مرّت سنة على بدء «انتفاضة الأقصى» ضد الاحتلال الإسرائيلي كان من المفترض أن تكون هذه الأيام مناسبة لتعزيز الانتفاضة ضد الاحتلال الإسرائيلي ولتأكيد أسلوب المقاومة الشعبية الفلسطينية من أجل تحرير الأرض واستعادة الحق المغتصب، كان من المتوقع أيضاً أن تكون دورة الأمم المتحدة مناسبة لتعزيز عزلة إسرائيل الدولية ولإدانة الدعم الأمريكي المفتوح لها، تماماً كعزلة إسرائيل وأمريكا في مؤتمر جنوب أفريقيا المناهض للعنصرية. كان من المؤمل أيضاً أن يتحرك الإعلام الأوروبي والعالمي في مناسبة ذكرى مجازر صبرا وشاتيلا سبتمبر (ليطالب بمحاكمة شارون كمجرم حرب في الماضي كما هو في الحاضر). كانت الحكومة الإسرائيلية في مأزقٍ كبير بعد أن فشل رئيسها شارون بالوفاء بتعهّده بإنهاء الانتفاضة في مائة يوم، وكان صدى الانتفاضة الفلسطينية قد اصبح أكثر وضوحاً في وسائل الإعلام الغربية، وفي تحرّك العديد من المسؤولين الغربيين، وفي أروقة الأمم المتحدة. فجأة توقفت ساعة التاريخ عند 11 سبتمبر، لتمنع الاقتراب من التواريخ اللاحقة: ذكرى صبرا وشاتيلا، ذكرى انطلاقة الانتفاضة، ودورة الأمم المتحدة. وفجأة أيضاً، تحول من كانت مواقفه في عنق الزجاجة إلى حاملٍ لزجاجةٍ مكسورة قادرة على جرح الآخرين! فإذا بالإدارة الأميركية، المُلامَة من معظم دول العالم على عدم تحركها الدولي الفاعل، تتحول إلى شعلة نار في حركتها الدولية بل الكونية! وإذا بشارون يخرج من قفص الاتهام ليصبح هو «السجان» الذي يطالب «القاضي» الأمريكي و»المحكمة» الغربية بإصدار حكم الإعدام على الانتفاضة وعلى كافة أنواع المقاومة للاحتلال الإسرائيلي! فالانتفاضة الفلسطينية لم تدرك ما كانت تتمناه في الذكرى الأولى لانطلاقتها إذ جرت رياح الأحداث إلى ما وراء المحيطات وبشكلٍ متناسبٍ تماماً مع ما اشتهته «السفن» الإسرائيلية! وقد تختلف الاجتهادات العربية حول الجهة التي تتحمل مسئولية العدوان الوحشي على المدنيين في أمريكا يوم 11 سبتمبر، لكن تتفق الاستنتاجات والتحليلات العربية بأن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من كل ما يحدث - وسيحدث - من تطوّراتٍ عسكريةٍ وأمنية وسياسيةٍ وثقافية سيشهدها العالم اليوم. شارون قال في 11 سبتمبر بأنها «معركة واحدة ضد الإرهاب تجمع إسرائيل وأمريكا والعالم الحر». شيمون بيريز قال في اليوم نفسه: «الهجوم لم يكن فقط على أمريكا بل على الحضارة وهدفه سيادة شريعة الغاب!!». وهكذا كُتِب على «انتفاضة الأقصى»، كما كُتِب على الانتفاضة الفلسطينية في مطلع التسعينات، أن تدفع من جديد ثمناً باهظاً لممارساتٍ خاطئة باسم العروبة غزو العراق للكويت (وباسم الإسلام -كما يُشاع اليوم) الهجوم على نيويورك وواشنطن، فتكون الانتفاضة والعرب والمسلمون هم أوّل الضحايا وأكثرهم خسارةً في حروبٍ مشبوهةٍ بأهدافها وأساليبها وبالجهات المستفيدة منها. وبين «جاهلية» قلةٍ من العرب والمسلمين و«جهالة» كثرةٍ من أبناء الغرب بالمنطقة العربية وبالإسلام، تتسع دائرة الصراع لتشمل أبعاداً فكريةً وثقافية تتجاوز الصراعات السياسية والأمنية، والتي كانت حتى عهدٍ قريب بين «شرق» لونه العقائدي إلحاديّ شيوعيّ مع «غرب» كان يحمل شعار الحرّية للشعوب وحقّ تقرير المصير، إلى صراعٍ يريده الآن الصهاينة في الغرب وجماعات الحقد العنصري أن يكون بين «شرق» يحمل الإسلام كلونٍ عقائدي - لكنْ بسمات الإرهاب والتخلّف - مقابل «غرب حضاري» وسيعتمد هذا الطرح على ما هو قائم في «الشرق» و«الغرب» من قراراتٍ خاطئة لحكام، إضافة لمعلومات مغلوطة وصوَر مشوهةٍ عن «الآخر» عند كل من الطرفين، فلا «الشرق» يميّز بين حكام «الغرب» وشعوبه، ولا «الغرب» يميّز بين الإسلام وبين قلةٍ تمارس الإرهاب باسمه، ومعظم المواطنين في «الشرق» وفي «الغرب» لا ينظرون سوى بالمرآة فقط ويرفضون مدّ البصر عبر النافذة لمعرفة ما حولهم ولاكتشاف «الآخر» خارج منازلهم الضيقة الأفق. وتأتي ضخامة العمل الإرهابي الذي حدث في أمريكا لتزيد من مخاطر تأجيج هذا الصراع، حيث تشترك الآن عناصر الجهل بالإسلام وبالعالم الإسلامي، مع دور جماعات الحقد الصهيوني والعنصري في صنع القرار الأمريكي وبالإعلام الأمريكي، مع الغضب الشعبي والمطالبة بالانتقام، مع غرور القوة وعظمة المصالح الأمريكية وتشعّبها في العالم ككلّ. فبعد خطاب «الحرب والسلام» للرئيس الأمريكي بوش أمام أعضاء الكونغرس الأمريكي إعلان «الحرب الأمريكية» للخارج والدعوة إلى «السلام الأمريكي» في الداخل، أصبح ممكناً توقع «السيناريو» الأمريكي للخطوات القادمة على أكثر من صعيد. فالمرحلة الأولى - والأولوية - ستكون لمعاقبة أفغانستان وحركة طالبان وأسامة بن لادن وجماعات «تنظيم القاعدة» في أي مكانٍ يمكن تواجدها فيه، وهذه المرحلة مهمة جداً للشعب الأمريكي كما هي مطلوبة بالنسبة للحكومة الأمريكية. والمرحلة الأولى هذه محددّة في المكان (أفغانستان) ومحددة أيضاً في الزمان (شهر أكتوبر) لاعتباراتٍ كثيرة. أما المرحلة الثانية، فستكون غير محددة لا في المكان ولا في الزمان، وستكون مرحلة مهمة ومطلوبة للمصالح الأمريكية بشكلٍ عام ولمستلزمات القيادة الأمريكية للنظام العالمي الجديد. المرحلة الأولى ستتطلّب أن تحمل اليد الأمريكية مسدساً جاهزاً لإطلاق النار، أما المرحلة الثانية فستجمع بين «العصا والجزرة»، بين الترغيب والترهيب لدولٍ كثيرة في العالم، وليس فقط دول العالم الإسلامي. ومن دروس تقاليد وعادات «زمن الكاوبوي» الأمريكي، فإن المبارزة مع الخصم تقتضي شعار «يا قاتل يا مقتول» ، وبأن المطلوب للعدالة يكون مطلوباً «حياً أو ميتاً» وهذه هي الشعارات التي ستحكم المرحلة الأمريكية الأولى، أما المرحلة الثانية، فإن عادات وتقاليد «رعاة البقر» تقتضي إطلاق النار في الهواء، واستخدام «السوط» من أجل الحفاظ على مسار «القطيع» بشكل مشترك، وملاحقة الشاذَين عنه لإعادة ضمهم إلى القطيع، والسير بهم إلى «المزرعة» وختم القطيع كلّه باسم صاحب المزرعة!! ويكون الهدف من استخدام السوط وإطلاق النار في الهواء هو التخويف وليس القتل. وهذا ما قد تفعله أمريكا مع دولٍ كثيرة خلال وبعد انتهاء المرحلة الأولى التي يكون معيار تحققها هو استبدال حكم طالبان بحكمٍ آخر والقضاء على أسامة بن لادن. فأمريكا لن تدخل المعارك بقواتها البرّية الآن على أراضٍ غير أرض أفغانستان، وستعتمد كثيراً على قوى المعارضة الأفغانية المتواجدة في شمال البلاد، فحروب أمريكا كلّها على مدى القرن العشرين قد ارتبطت بقوًى محلية تقاتل معها: لم تدخل أمريكا حرباً مع أية دولة دون وجود «خط أمامي» من قوًى محلية ، كان ذلك في الحربين العالميتين ثم في كوريا اعتماداً على كوريا الجنوبية ثم في فيتنام اعتماداً على فيتنام الجنوبية، وهاهي تستعدّ في حربها الجديدة الآن بالاعتماد على أفغانستان الشمالية ضد أفغانستان الجنوبية. حتى حرب الخليج لم تدخلها أمريكا دون مشاركة قوًى محلية عربية وإقليمية ودولية. وهذا السلوك الأمريكي في الحروب مع الخارج يفسر لمَ لم تذهب قوات أمريكية بعد إلى كوبا رغم قرب المسافات وتفاوت الإمكانات بين الدولتين؟ وهذا ما سيحكم أيضاً السلوك الأمريكي في «الحرب ضد الإرهاب» على كل الجبهات. إذن، حيثما تكون هناك حروب أهلية يسهل التدخّل العسكري الأمريكي وإمكانات التضامن مع فريقٍ ضد الآخر. لكن في الوقت نفسه، ستكون هناك مصلحة أميركية كبرى في وقف النزاعات التي تؤثّر سلباً على المراحل القادمة في «حروب» أمريكا مع «الإرهاب» ، وفي مقدّمة هذه النزاعات الآن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وخاصة الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وستضع أمريكا كل ثقلها من أجل تجميد هذا الصراع الآن (وليس حلّه) ، فالاتفاقيات النهائية يكون توقيتها الأمريكي بعد انتهاء المرحلة الأولى على الأقل من الحرب ضد الإرهاب (أفغانستان وبن لادن) لتأتيَ الاتفاقيات بشكل تتويج لمرحلة وإشعاراً ببدء مرحلة جديدة. في المرحلة الأولى، لن تكون هناك مصلحة أمريكية في الاندماج مع الموقف الإسرائيلي أو مع أية مشاركةٍ عملية ظاهرية لإسرائيل، أما المراحل اللاحقة ففيها احتمال لطلبٍ أمريكي بتعاون عربي ـ إسرائيلي من أجل «مكافحة إرهاب» من سيكونون ضد الاتفاقيات النهائية المتوقعة لاحقاً بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. هي محاولة أمريكية جديدة لتكرار ما حدث عام 1991 من «ضغطٍ» على إسرائيل للبقاء خارج التحالف الدولي، ثم جرى مؤتمر مدريد الذي أفرز اتفاقيات أوسلو وتوابعها إضافةً إلى المعاهدة الأردنية ـ الإسرائيلية ومؤتمرات «التطبيع» بين العرب وإسرائيل. الآن هناك مصالح مشتركة بين أمريكا وإسرائيل والسلطة الفلسطينية في التجاوب مع الدعوة للهدنة ووقف المقاومة المسلحة وإعادة «الثقة» حسب تعبير «تقرير ميتشل» وفي تنفيذ الاتفاقيات السابقة ثم بدء المفاوضات من جديد حول القضايا النهائية بحيث تتزامن المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية مع الحرب على أرض أفغانستان، فيكون «السلام» مع إسرائيل مرتهناً بنتائج «الحرب على الإرهاب». بقلم: صبحي غندور ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن