تتباين التوقعات المتداولة الآن حول مسار العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان. هناك مثلاً من يتوقعون قصفاً على «النمط العراقي»، أي يشبه ما حدث خلال حرب تحرير الكويت. وهناك من ينفون ذلك بصورة حازمة، ويرجحون ـ بدلاً منه ـ سلسلة من العمليات «الجراحية» تقوم بها القوات الخاصة بشعبها الثلاث: قوات ال«رينجر»، و«دلتا فورس»، ووحدات «سيل». وبين «السيناريوهين» تتراوح مسارات مختلفة تمزج بين هذا وذاك، إذا ما استبعدنا ـ بطبيعة الحال ـ مقترحات الجماعات اليمينية المتطرفة بقصف شامل لأفغانستان لا يُبقي ولا يذر، ومقترحات منظمات السلام الأمريكية التي تدعو إلى الامتناع عن أي عمل عسكري على أساس ان القوة المجردة لن تسفر إلا عن المزيد من العنف والدم. ذلك ان الرئيس جورج بوش لا يستطيع أن يطبق تكتيك «القصف الفيتنامي»، أو ما يسمى «بقصف السجاد». أي تقسيم البلاد إلى مربعات صغيرة، والتعامل مع كل مربع على حدة بقصفه جواً حتى لا يبقى فيه أخضر أو يابس، ثم الانتقال إلى المربع التالي. فقد أدركت المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة ان هذا الأسلوب لا يكسب حرباً، وانما يخسرها، فهو كفيل باطلاق موجة من المعارضة الداخلية يتعذر معها مواصلة الحرب من الأصل، فضلا عن ذلك فإن العالم الآن لا يمكن له أن يقبل هذا النمط من حماقة القوة، إذ لابد أن يؤدي تطبيق هذا الأسلوب إلى تحول جهود الولايات المتحدة لعزل الارهاب إلى عزلة للولايات المتحدة نفسها على الساحة الدولية. «العلاج الياباني» رغم هذا فلا يندر أن يرى الأمريكيون في شوارعهم لافتات تحمل عبارات من نوع «اقصفهم بالقنبلة» ـ أي بالقنبلة النووية ـ أو «فلنكرر العلاج الياباني»، وذلك في إشارة إلى تدمير هيروشيما وناجازاكي بعد غارات الكاميكاز اليابانية على بيرل هاربور عام 1945. من الجهة الأخرى ليس بوسع الرئيس بوش أن يمتنع عن القيام بأي عمل عسكري لأسباب نفسية، فالرأي الشائع في واشنطن هو أن الارهابيين قد يواصلون عملياتهم ضد الولايات المتحدة إذا مرت أحداث 11 سبتمبر دون «عقاب». فضلاً عن ذلك فإن الرأي العام الأمريكي ـ بأغلبية 82% ـ يتطلع إلى رد عسكري على ما حدث. وليس من السهل على الرئيس الأمريكي اقناع كل هؤلاء بعكس ما يريدون. رغم ذلك أيضاً تتناثر على امتداد خارطة الولايات المتحدة الآن عشرات المنظمات التي تحلت بجرأة لا ينكرها عليها أحد فنظمت مظاهرات تدعو إلى انهاء حمى الحرب الراهنة، والامتناع عن أي عمل عسكري ضد أفغانستان أو أي بلد آخر. صحيح ان هذه المنظمات لا تضم إلا أعداداً قليلة، إلا انهم جميعاً من نشطاء السلام المتماسكين فكريا ونظريا حول رسالتهم، أي ان هذه المظاهرات لا تضم في أغلب الأحوال «العامة» الذين يقفون الآن في نسبتهم الساحقة على أرض المطالبة بالحرب. رؤى متضاربة وبين هذه القوى والتضاريس الاجتماعية المتباينة يحاول الرئيس بوش شق طريقه اعتماداً على معادلة يروج لها بلا توقف الولايات المتحدة تريد اقرار «العدالة». أي ـ بعبارة أخرى ـ تبحث عن ايقاع العقاب على مرتكبي حادث 11 سبتمبر.. كيف إذن سيمضي هذا العقاب في خارطة الاعتبارات المحلية والدولية المعقدة التي تواجهها واشنطن الآن؟ ثمة موقفان متباينان في العاصمة الأمريكية الآن. الأول تمثله وزارة الخارجية التي تبدي حساسية أكبر تجاه الاحتياجات الدبلوماسية لبناء «التحالف الدولي المطلوب». أما الموقف الثاني فتمثله وزارة الدفاع ـ أو بالأحرى القيادات المدنية في الوزارة من نمط نائب الوزير بول وولفيتز ـ ويدعو إلى زيادة جرعة العقاب ضد أفغانستان، واستخدام «الدواء» ذاته في عدد آخر من بلدان العالم يقف العراق ـ حتى الآن على الأقل ـ في صدارتها. ورغم ان ذلك يبدو ـ في ظاهره على الأقل ـ غير ذي علاقة بتفصيلات الضربة العسكرية المتوقعة لأفغانستان، إلا انه أثر على نحو عميق في تشكيل ملامح المرحلة الأولى من هذه الضربة. فضلاً عن ذلك فإنه لابد سيلعب دوراً في تحديد ما إذا كان العراق أو غيره من الدول العربية سيصبح مستهدفاً بدوره بعد انتهاء معركة أفغانستان. أما كيفية تأثير الخلاف بين كولن باول ودونالد رامسفيلد على ملامح العملية الأفغانية فإنها تتلخص في أن وزارة الدفاع أعلنت ان الهدف هو اسقاط حكومة طالبان بالاضافة إلى تصفية ـ أو اعتقال ـ الارهابيين، وهو الأمر الذي ردده جورج بوش بعد ذلك. ولكن ما أعقب هذا من تقدم قوات التحالف الشمالي التي تتشكل أساساً من الطاجيك والأوزبك وأعضاء حزب الوحدة أدى إلى قلق عميق في باكستان ـ ذات الأغلبية الباشتونية ـ والتي تشارك سكان جنوب أفغانستان، وحركة طالبان، في الأصول العرقية. لقد أدركت اسلام آباد ان اسقاط طالبان وتدمير هذه الحركة لن يتم دون ثمن، إذ سيؤدي ذلك إلى انهاء التنظيم الوحيد المتواجد الآن في صفوف باشتون جنوب أفغانستان على نحو مؤثر. ولابد أن الفراغ الذي سيعقب ذلك سيسفر عن غياب أي تمثيل حقيقي للباشتون في الحكم الذي يُفترض أنه سيخلف طالبان في كابول. وزاد من تعقيد الأمر ان الولايات المتحدة بدأت عمليتها بدعم المعارضة الشمالية، وان المعارضة الشمالية بدأت ـ على الفور تقريباً ـ تقدمها نحو مواقع طالبان. وعزز ذلك من ادراك باكستان للخطر المقبل والمتمثل في تواجد قوى تناصب اسلام آباد عداءً قديماً في كابول. لم يكن من المتوقع أن تسمح باكستان بتطور الأمور إلى هذا الحد، إذ يكفيها دولة واحدة معادية على حدودها، هي الهند. أما وهناك احتمالات بأن تصبح أفغانستان ـ تحت حكم التحالف الشمالي وبوجود رمزي غير مؤثر للباشتون في هذا الحكم ـ دولة معادية بدورها فقد كان أمراً لا يحتمل. ودقت اسلام آباد نواقيس الخطر. إذ كيف يمكن أن تسمح للأمريكيين باستخدام مجالها الجوي وبالاعتماد على تعاونها من أجل وضع نظام سوف يناصبها العداء المستحكم في المستقبل، كما كانت أحزابه وتنظيماته وأقلياته تناصبها هذا العداء ذاته في الماضي؟ وهكذا أعربت اسلام آباد عن استيائها العميق من رفع البنتاجون لشعار اسقاط طالبان، وطالبت الولايات المتحدة بحصر هدف العملية في تصفية الارهابيين واعتقالهم دون المساس بحكم طالبان. ولكن ذلك من شأنه أن يؤثر على العمليات العسكرية الأمريكية المتوقعة على نحو فوري، فإذا قبلت واشنطن طلب اسلام آباد فإن قوات التحالف تشعر بأن عودتها إى كابول ستتم الآن على أجنحة أمريكية، فإذا كانت هذه الأجنحة غير مهيأة لحمل التحالف الشمالي إلى العاصمة فلماذا يتعاون معها هذا التحالف أصلاً؟ فضلاً عن ذلك فإن قبول واشنطن بالمطالب الباكستانية الداعية إلى حصر الهدف في اصطياد الارهابيين يعني ان القوات المسلحة التقليدية الأمريكية لن تستخدم في العمليات، باستثناء قصف المساندة المعتادة لعمليات القوات الخاصة ووحدات الكوماندوز. وان الاعتماد الأساسي سيكون على تلك القوات والوحدات. أما إذا رفضت واشنطن مطالب باكستان فإن النتيجة الحتمية هي رفض باكستان للتعاون في أمر سيجلب عليها أخطاراً استراتيجية لا يمكن التهوين من شأنها. ولابد من أن يسفر عن تقديم بعض الجهات الباكستانية ـ خاصة جهاز المخابرات ذي الصلة الوطيدة بطالبان ـ دعماً مستتراً لطالبان ولأسامة بن لادن، ومن ثم جعل المعركة الأمريكية المقبلة أكثر صعوبة. أما بشأن تأثير الخلاف بين وزارتي الخارجية والدفاع في تحديد مدى اتساع نطاق المواجهات الأمريكية لاحقاً لتشمل العراق وغيره فإن الرئيس بوش تمكن من تجميد ذلك بما قاله للوزيرين من أن هناك ضرورة أولاً للتركيز على المرحلة الأولى، ويمكن بعد ذلك بدء نقاش لاحق فيما سيلي ذلك. إلا أن هذا التجميد يبدو مؤقتاً إلى حد كبير، بل انه قد يكون غير ذي معنى أصلاً. ان الجميع يعرفون انه ليس بالامكان فصل مراحل مواجهة مثل هذه واحدة عن الأخرى، والتعامل مع كل منها وكأن الأخريات لا تتواجد أصلاً. ان الخطوة الأولى يجب أن تتخذ في اتجاه محدد سلفاً وإلا أصبحت مجرد دوران في حلقة مفرغة. هناك مثلاً صعوبة في تشكيل التحالف الدولي منذ اللحظة الأولى إذ أدرك الجميع ان الخطوات اللاحقة ستشمل بلداناً مثل العراق أو سوريا أو ايران أو غيرها. وليس بوسع الولايات المتحدة أن تلجأ إلى الخداع في حملة دبلوماسية بهذا الاتساع تشمل روسيا وأوروبا وبقية دول العالم. ان أي خداع قصير النظر في المرحلة الأولى قد يؤدي إلى نتائج وخيمة بعد ذلك. العراق على القائمة وهكذا تحتم تحديد موقف ما من الخلاف بين باول ورامسفيلد، أو بالأحرى بين باول ووليفتز، وحددت واشنطن ـ فيما يبدو ـ مراحلها التالية وان بصورة غامضة ومشوشة. فالموقف إزاء العراق طُرح مع الرئيس شيراك خلال زيارته لواشنطن. ثم طُرح مع إيران خلال زيارة وزير الخارجية البريطانية لطهران، ثم طرح مع روسيا عبر اتصالات مباشرة بين بوتين وبوش. ولا يبدو هذا الموقف ـ حتى الآن ـ مشجعاً بالنسبة لمستقبل النظام العراقي الحالي. إلا أن واشنطن تحتفظ بهذه الصيغة الفضفاضة والمشوشة تجاه العراق حتى لا تستفز الدول العربية التي لا ترغب الآن ـ على اختلاف مواقفها ازاء بغداد ـ في أن يتحول المهرجان الحالي إلى مهرجان يمهد لقصف العراق. وطرح الصحفي البريطاني المعروف روبرت فيسك سؤالاً وجيهاً في هذا السياق حين قال: هل الحملة الراهنة هي حقاً حملة ضد الارهاب الدولي أم انها حملة لجمع العالم خلف تحقيق أهداف أمريكية صرفة؟ ولابد هنا من الاقرار بأن الغموض المتعمد الذي تحيط به واشنطن موقفها المستقبلي ازاء بغداد يفيد كثيراً في المرحلة الأولى من الحملة الراهنة. رغم ذلك فقد بدأت زراعة بذور كثيرة للشك حول تورط بغداد في عملية 11 سبتمبر. ولابأس من أن تثمر هذه الشكوك عن «حكايات» و«اعترافات» أدلى بها المحتجزون عن وجود هذا التورط فعلاً شرط ألا يحدث ذلك الآن. فالمهم هو أن يحدث وقت تحتاج الادارة إلى حدوثه، أي في المرحلة الثانية من الحملة الراهنة. ذلك انه لو حدث الآن لنقل التشوش المتعمد الذي تريده الادارة الآن إلى الرأي العام الذي سيتوه بين القاء المسئولية على كاهل بن لادن أو على كاهل صدام حسين. ولعل هذا على وجه التحديد هو السبب في اضطرار جورج بوش إلى احراج وزير خارجيته حول قضية نشر تقرير رسمي أمريكي يضم الأدلة التي «تؤكد» تورط بن لادن ومجموعته في عملية 11 سبتمبر. فبعد اصرار دول كثيرة على ضرورة الحصول على هذه الأدلة قبل أن تتعهد بدعم الحملة الأمريكية قال باول ان الادارة ستنشر ما لديها مما يقطع الشك باليقين في هذا الصدد. ولكن الرئيس بوش أعلن بعد 24 ساعة فقط من تصريح باول بأن الادارة لن تنشر أي أدلة لأنها «سرية» وأشار بوش ـ وقد يكون محقاً في هذا ـ إلى أن نشر الأدلة سيكشف الوسائل والأساليب التي اتبعتها واشنطن في جمع معلوماتها عن شبكة بن لادن، وان ذلك سيكون بمثابة تقديم العون لهذه الشبكة. ولكن الاحجام عن نشر الأدلة قد يكون مفيداً لآخرين. ذلك انه سيترك الاتهامات معلقة في الهواء، بحيث يمكن توجيهها إلى أي وجهة يشاء من «ينفخون» في المستقبل القريب. بعبارة أخرى قد يتحول الاعلان رسمياً عن اتهام بن لادن إلى خطوة في الاتجاه المعاكس لما يريده بول وولفيتز وكثيرون غيره في واشنطن. ذلك انهم يريدون ترك الاتهام معلقاً فوق رؤوس كثيرة، بحيث يمكن توجيهه بصورة انتقائية في مراحل تالية ضد من ترغب واشنطن في اصطيادهم، بصرف النظر عن علاقتهم بأسامة بن لادن أو بما حدث في 11 سبتمبر، وذلك في اجابة وافية عن سؤال روبرت فيسك. من جهة أخرى فإن هناك مؤشرات أخرى متوالية تؤكد ان قصف أفغانستان ليس هو القضية الجوهرية فيما يحدث كله. ان هذا القصف يريح أعصاب البعض في واشنطن، ويحقق بعض الأهداف المهمة. ولكن ثمة أهدافاً أهم. تلك هي استثمار اللحظة لإعادة صياغة المسرح الدولي على نحو يلائم ما تريده الادارة الآن. ان الهدف الحقيقي هو هذا بالذات، أي إعادة صياغة المسرح الدولي كما تريد واشنطن، وليس التخلص من طالبان أو أسامة بن لادن فقط. وهكذا ستظل عريضة الاتهام مفتوحة لتشمل آخرين لاحقاً. وفيما يتعلق بالعراق على وجه الخصوص فقد شهدت واشنطن تطوراً مثيراً للدهشة حقاً خلال الأيام الأخيرة. ذلك ان الرئيس بوش طلب في الخامس والعشرين من سبتمبر من الكونجرس السماح للإدارة بتعديل موقفها من الدول المدرجة على قائمة الارهاب.، وفيما قد يظن كثيرون ان ذلك التعديل سيكون نحو تشديد الضغوط على هذه الدول، فإن بوش طلب العكس تماماً، إذ كان النص الرسمي لرسالة البيت الأبيض إلى الكونجرس يحثه على منح الادارة حق تعليق البند الذي ينص على منع صادرات السلاح من واشنطن إلى دول مدرجة على قائمة الارهاب لمدة خمس سنوات. السيناتور باتريك ليهي رئيس اللجنة التشريعية في مجلس الشيوخ وجه سؤالا صريحاً للبيت الأبيض حول ما إذا كان ذلك يعني ان الرئيس يريد أن تعود الولايات المتحدة إلى تصدير السلاح إلى إيران وسوريا مثلاً. وجاء رد البيت الأبيض بالايجاب. بعدها أدلى السناتور ليهي بتصريح قال فيه «لا نعرف على وجه الدقة ما إذا كان طلب البيت الأبيض تأسس على أسباب مدروسة وليس على مجرد انفعال مؤقت. سنطالب بجلسة مغلقة مع ممثلي الادارة في البيت الأبيض ليشرحوا لنا ما يريدون بالضبط ولماذا». هناك اذن تحركات كثيرة تهدف إلى إعادة صياغة خريطة العلاقات الدولية على نحو يسهم ليس فقط في تحقيق الأهداف الأمريكية المفهومة في مكافحة الارهاب ولكن في تحقيق أي أهداف أمريكية أخرى ـ بصفة عامة ـ بعد ذلك. أما التحركات العسكرية التي تتعلق بأفغانستان فإن ملامحها الأساسية تتضح بسرعة. السيناريو العسكري فثمة اجماع من المحللين العسكريين الأمريكيين ان البنتاجون لن يضع قوات أرضية ـ مشاة ـ على أرض أفغانستان في أي مرحلة مبكرة من المواجهة. بدلاً من ذلك ستتولى قوات التحالف الشمالي الذي يقول ان بوسعه حشد 30 ألف مقاتل ـ فيما يقول الأمريكيون ان الرقم قد لا يتجاوز 20 ألفاً من الوجهة العملية ـ مهمة مواجهة قوات طالبان وذلك لإرغامها على كشف مواقعها أمام أقمار التجسس الأمريكية من المتوقع بعد ذلك أن تبدأ عمليات القصف الجوي المكثف ضد هذه المواقع، وضد أماكن أخرى تتمركز فيها قوات طالبان خصوصاً في ولاية قندهار، وفي مناطق محيطة بكابول، خاصة معسكر فارمادا الذي يبعد عن المدينة نحو 20 كيلو متراً، ومعسكر دارونتا المتاخم للمدينة إلى الغرب، كما سينال القصف ـ طبقاً لتقارير أمريكية ـ مجمعاً سكنياً حديثاً «للأفغان العرب» في ولاية لوجار بوسط أفغانستان، ومعسكر آخر يدعى تورا بورا في ولاية نانجنهار، ومعسكر قريب من مدينة خوست ويدعى معسكر جلال الدين حقاني، ومعسكري بدر «1» وبدر «2» اللذين سبق قصفهما عام 1998، وبعض المواقع الجبلية شرق ولاية كونار. ويقول الأمريكيون انهم حددوا مواقع مخازن الذخيرة ومكامن الدبابات والمدرعات التي بحوزة طالبان، وسوف يقصفون بطبيعة الحال هذه المواقع بالاضافة الى تجمعات قوات طالبان شمال كابول وجنوب مزار الشريف وغرب ميمنه، وقد جمع الأمريكيون معلومات يقولون انها «مهمة» من قوات التحالف الشمالي فيما يقول البعض ان باكستان امدتهم بقدر كبير من المعلومات وان كان بعض الأمريكيين يقولون ان المعلومات الباكستانية يجب أن تؤخذ بحذر شديد وذلك بسبب وجود شكوك في أن بعض العاملين في المخابرات الباكستانية سيقررون في نهاية المطاف مناصرة اخوانهم من الباشتون في طالبان فيقدمون للأمريكيين معلومات غير دقيقة، أو يبلغون طالبان بالمعلومات التي «اضطروا» إلى تقديمها لواشنطن حتى تتصرف الحركة على أساس معرفتها لأن تلك المعلومات وصلت بالفعل إلى أيدي خصومها. وفور تصاعد القصف فإن المتوقع أن تدب حالة من الفوضى في صفوف طالبان ـ أو هكذا يأمل الأمريكيون ـ مما سيمكن قوات التحالف الشمالي من الزحف إلى كابول. والمعروف ان لدى الجماعة الاسلامية ـ الطاجيك ـ التي كان يقودها أحمد شاه مسعود نحو 10 آلاف رجل، فيما يمكن لقوات الجنرال دوستم اضافة نحو 7 إلى 8 آلاف رجل، مع امكانية الحصول على عدد من المقاتلين من الحرازه ـ حزب الوحدة ـ إذا ما باركت إيران ذلك. وكان الكونجرس قرر ـ وسط تعتيم ملحوظ ـ منح معونة مالية عاجلة لتحالف الشمال، فيما قرر الروس، الذين قاسوا كثيراً من «الأفغان» سواء في أفغانستان نفسها في الثمانينيات أو في الشيشان الآن، أن يمدوا التحالف بكميات كبيرة من المدرعات وقطع المدفعية والذخيرة والأسلحة الشخصية (الرشاشات) ولم يكشف الكونجرس بصورة رسمية عن حجم المعونة التي قدمها للتحالف، كما لم يكشف الروس عما إذا كانوا قد قدموا تلك الأسلحة للتحالف على هيئة منحة أم ان الأمريكيين دفعوا ثمنها. رغم ذلك فإن الجميع يعرفون الآن ان السيناريو الذي يفترض تقدم قوات تحالف الشمال إلى كابول هو «وصفة» مؤكدة المفعول لبدء حرب أهلية في أفغانستان مرة أخرى. ذلك انه ليس بوسع الباشتون قبول حكم يتألف من الطاجيك والأوزبك والتركمانستان مع وجود تمثيل رمزي ـ مثل الملك ظاهر شاه ـ للباشتون على رأس ائتلاف يخلو في واقع الأمر، ومن الوجهة العملية، من الباشتون أنفسهم. ان وجود الملك ـ وهو ينتمي إلى الباشتون لن يغير كثيراً ما لم يكن مستنداً إلى منطمة شبيهة بمنظمات القوميات الأخرى. وتعمل واشنطن الآن على إيجاد حل لهذه المعضلة، سواء عن طريق البحث عن «مجاهدين متقاعدين» من الباشتون، أو عن طريق العمل على احداث انشقاق داخلي في طالبان بمساعدة باكستان، ولكن المجاهدين المتقاعدين لا وزن لهم، أما الانشقاق في طالبان فإنه أمر وارد إذا رأى الباكستانيون ان ذلك هو المخرج الوحيد للاحتفاظ بتواجد له معنى داخل التآلف الذي سيحكم أفغانستان بعد زوال طالبان ـ بصورتها الحالية على الأقل ـ في أعقاب العملية الأمريكية المعقدة الآن. أما ما يتعلق بأسامة بن لادن ورجاله فإن هناك الآن نحو 6 آلاف مجند من القوات الخاصة الأمريكية يحيطون بأفغانستان من كل جهة في انتظار وصول معلومات دقيقة، أو حتى شبه دقيقة، عن وجود تجمعات ذات شأن من الأفغان العرب. ومشكلة هؤلاء المقاتلين الذين سبق أن اخفقوا في أغلب العمليات التي قاموا بها هي ـ حسب قولهم ـ المعلومات. ذلك انهم يعتبرون أنفسهم «منفذين». أما مهمة جمع المعلومات وتحديد موقع الهدف فإنها تخص المخابرات المركزية. قد يكون «المشروع الأمريكي» في أفغانستان معقداً في بدايته، وهو بالتأكيد حافل بالاحتمالات. إلا أن الأمر المقلق هو نهايته. ذلك انه ليس بالامكان الآن الجزم بأن ما يحدث في أفغانستان، وما سوف يحدث فيها، سيسفر في نهاية المطاف عن احلال الاستقرار في هذا البلد الذي استعصى دائماً على الغزاة الأجانب، ودفع ثمن ذلك دماً ودماراً. ويخشى كثيرون أن ذلك لن يتغير كثيراً في المستقبل القريب. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز



