتشريد التي تدخل جميعها في نطاق إرهاب الدولة، في ظل الاهتمام العالمي بتفجيرات واشنطن ونيويورك، ولقد خلق هذا الوضع موقفا حرجا للسلطة الوطنية الفلسطينية، فأعلن الرئيس عرفات عن وقف لإطلاق النار من أجل التهيئة لعقد لقاء مع شيمون بيريز واستئناف المفاوضات والسؤال الذي يفرض نفسه هل يمكن في ظل هذه الظروف الضغط على الولايات المتحدة من أجل التقليل من حدة انحيازها لإسرائيل في صراعها مع العرب خاصة وأن الظرف الموضوعي القائم قد أوضح مدى حاجة الولايات المتحدة للدول العربية، ومدى ضعف إمكانية الاعتماد على حليفها الاستراتيجي في المنطقة في أوقات الأزمات ؟! سؤال تصعب الاجابة عنه، لأن العرب لو حاولوا هذا لاتهمهم الاعلام الصهيوني والأمريكي بالابتزاز وبأنهم ضد الولايات المتحدة وأنهم يساندون الإرهاب، ولو لم يحاولوا فإنهم يكونون قد أضاعوا فرصة الطرق على الحديد وهو ساخن، وهي اللغة التي لا تعرف سواها الولايات المتحدة. بقلم: د. محمد سعيد أبو عامود ـ كاتب سياسي مصري