رغم الهيستيريا التي تسود المجتمع الأمريكي اليوم رغبة في الإنتقام من أحداث الثلاثاء الأسود التي تعرضت لها الولايات المتحدة، إلا أنه مما لاشك فيه أن العقلاء في دوائر صنع القرار الأمريكي قد طرحوا على أنفسهم سؤالا هاما في تحليلهم لما حدث، وما يتوقع أن يحدث بعد أن تشن الولايات المتحدة حربها ضد الإرهاب، حول الأسباب التي أدت إلى وقوع هذه الأحداث، والتي بالقطع وراء روح الكراهية والغضب التي تسود معظم المجتمعات العربية والإسلامية ضد الولايات المتحدة، والتي تتمثل بشكل رئيسي في الإنحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل في عدوانها الشامل والمستمر ضد الأمة العربية بشكل عام، وضد الشعب الفلسطيني على وجه الخصوص. ولسنا في حاجة لإدراك أن اللوبي الصهيوني المسيطر على الحياة الأمريكية سياسيا واقتصاديا واعلاميا وثقافيا، هو الذي يقف وراء هذه السياسة الأمريكية بنفوذه، وتحكمه في نتائج إنتخابات الرئاسة الأمريكية، وفي إنتخابات أعضاء الكونجرس بمجلسيه، وفي تعيين الوزراء والمستشارين.. وغيرهم من أصحاب المواقع المهمة في دوائر صنع القرار الأمريكي ومن ثم فليس غريبا أن يكون محور اهتمام الرئيس بوش وأعينه - منذ وطأت قدماه البيت الأبيض - على فترة الرئاسة الثانية وتجديد إنتخابه رئيسا للولايات المتحدة مرة أخرى، لاسيما وأن فوزه بالرئاسة الأمريكية الحالية كان بأغلبية ضئيلة جدا، وموضع شكوك كثيرة. وبالتالي فإن استرضاء اللوبي الصهيوني وإسرائيل يعد في قمة أولويات الإدارة الأمريكية الحالية وسياستها في الشرق الأوسط، وهو ما يفسر الكثير من المواقف الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية في الآونة الأخيرة، ويلقي الضوء على عدم اهتمامها ببذل دور فاعل في حل هذه القضية على عكس إدارة كلينتون السابقة، خاصة وأن الرئيس بوش كان حريصا على إبراز أن سياسته معاكسة تماما لسياسة سلفه كلينتون الذي أولى اهتماما كبيرا للقضية الفلسطينية، وان لم يحد عن ثوابت السياسة الأمريكية في إنحيازها المطلق لإسرائيل. مدركات جديدة في الموقف الأمريكي ثم جاءت أحداث الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطن لتوقظ صانع القرار الأمريكي من سباته، وتجعله يفيق إلى الحقيقة المهمة التي طالما حذر منها الرؤساء العرب- وأولهم الرئيس مبارك ـ من أن الولايات المتحدة ستخسر كثيرا من موقف اللامبالاه الذي تتخذه من العدوان الإسرائيلي المستمر ضد الشعب الفلسطيني، وأن هذا الموقف سيشجع الإرهابيين على تهديد مصالح الولايات المتحدة وأمنها على كل الساحة العالمية، وكانت دلائل ذلك واضحة في تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993، وفي تفجير مساكن إيواء الأمريكيين في الرياض عام 1995، وفي الخبر عام 1996، ثم في تفجير السفارتين الأمريكيتين بنيروبي ودار السلام عام 1998، وأيضا في تفجير المدمرة الأمريكية كول بعدن عام 2000 إلا أن الإدارة الأمريكية لم تعط هذه التحذيرات ما ينبغي من اهتمام على صعيد سياستها الخارجية في منطقة الشرق الاوسط، وقضية الصراع العربي الإسرائيلي على وجه التحديد، رغم المعلومات المتوافرة لدى أجهزة المخابرات الأمريكية عن تصاعد حدة الغضب والكراهية لأمريكا في أوساط الشعوب العربية والإسلامية، وما يشكله ذلك من تهديدات ومخاطر على الأمن والمصالح الأمريكية ذلك أن الإدارة الأمريكية كانت تراهن فقط على موقف الحكومات العربية والإسلامية المؤيدة للسياسة والمواقف الأمريكية، ولم تتحسب جيداً لردود أفعال الشعوب العربية والإسلامية، والمنظمات السرية المنبثقة عن هذه الشعوب، والتي أعلنت تحديها للسياسة الأمريكية، واعتزامها ضرب المصالح الأمريكية على كل الساحة العالمية. وحتى تدرك الإدارة الأمريكية أن إسرائيل هي أول المستفيدين من الضربة الإرهابية التي تعرضت لها أخيرا الولايات المتحدة، عليها أن تراجع المواقف الإسرائيلية وتصريحات قادتها بعد أحداث الثلاثاء الدامي فقد استغلت إسرائيل إنشغال العالم بكارثة أمريكا وكثفت أعمالها العميقة ضد الشعب الفلسطيني، فنجدها تجتاح مدن الحكم الذاتي جنين ورام الله ورفح، وترتكب قواتها أبشع المجازر فيها ضد الفلسطينيين بواسطة أكثر من خمسين دبابة ضد كل مدينة، وتحت ستر نيران المقاتلات الأمريكية ف16 والمروحيات الهجومية الأمريكية أباتشي، مما أدى إلى استشهاد عشرات من قادة أجهزة الأمن الفلسطيني ونشطاء الإنتفاضة والمدنيين من رجال ونساء وأطفال ويعلن بنيامين اليعازر وزير الدفاع الإسرائيلي بكل التبجح والتحدي والصلافة عقب اغتيال إسرائيل لأربعة عشر من قادة الإنتفاضة قتلناهم دون أن ينبس العالم ببنت شفه ! أما إيهود باراك رئيس وزراء إسرائيل السابق، فقد استغل كارثة أمريكا في تحريضها ضد الدول ومنظمات المقاومة العربية، فتجده يستعدى الإدارة الأمريكية ضد ست من الدول العربية بجانب منظمات حماس وفتح وحزب الله والجهاد، ويطالب بضرورة القيام بعمل جماعي غربي تساهم فيه إسرائيل للدفاع عن الحضارة الغربية ضد الإرهاب الإسلامي والعربي ولا يكتفي بذلك بل يوصى الولايات المتحدة بضرورة ضرب هذه الدول والمنظمات. أما شارون فإنه لم يضع وقتا في استغلال ما حدث في أمريكا، فنجده في إتصال هاتفي مع الرئيس الأمريكي يصف الرئيس عرفات بأنه ابن لادن آخر ، ويلغي الأجتماع الذي كان مقررا بين بيريز وعرفات لاحتواء الأوضاع المتدهورة في الأراضي المحتلة. ملامح التغير في الموقف الأمريكي ومع التسليم بأن الشغل الشاغل للإدارة الأمريكية حاليا هو سرعة الرد العنيف عسكريا ضد المنظمات الإرهابية والدول التي تأويها على كل الساحة العالمية، وفي مقدمتها منظمة القاعدة التي يقودها بن لادن وحكومة طالبان في أفغانستان، وتوفير النجاح السريع والحاسم لحملتها العسكرية القادمة، فإنه ليس من المتوقع أن تحدث المدركات التي تناولناها آنفا فعلها السريع والفوري في الموقف الأمريكي ولكن من المؤكد أنه في المدى الوسيط والبعيد ستحدث هذه المدركات فعلها في السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص باعتبارها لب الصراع العربي الإسرائيلي، غير البعيد في تأثيراته على الأمن القومي الأمريكي والمصالح الأمريكية، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، وبل في عقر الدار الأمريكية كما أثبتت أحداث الثلاثاء الدامي. إلا أن ملامح هذا التغيير في الموقف الأمريكي يمكن تبنيها من بعض المواقف الأخيرة التي برزت من قبل الإدارة الأمريكية، والتي تمثلت في الضغط الذي مارسه الرئيس بوش ووزير خارجيته كولين باول على شارون لكي يسارع بعقد الاجتماع المقرر بين عرفات وبيريز، وخاصة بعد أن أعلن عرفات أنه أصدر أوامره بوقف إطلاق النار، مما أجبر شارون على تعليق الهجمات الإسرائيلية وبدء سحب قواته من كافة المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وبما يعني عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل إندلاع الإنتفاضة يوم 28 سبتمبر العام الماضي، وهو ما أكده الرئيس الأمريكي بوش عندما طرح: إنه وقف دائم لأعمال العنف ولم يكن قرار شارون بتجميد العمليات العسكرية وسحب قواته خارج مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني بمحض اختياره، ولكن تحت ضغط أمريكي ناتج عن شعور وإدراك بخطورة استغلال إسرائيل للأحداث في أمريكا، وبما يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الموقف على حساب المصالح والأمن الأمريكي بأفدح مما هو قائم حاليا، وأنه ينبغي إيقاف شارون عند حده، ووضع حد لجموحه هو وعناصر اليمين المتطرف الحاكم في إسرائيل، إذا ما أرادت الولايات المتحدة السيطرة على الموقف في الشرق الأوسط ومنع تفاقمه لغير صالحها. جدوى الشراكة الإستراتيجية لقد برزت في الآونة الأخيرة على الساحة الأمريكية بعض الأصوات العاقلة والمؤثرة في دوائر صنع القرار الأمريكي، شعرت بخطورة الإنحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل على الأمن القومي الأمريكي وعلى المصالح الأمريكي. حيث طرحت تساؤلات مهمة حول جدوى الشراكة الأمريكية ـ الإسرائيلية من الناحية الاستراتيجية على المصالح الأمريكية في المنطقة، وطالبت بتقييد هذه الشراكة لأنها تحد من قدرة الولايات المتحدة على وضع وتنفيذ سياسة إجمالية وثابتة في منطقة الشرق الأوسط، كما تدفع الدول العربية بعيدا عن الولايات المتحدة ونمو دول أخرى منافسة لها مثل فرنسا والصين وهذا بالإضافة لما تشكله هذه الشراكة الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية، ضرورة إجراء تحليل عميق لأبعادها وجدواها في ضوء ما تمثله إسرائيل حقيقة من أهمية استراتيجية من هاوية مالية للولايات المتحدة في المستقبل غير البعيد لذلك يرى هؤلاء المعارضون للشراكة الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية ضرورة إجراء تحليل عميق لابعادها وجدواها في ضوء ما تمثله إسرائيل حقيقة من أهمية استراتيجية للولايات المتحدة وتزيل الغموض حول المسائل المهمة الآتية: - ما هي حدود المسئولية الأمريكية في المحافظة على أمن إسرائيل، وأي إسرائيل المطلوب من الولايات المتحدة ضمان أمنها ؟هل إسرائيل في حدود التقسيم الدولي الفلسطيني عام 1949، أم حدود إسرائيل بعد عدوانها على الدول العربية عام 1967 حيث لاتزال تحتل الجولان والضفة وغزة وجزء من جنوب لبنان ؟ أم حدود إسرائيل الكبرى التي يطالب بها حزب الليكود والأحزاب الدينية الحاكمة في إسرائيل ؟ وما هي التزامات الولايات المتحدة تجاه إسرائيل في كل حالة ؟ - ما هي المساعدة الحقيقية التي يمكن أن تقدمها إسرائيل للولايات المتحدة في مواجهة أعدائها في المنطقة وخارجها، وما هو الثمن المقابل الذي يتعين على إسرائيل أن تدفعه لأمريكا نظير ما تقدمه من مساعدات؟ - هل ينبغي أن تسلح الولايات المتحدة إسرائيل تسليحا يفوق ما هو ضروري لدفاعها عن نفسها، وما مدى انعكاس ذلك على اغرائها بإرتكاب مغامرات عسكرية في المنطقة تحقيقا لطموحاتها وأهدافها بعيده المدى في إقامة إسرائيل الكبرى على حساب الدول العربية؟ - ما هو التأثير المستقبلي الذي يمكن أن تتركه الشراكة الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية على نفوذ الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط؟ - هل راعت إسرائيل مصالح الولايات المتحدة وأمنها في مقابل ضمان الأخيرة للأمن الإسرائيلي؟! ـ وآخر تساؤل هو حول المقابل الذي يحصل عليه دافع الضرائب الأمريكي من إسرائيل نتيجة تقديم الولايات المتحدة لها مساعدات عسكرية واقتصادية تزيد عن ثلاثة مليارات دولار سنويا، بجانب مساعدات أخرى لخدمة خطط الاستيطان في الأراضي المحتلة، وتغطية تكاليف اعادة إنتشار القوات الإسرائيلية طبقا لاتفاقيات أوسلو وواي ريفر والتي تنفذها إسرائيل، بينما حصلت على تكاليفها من الولايات المتحدة. بقلم: لواء ركن/ حسام سويلم