دفعت الهجمات الارهابية على واشنطن ونيويورك في 11 سبتمبر من هذا الشهر بأحداث الشرق الاوسط لوراء دائرة الاضواء ولقد واكب ذلك الذكرى الاولى للانتفاضة الفلسطينية حيث سعت اسرائيل لاستغلال انشغال العالم بالاحداث الامريكية، وكثفت ضرباتها العسكرية للاراضي الفلسطينية يأتي ذلك في وقت سعت فيه امريكا لضم دول عربية واسلامية للتحالف ضد ما أسمته «بالارهاب» وهو الامر الذي هدد بخلق تناقضات سياسية في مواقف الدول العربية، ووضع قدراتها على التوازن والتوفيق بين مصالحها القومية، وعدم اغضاب الولايات المتحدة الامريكية، في دائرة اختبار دبلوماسية صعبة للغاية، وليس العالم العربي فحسب بل الدول الاوروبية ايضا، فقد دخلت بالفعل مرحلة جديدة لاعادة النظر في مواقفها تجاه القضية الفلسطينية بعد الهجمات على امريكا. حول هذه التطورات وعدد من القضايا المرتبطة بها التقى «الملف السياسي» في هولندا بالدكتور هينك درومسفيلد خبير شئون علاقات دول الشرق الاوسط بأوروبا فقال: تأكدت دول الاتحاد الاوروبي من حقيقة كانت معلومة من قبل لدى صناع القرارات في مطبخ سياسة الشرق الاوسط، وهي ضرورة ان يكون لأوروبا دور سياسي واضح وموقف ثابت معتدل بالنسبة للقضية الفلسطينية تلك الحقيقة كانت تتوارى بفعل وتأثير المواقف الاوروبية التقليدية التي كانت ترجح كفة اسرائيل في المنطقة، على الدول العربية وعلى حساب قضية فلسطين بصفة خاصة، الآن وبعد الهجمات على امريكا نرى ثمة متغيرات في وجهات افضل في السياسة الاوروبية، من المفيد الا نبالغ في تقديرها وتفسيرها. تاليا نص الحوار: ـ ما هو التغيير في الموقف الاوروبي تجاه القضية الفلسطينية في ظل التطورات الجارية؟ ـ جرأة التصريحات الرسمية لقادة وزعماء اوروبا فرادى، وبشكل جماعي في اطار الاتحاد الاوروبي، في مطالبة هؤلاء بضرورة التوصل لحل لقضية فلسطين باعتبارها اخطر المشاكل في الشرق الاوسط ولهذه الجرأة الصريحة فوائد كثيرة، حيث ان كثافتها تنعكس في وسائل الاعلام الاوروبية، في شكل مؤثرات فعالة في الرأي العام الاوروبي، وثانيا اعلان اوروبا بصراحة ان القضاء على الارهاب لا يمكن ان يتم بمعزل عن حل المشاكل العالقة في الشرق الاوسط، والامر الثالث هو توضيح انه لا يمكن الفصل بين المواقف السياسية للدول الكبرى، وعزلها عن شعوب الدول التي تتبنى مواقف تدعم اسرائيل على حساب قضية فلسطين، فمن غير المستبعد ابدا وجود علاقات وطيدة بين مواقف امريكا تجاه الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، والهجمات الارهابية التي حدثت في 11 سبتمبر، تلك العمليات التي ندينها بشدة ونرفضها مهما كانت الخلفيات، لكن على الجانب الآخر نفهم جيدا ويفهم ايضا جيدا زعماء وقادة اوروبا الآن ان سقوط الضحايا سواء من الجانب الفلسطيني او الاسرائيلي لابد من وضع نهاية له، هذا اضافة لوجود الجانب الاسرائيلي في موقف الاقوى لامتلاك اسرائيل لجيش عسكري قوي، وآليات اخرى كثيرة ومتنوعة لا تمتلكها السلطة الفلسطينية يجعل اعتبارا من الآن من الصعب قبول اي انحياز لاسرائيل، وترك الشعب الفلسطيني في العراء. ـ لكن السؤال المهم عن ماذا سيسفر التغير في الموقف الاوروبي تجاه الشرق الاوسط؟ ولصالح من في النهاية؟ ـ لا يمكن ان تقضي عملية تغيير المواقف في اوروبا الى تحول للنقيض تماما، وننسى العلاقات التارتخية وأسبابها وتأثيرها تلك التي ربطت مصالح اوروبية استراتيجية بإسرائيل، لكن بدلا من قول لصالح من «أي لطرف محدد» يكفي ان مؤشراتها توضح انها تسير في اتجاه توازن واعتدال نسبي، بدون شك سيستفيد الشعب الفلسطيني تدريجيا، فأوروبا تنتظر ان تثأر امريكا لكرامتها وسمعتها وضحاياها امام العالم، ولا تريد ان تتسرع بخطى نحو تحويل نتائج تغيير المواقف السياسية تجاه الشرق الاوسط، حتى لا تبدو المسألة وكأنها استسلمت للارهاب، وخضعت لابتزاز ضمني «بفعل الهجمات الارهابية على امريكا» لارغامها على تغيير مواقفها السياسية اذن فالمسألة تحتاج بعض الوقت، لكن يجب الا نغفل انه حدثت بالفعل متغيرات على ساحة الشرق الاوسط، فكانت واحدة من افرازات ونتائج المتغيرات هي وقف اطلاق النار بين الفلسطينيين والاسرائيليين، نعم تحدث تجاوزات وعدم التزام كامل من اطراف الصراع، لكن استئناف مفاوضات السلام بين السلطة الفلسطينية واسرائيل، بدأت مؤشراته تتضح جليا، ولا ننكر ان امريكا ذاتها وهي جريحة قد ضغطت على شارون وعرفات، وهي كانت بالامس القريب تعلن على لسان رئيسها «بوش» سياسة اخرى، هذا ايضا تغير مهم جدا. ـ لكن كيف يمكن استقراء مستقبل السياسة الامريكية نحو الصراع العربي الاسرائيلي؟ ـ طبعا سوف لا تتحول امريكا بين ليلة وضحاها لتقف بجانب العرب، لكن بعد ان احترقت اصابعها وضربت في عقر دارها، ونال الارهاب من كرامتها «ايا كانت هوية الفاعل» فإن واشنطن بعد تصفية الحسابات والانتهاء من حرب الثأر، لن تغامر مرة ثانية بالتضحية بسمعتها، ودورها القيادي التي تريد الاحتفاظ به امام شعبها والعالم، وستضطر للتوازن في سياستها الخارجية الدولية، وليس امامها غير هذا الطريق بديلا، كما ان من المتوقع ان تعيد التوازن الاستراتيجي في منطقة الشرق الاوسط بصفة خاصة، واعتقد ان «جمهورية مصر العربية» هي الدولة المرشحة لان تلعب دورا فعالا في هذا التوازن بجانب اسرائيل، فقد تأكدت امريكا ان الطائر لا يمكن له ان يستمر في الطيران بجناح واحد، فأجندة امريكا المستقبلية تشمل نهاية مشكلة العراق، والتوصل مع اسرائيل لانهاء مشاكل الحدود مع لبنان، وستجد طريقا لدفع سوريا واسرائيل للمفاوضات حول هضبة الجولان التي تحتلها اسرائيل. ـ على الرغم مما ذكرته الا ان العالم يلتزم الصمت تجاه الاعتداءات الاسرائيلية المستمرة على المدن الفلسطينية.. فما هي اسباب تفاؤلك بتغير المواقف الاوروبية نحو الاعتدال؟ ـ قد لا تختلف اجابتي كثيرا عن ما اوضحته من قبل، اسرائيل ايضا لا تريد اظهار نفسها في موقف الدولة الخائفة، التي أوقفت اعمالها العسكرية ضد الفلسطينيين بسبب الهجمات الارهابية على امريكا، وقد رأينا في ظل اعمال التفجيرات التي قامت بها عناصر فلسطينية ـ معظمها من منظمة حماس ـ في قلب اسرائيل لم توقف اسرائيل اعمالها بل قامت بأعمال انتقامية عنيفة لذات السبب، اما صمت العالم فلدي بعض التحفظات، قد تكون في الساعات الاولى التي اعقبت يوم الهجمات على امريكا ظهور شيء من انشغال العالم في ضخامة الحدث، لكن لم يمر اسبوع الا ورأينا تحركا اوروبيا تجاه الشرق الاوسط، وذلك على مستوى الدبلوماسية الهادئة غير المعلنة، وكذلك تابعنا سفر بعثة سياسية على مستوى عال لزيارة المنطقة لدفع عملية السلام. أجرى الحوار في هولندا: د. سعيد السبكي: