لاشك أن أحداث الثلاثاء الدامي التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية قد القت بظلالها على الأوضاع في الشرق الأوسط وخاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني، فبعد أن كانت أخبار الإنتفاضة الفلسطينية تتصدر نشرات الأخبار وعناوين الصحف، تراجع الاهتمام الاعلامي والدولي بها في ظل الإنشغال العالمي بالحملة العسكرية المنتظرة التي تعد لها الولايات المتحدة وتحشد لها قواتها والدعم الدولي لمواجهة ومحاربة الإرهاب «الملف» التقى د. محسن عوض الخبير في الشئون الفلسطينية وضياء رشوان الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لالقاء الضوء عن مدى تأثر الأوضاع في الأراضي المحتلة بالأحداث الأخيرة والسيناريوهات المتوقعة بالنسبة للإنتفاضة من حيث إمكانية تصاعدها أو تراجعها خلال الفترة المقبلة، وطبيعة المواقف العربية والإقليمية والدولية المتوقعة تجاهها وغيرها من التساؤلات. تهدئة الأوضاع بداية يرى د. محسن عوض الخبير في الشئون الفلسطينية أن ما حدث في الولايات المتحدة من هجمات على نيويورك، وواشنطن كان له وبلا شك تأثيرا على الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة وعلى الصراع العربي الإسرائيلي بصفة خاصة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال عاملين متعارضين أولهما أن الأحداث دفعت بالولايات المتحدة لأن تمارس ضغوطا من أجل تهدئة الأوضاع في المنطقة حتى تتفرغ لحربها ضد الإرهاب وحتى تجذب الأطراف العربية للمساعدة وكل حسب قدرته في التحالف المنشود، أما العامل الثاني فهو أن الإسرائيليين وجدوا في هذه الأحداث فرصة لكي يصعدوا من عملياتهم العسكرية ضد المدنيين الفلسطينيين وكان هذا واضحا في الأيام التالية مباشرة للأحداث، وإذا كان هذا التصعيد قد تراجع مؤخرا في أعقاب الإتفاق على وقف النار بين الطرفين، فإن هذا لا ينفي إمكانية تجدده في أية لحظة وخاصة في ضوء المراوغات الإسرائيلية المستمرة والمتمثلة في التأجيل المتكرر للقاء عرفات وبيريز. ويرى د. محسن عوض أن إسرائيل استفادت كثيرا فهي من ناحية استطاعت أن تصدر اساليبها وسياساتها العدوانية والإجرامية إلى الخارج حيث اعتمدت الولايات المتحدة أسلوب الاغتيالات وهو أسلوب صهيوني كأحد وسائل محاربة الإرهاب ووقع الرئيس بوش بالفعل على قائمة الشخصيات المطلوب اغتيالها، أيضا استفادت من تراجع الإهتمام الإعلامي على المستويين المحلي والدولي بالإنتفاضة وأحداثها وبالتالي صار لديها تفويضا غير مباشر لفعل ما تريد بالفلسطينيين. ويلفت د. محسن عوض النظر إلى أن الفترة المقبلة ستكون مفتوحة لكل الاحتمالات فهناك تعقيد دولي متمثل في وجود تحالف يضم دولا كثيرة، هذا التحالف يستهدف بعض الدول منها دول عربية وشرق أوسطية مثل العراق وسوريا والسودان، وبالتالي فالكثير من الأطراف تشعر أنها ستكون في مأزق إذا ساندت هذا التحالف، ويبدو أن هذا ما دفع مصر على سبيل المثال لأن ترفض المشاركة فيه. وفيما يتعلق بالمواقف الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية في ضوء المتغيرات الجديدة يرى د. محسن عوض أن الولايات المتحدة كانت تمثل الأمان المطلق وكانت تسبغ حمايتها على الآخرين، وبالتالي كان على الأوروبيين أن يبلغوا انتقاداتهم لأية سياسات أمريكية لا تعجبهم، أما الآن وبعد أن سقطت الهالة والهيبة الأمريكية فمن المتوقع أن يتغير الأسلوب الأوروبي في التعامل مع الولايات المتحدة، بمعنى أنهم سيسعون لتعامل يقوم على مبدأ المشاركة في إتخاذ القرارات وأن يكون لهم دور مختلف في الشرق الأوسط لا يعتمد على مجرد تقديم المعونات الاقتصادية للفلسطينيين وقد ظهرت بوادر على هذا الدور الجديد للأوروبيين في هذا التحالف المزمع تكوينه، فالأوروبيون بعد أن كانوا متحمسين في البداية عاد البعض منهم للتراجع وإعادة حساباته أي إننا يجب أن نكون على يقين أنه بعد تاريخ 11 سبتمبر الحالي هناك عالم جديد سيتشكل. ويعتقد د. محسن عوض أنه في ظل المتغيرات الجديدة الحالية يجب على الفلسطينيين أن يعوا جيدا أن اعتمادهم على أنفسهم وتنسيق المواقف بين الأطراف المختلفة هو السبيل الوحيد للحصول على ما يريدونه من حقوق، فهم أصحاب حق ويجب عليهم أن ينتزعوا هذا الحق بالمقاومة المستمرة، قد يختلف أسلوب المقاومة في الفترة القادمة ولكنه يجب أن يستمر لأنه لن يتبرع أحد بإعطائهم حقوقهم المسلوبة. اهتمام إعلامي ومن جانبه يقول ضياء رشوان الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن الإنتفاضة لن تكون مطروحة على أجندة العلاقات الدولية خلال الأشهر القادمة وخاصة أن العالم كله سيكون مشغولا خلال هذه الفترة بالحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد الإرهاب، ومن هنا فالوضع الذي طرأ بعد هجمات الثلاثاء الدامي لن يكون بأي حال من الأحوال في صالح الفلسطينيين، فهو الآن في موقف صعب للغاية وإتخاذهم لأية قرارات خاصة بموضوع الإنتفاضة هو أمر محير، فمعروف أن الإنتفاضة هدفها الأساسي الضغط على إسرائيل حتى ترضخ لتنفيذ المطالب الفلسطينية وهذا الضغط يأتي من خلال تصعيد هجمات المقاومة، فضلا عن الجزء المتعلق بالجانب الاعلامي المواكب لأحداث الإنتفاضة، وطالما أن الآلة الاعلامية كلها ستكون مشغولة بمتابعة تطورات العملية العسكرية المنتظرة فلن يكون هناك أي اهتمام اعلامي بالإنتفاضة كما أن إسرائيل لديها الآن تصريح دولي غير مباشر لفعل كل ما تريد بالفلسطينيين حتى أن الولايات المتحدة أعلنت أنها طالبت الطرفين بالتزام الهدوء ووقف إطلاق النار. ولكن على الرغم من ذلك فهناك ما يمكن عمله من جانب الفلسطينيين وهو حسب ما يقول ضياء رشوان يتمثل في السعي للحفاظ على رتم وايقاع الإنتفاضة الحالي بمعنى ألا تصعد المقاومة الفلسطينية من هجماتها حتى لا يكون الرد الإسرائيلي عنيفا وبما ينتج عنه مجازر رهيبة ضد الفلسطينيين في ظل صمت إعلامي ودولي، كما أنها يجب ألا تهدأ تماما من الإنتفاضة والمقاومة أو توقفها لأن ذلك عملا استشهاديا رائعا استمر لعام كامل، كما أنه سيتيح للصهاينة أن يلتقطوا أنفاسهم، أي أن المطلوب هو أن يظل العدو الصهيوني في حالة استنفار مستمر. ويرى ضياء رشوان أن أية تحالفات مستقبلية أو تغييرات في الاستراتيجية الأمريكية أو الدولية ستكون غالبا في صالح الدولة العبرية، فالأمور ذاهبة لصالحها وخاصة في ظل وجود هذه الإدارة الأمريكية التي تتسم بعدم الإتزان في التصرف من ناحية، وفي ظل توجس الرئيس الحالي جورج بوش الابن وإدارته من المسلمين والعرب وحكوماتهم وخاصة أن غالبية الدول العربية لم تبد حماسا للحرب التي ستقودها الولايات المتحدة، في الوقت الذي أعلنت فيه إسرائيل أنها مع أي عمل تقوم به أمريكا وأنها ستقدم أي دعم وعون يطلبه التحالف المنتظر، ولذلك من المتوقع أن الأمور ستكون أسوأ بعد هذه الحرب بالنسبة للعرب لأن الإدارة الأمريكية لن تنسى أبدا موقف البعض منها خلال الحرب لمواجهة الارهاب. إرتباط وثيق ويعتقد رشوان أن كل التطورات الجارية حاليا ترتبط إرتباطا وثيقا بالشرق الأوسط فالإدارة الأمريكية وهي تستعد لشن حملتها العسكرية ضد الإرهاب سيبقى في ذهنها ضرورة العمل على إيقاف جذوره الشرق أوسطية التي لها علاقة بالصراع العربي الإسرائيلي، وهذا بالطبع سيطال منظمات المقاومة الفلسطينية وحزب الله، وإذا كانت الولايات المتحدة قد مارست خلال الأيام الماضية بعض الضغوط على الفلسطينيين والإسرائيليين من أجل وقف إطلاق النار، فإنه من المتوقع بعد إنتهاء الحرب أن تضغط الولايات المتحدة على العرب والفلسطينيين من أجل قبول حلول نهائية للصراع ستكون غالبا متوافقة مع الأطروحات والحلول الإسرائيلية لأنه سيظل ماثلا أمام بوش وإدارته أن العرب لم يقدموا الثمن المطلوب لكي يحصلوا على أفضل الحلول للمشكلة الفلسطينية. ويعود ويؤكد رشوان أنه عندما تنطلق العمليات العسكرية فإن الولايات المتحدة لن تلتفت إلى شئ آخر، ورغم أن الشرق الأوسط هو الجبهة الخلفية لهذه الحرب ويستحق منها كل الاهتمام، إلا أن المتوقع هوأن تركز أمريكا على عملياتها العسكرية المباشرة، دون أي شئ آخر. ويستبعد رشوان إمكانية أن يتكرر السيناريو السابق الذي حدث بعد حرب الخليج الثانية بعد الحرب المنتظرة ضد الإرهاب بأن يضغط بوش الابن كما ضغط من قبل بوش الأب من أجل تهدئه الأوضاع في المنطقة وخاصة أن الظروف هذه المرة مختلفة، فالعرب لم يقدموا لبوش الابن كما قدموا لبوش الأب في حرب الخليج الثانية فمثلا السعودية ومصر موقفهما هذه المرة مختلف تماما، كما أن بقية الأطراف العربية لم تقدم سوى التعازي والمعلومات للإدارة الأمريكية، أيضا حرب الخليج الثانية كانت لها علاقة مباشرة بأزمة الشرق الأوسط وخاصة أن العراق كان قد أطلق صواريخه على إسرائيل، أما بالنسبة للحرب القادمة فالأمور مختلفة. القاهرة ـ «مكتب البيان»: