أعادت انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية الشباب لعدد كبير من مجاهدي الثورة التحريرية الجزائرية التي كللت بالنصر المبين في 19 مارس 1962 بعد سبع سنوات من الكفاح بأفراحها ومعاناتها. ويعتز هؤلاء بما يجري هذه الأيام على الأرض الفلسطينية من عمليات مسلحة يدركون ـ بتجربتهم ـ أهميتها في مسار التحرر وثقلها الأكيد في أية مفاوضات جدية مقبلة، ويرون أنفسهم في صورة من ينفذون العمليات الفدائية في القدس وطولكرم والخليل وداخل الأراضي المسماة بالإسرائيلية، ويتصورون حتى الأماكن التي جرت بها مقارنة مع أماكن عرفت معارك ضد الجيش الفرنسي في الجزائر خلال الثورة، وآخرون يعود بهم القصف الوحشي الذي تقوم به مروحيات ودبابات الاحتلال بلا تمييز على المناطق السكنية عقودا الى الوراء لاستحضار أعمال مماثلة نفذها الفرنسيون بقسوة في قرى ومدن الجزائر. وعندما تشاهد حنيفة ناصر الدين، وهي ابنة أحد شهداء الثورة الجزائرية تقطن حي حسين داي بالعاصمة وعمرها الآن ستون عاما، الدبابات والمروحيات تدمر المنازل الفلسطينية تتذكر القصف الذي نفذه الطيران الحربي الفرنسي على دار عائلتها بقرية كريمة الواقعة بولاية سطيف في ربيع عام 1956م. لقد كانت تلك الدار ـ كما قالت ـ مركزا لجيش التحرير الوطني الجزائري وكان والدها عبد الحميد ناصر الدين قائد المجاهدين بتلك المنطقة، يزرع الحماس في نفوس الشباب لتبني نهج الكفاح المسلح الذي انطلق ليلة الفاتح من نوفمبر 1954م، وفي نفس الوقت يزرع الرعب في نفوس العدو الفرنسي. ولم يكن الجيش الاستعماري قادرا على المواجهة بقواته البرية فاستخدم الطيران وقصف الدار ليوم كامل، فجرحت حنيفة التي كان عمرها وقتذاك خمسة عشر عاما، واستشهدت أختها الكبرى يمينة وهي في السابعة عشرة بعدما أصابتها شظايا القنابل التي كانت تنزل كالمطر في بطنها وصدرها إصابات بليغة. تقول حنيفة: في ذلك اليوم بكيت لأنني أتألم ولأنني أعلم باستشهاد أختي وإصابة والدي وعدد من افراد العائلة ®®. بكيت أساسا لأنني كنت أتصور نهاية العالم ولم أكن أعرف أن ما كنا فيه هو ثمن ينبغي دفعه من أجل الحرية. وقالت ان الفلسطينيات عظيمات وهن يودعن أبناءهن وأزواجهن بالزغاريد مثلما فعلت الجزائريات قبلهن ففزن بتطويع مسار التاريخ الى رغبتهن. ومثل حنيفة كثيرات في الجزائر وهن اليوم يجدن في الفلسطينيات أمهات كن أم زوجات أم أخوات السند الذي يطور انتفاضةأطفال الحجارة الى ثورة تلهب دار العدو. وتتذكر مباركة وتقطن الآن حي المدنية بالعاصمة أحداث 11 ديسمبر 1960، التي كانت أكبر مظاهرات شعبية عرفتها الجزائر في تاريخها، اندلعت بمدينة الجزائر وبالضبط من حي بلوزداد الذي كان يسمى وقتها «بلكور» ثم امتدت الى كافة أنحاء البلاد وشارك فيها ملايين من الجزائريين بينوا للعالم أن الشعب يساند قيادة الثورة، وكان لتلك المظاهرات أثرها على مسار مناقشة قضية الجزائر في الأمم المتحدة وكسبت الثورة الى جانبها كل العالم بما في ذلك دول تنتمي الى الحلف الأطلسي كانت قبل مدة تمد الفرنسيين بالعتاد. الجماهير والقيادة وبالمواقف المؤيدة لمقولة «الجزائر فرنسية» تقول مباركة أنها لم تنم ليلة الأحداث وكانت منهمكة في تحضير الأعلام الوطنية على آلة خياطة قديمة ليرفعها المتظاهرون في صباح اليوم الموالي، وهي ترى اليوم الشباب الفلسطيني يواجه بالحجارة وبحرق العجلات المطاطية جنود الاحتلال الإسرائيلي، تكاد تطير فرحا لأنها تعرف ما معنى أن تكون القيادة مدعمة من الجماهير، وأن المواجهة الجماهيرية هي وحدها التي ترفع الضغط عن القيادة وتجنبها السقوط في أخطاء تاريخية. فمظاهرات 11 ديسمبر في الجزائر اندلعت في الوقت الذي كانت فيه الثورة محاصرة بطرح بدائل عن الاستقلال التام وبفصل الجنوب عن الشمال، وبالانفراد بالقيادة لإدخالها متاهات لا تنتهي من الإجراءات الشكلية التي تضمن حق فرنسا في الاحتفاظ بالجزائر، وكانت المظاهرات نقطة تحول كبرى منحت قيادة الثورة عوامل الصمود التي تحتاجها وثبت الموقف على أن لا تنازل عن الاستقلال التام وقوت موقفها في المفاوضات، وكذلك الانتفاضة فإنها في نظر المجاهدة الجزائرية تسير في هذا الاتجاه. وسيأتي اليوم الذي تكون فيه اسرائيل هي الطرف الذي يبحث عن السلام إن استمرت الانتفاضة وتواصل الصبر الى درجة الإيمان بالنصر. أما الرائد صدّيقي ربيع وهو ضابط متقاعد في الجيش وكان قد دخل الثورة الجزائرية عام 1957 بمنطقة القبائل الصغرى وعمره لا يتجاوز العشرين، واستمر بها حتى الاستقلال وواصل عمله بمؤسسة الجيش بعد ذلك، فيرتاح كثيرا عندما يسمع أخبارا عن كمين نصبه مسلحون فلسطينيون لدورية إسرائيلية ويقول إن هذا يدغدغ عواطفه ويعيده الى الشباب حين كان ورفاقه يقومون بنفس العمل ضد دوريات الجيش الفرنسي. ويتحول الرائد ربيع الى واد من الذكريات حين تفتح معه موضوع الثورة، تجده يتحدث عن مغامرات شبابية قادت مجتمعه الى تحقيق النصر النهائي على الاستعمار الاستيطاني البشع في القرن العشرين رغم أنه كان أكثر عدة وعددا. وهو يتحدث عن الثورة يقول: «إنها ليست علوما دقيقة، هي في البدء مغامرة عذبة وتفجير لإرادة ممارسة أغلى ما لدى الانسان وهي الحرية، تبدأ بمجموعة ثم تتحول الى ملك عام حين تكسب القدرة على التأثير». والتأثير في هذا المقام لن يكون إلا مزدوجا فبقدر ما يشحذ همم الناس وجلبهم لتقوية صف الثورة، بقدر ما تؤثر على العدو بتحطيم معنوياته وإغراقه في بحر من الحسابات الذي يسقطه في موقع الضعف، ضابط الجيش الجزائري المتقاعد هذا ليس على درجة كبيرة من الثقافة ولم يحصل على أية شهادة دراسية كون الدراسة كانت ممنوعة على العرب عندما كان في سن الدراسة وكون قرية لعزيب التي ينحدر منها لا تتوفر الا على جامع لتحفيظ الصبيان القرآن الكريم، يقول «إن أهم مدرسة هي مدرسة الحياة» و لشدة ما يتباهى بكفاح الفلسطينيين اليوم تمنى لو كان في سن الإنجاب ليسمي مولودته «انتفاضة». قيادتان ويؤكد الطيب بوزلاطن من جهته وهو مجاهد منذ عام 1955 بمنطقة بوقاعة أن العمليات الفدائية التي يقوم بها الفلسطينيون سيكون لها وقع عظيم على مسار التسوية العام، كونها ستؤثر نفسيا على المستوطنين وسيكونون بدورهم قوة ضغط غير مباشر على مسئوليهم المدنيين والعسكريين، بشرط أن تتكثف وأن لا يقف السياسيون الفلسطينيون في طريقها لحسابات سياسية ودبلوماسية. ويعتقد أن قيادة العمليات المسلحة يجب أن تخضع لقيادة عسكرية مستقلة كما كان الشأن أيام الثورة التحريرية في الجزائر وكل من القيادتين السياسية والعسكرية تستمدان القوة من الأخرى دون أن تكون إحداهما وصية على الأخرى أو أن تسمح إحداهما باتخاذ القرار بدل الأخرى. ويعترف المجاهد الطيب بأنه ليس رجل استراتيجية بل رجل تنفيذ في الميدان وقد قاد عشرات العمليات المسلحة ضد مواقع الاستعمار الفرنسي العسكرية والمدنية لكن يقول انه يتحدث من مخزون ما اكتسبه من تجربة سبع سنوات من العمل المسلح، ومما يرى أنه من العوامل التي تؤثر نفسيا في عزيمة المجاهدين وجنود العدو على السواء. ويقول إن العمل المسلح يحتاج إلى انضباط وآليات لا يتقنها إلا المسلحون أنفسهم، ومن الصعب تصور نجاحه إذا استخدمت فيه نفس الأساليب التي كانت السبب في فشل المساعي السياسية والدبلوماسية، خلال ثورة الجزائر كانت تجري الاتصالات السياسية لكن القيادة السياسية لا تجرؤ على فرض آرائها ورؤيتها على القيادة العسكرية التي يهمها فقط أن تحقق انتصارات ترفع معنويات الجزائريين وتقويهم وفي نفس الوقت تخلق الذعر وعدم الاستقرار في معسكر العدو. ولا تقرر أبدا أين تجري العمليات ولا وقت إجرائها ولا تعطى الأوامر بالكر والفر. وأترككم تتصورون ما ستفعله الانتفاضة الفلسطينية إن استمرت وتطورت أساليبها ليتعانق فيها العمل المسلح بالنضال الجماهيري اليومي.فستؤثر بلا شك على المستوطنين وتكبح تلهفهم على ابتلاع كل الأرض الفلسطينية ويصبح همهم الأول هو النجاة، تماما كما أثر العمل متعدد الأشكال على المستوطنين الفرنسيين في الجزائر وكانوا وقتها يسمون بـ «المعمرين». وأجمع جزائريون كانوا ينشطون في النضال السري لجبهة التحرير الوطني التي قادت ثورة الجزائر أن نقل الثورة إلى قلب باريس والمدن الفرنسية الأخرى كان له أثر عظيم على تطور الأحداث ودفع الفرنسيين من مختلف الفئات والانتماءات السياسية والاجتماعية إلى مطالبة حكومتهم بإنهاء الحرب في الجزائر بأي ثمن كونها باتت تهدد حياتهم بعدما تسببت في انهيار اقتصاد بلادهم وكرست الصعوبات الاجتماعية في كل أوساط المجتمع. وقال علي هارون وهو محام وعضو الرئاسة في الجماعية التي خلفت الشاذلي بن جديد عام 1992 ، وكان خلال ثورة التحرير مسئولا بقيادة الجبهة في فرنسا إنه: «كلما انفجرت عبوة في باريس أو نشب اشتباك مسلح بين مجموعات المقاتلين الجزائريين في فرنسا والشرطة والجنود الفرنسيين زادت الثورة من ضغطها على الشارع الفرنسي والغربي عموما، وزاد الاعتقاد في صفوفهم بأن الثورة آلة لا تقهر ولا تحكمها قوانين يمكن للدولة الفرنسية التصرف فيها وأكد في حديث تلفزيوني أن مظاهرات 17 أكتوبر 1961م التي خرج خلالها آلاف الجزائريين المقيمين بفرنسا إلى شوارع باريس ليلا لابطال مفعول حظر التجول المفروض عليهم والتعبير عن مساندتهم لقيادة الثورة في كفاحها من أجل الاستقلال التام»، وضعت مسألة إنهاء الحرب في الجزائر في مقدمة اهتمامات الفرنسيين على اختلاف أعمارهم وانتماءاتهم، لأن تلك الحرب وصلت إلى أبواب بيوتهم وغدت تهددهم يوميا. قتل الأجنة ويحلو لعدد كبير من مجاهدي حرب التحرير الجزائرية أن يقارنوا بين الذي عاشوه في بلدهم وأحداث فلسطين هذه الأيام. وهم يدركون ويتذكرون أن بطش الجيش الفرنسي في الجزائر كان أكبر بكثير مما يفعله الصهاينة اليوم في فلسطين لكنهم يقارنون، ليس من منطلقات حسابية لكن من الروح المشتركة للفرنسيين المستعمرين والإسرائيليين، فكلاهما يقتل بلا تمييز. المهم أن يكون القتيل عربيا وإن كان عمره لا يتجاوز السنة فكل الجزائريين وقتها وكل الفلسطينيين الآن مرشحون للموت لأن المحتل يرى فيهم العصاة الخارجين عن القانون ويرى في غطرسته عين القانون، بل وفي الجزائر وقتها قتل الفرنسيون أجنة في بطون أمهاتهم. مع هذا لم تتوقف الثورة فتحقق النصر.ـ والأكيد ـ كما قال ضابط جزائري متقاعد آخر فضّل أن يبقى اسمه مجهولا لاعتقاده أنه يقول ما يفكر فيه الآلاف من رفاقه في السلاح: «ان إسرائيل لن تمنح شيئا للعرب إن لم توجه لها ضربات موجعة، فهي مثل فرنسا الخمسينيات، ما كانت لتخرج من بلدنا إلا بعد أن أدركت عجزها على إركاع الثورة والشعب الجزائري. حينئذ حملت ما خف وزنه ورحلت تجر أذيال الخيبة والهزيمة. والعمليات المسلحة التي شرع فيها مقاتلون فلسطينيون هذه الأيام مهما كانت نتائجها شحيحة حسابيا بالمقارنة مع سقوط أكثر من 300 شهيد وآلاف الجرحى فإنها في طريق اكتساب خبرة نادرة لم يعرفها العالم منذ عقود، وهي طريق النصر الأكيد، ولا أخفي أنني أحن الى سنوات الشباب، وأرى نفسي في هذا الشبابالفلسطيني الذي يقوم بعملية فدائية ويدرك مسبقا أنه سيكون وقت تنفيذها أقرب الى الموت لكن مع هذا يقدم .وأنا متيقن أنه في تلك اللحظات الخطيرة يكون قد نسيالموت تماما وأنه لا يفكر إلا في الذي يفعل». لقد خلقت الانتفاضة الشعبية والعمليات المسلحة التي يقوم بها الشباب الفلسطيني جوا ثوريا جديدا في صفوف مجاهدي ومجاهدات ثورة الجزائر. ويتصور الكثيرون منهم، حين سماعهم بكمين فدائي ضد دورية اسرائيلية، حتى الطريقة التي تم بها تنفيذ العملية وتموقع الفدائيين واستعدادهم للهجوم، وكأنهم في الميدان الحربي الذي غادروه منذ ثمانية وثلاثين عاما، هي إذن الانتفاضة مرآة يرى فيها من حررو االجزائر أنفسهم وثورتهم ويرون فيها أيضا نصرهم واستقلالهم. الجزائر ـ مراد الطرابلسي: