بينما يتعثر اللقاء الفلسطيني السوري على مستوى الرؤساء مرة اخرى نجد ان الأحداث الدولية والتي زادتها اضطراما تفجيرات نيويورك وواشنطن تدخل ضمن الأسباب الدافعة لهذا التأجيل. وزيارة عرفات تترقبها دمشق منذ اشهر عديدة، وهي تتأجل في كل مرة لاسابيع قد تكون لأسباب ذاتية احياناً وقاهرة احيانا اخرى، وكان قد اريد لها مجدداً ان تتم ما بين 12 و13 سبتمبر الحالى في الذكرى السنوية الثامنة لتوقيع اتفاق أوسلو في واشنطن بين إسرائيل ممثلة برئيس وزرائها آنذاك اسحاق رابين وبين منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة برئيسها ياسر عرفات وبحضور الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون. مباحثات مطولة ومشاورات سبقت هذه الزيارة ـ التي لم تتم بعد ـ على الصعيد الثنائي، اضافة لوساطات شارك فيها اكثر من طرف عربي واشبعت درسا ونقاشا في الزيارتين المنفصلتين اللتين قاما بهما إلى دمشق كل من محمود عباس« أبو مازن» ونبيل شعث وزير التخطيط والتعاون الدولي في السلطة الوطنية الفلسطينية. شعث وابو مازن التقيا عبدالحليم خدام نائب الرئيس السوري وفاروق الشرع وزير خارجيته ووضعوا معهما اللمسات الأخيرة بأدق التفاصيل ومجمل المواضيع لزيارة عرفات إلى دمشق والتي تأجلت مرة اخرى. ولكن على غير عادة المرات السابقة التي تدخلت فيها اطراف معروفة هي إسرائيل والولايات المتحدة بعرقلة زيارة رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية إلى دمشق ولأسباب معلنة ومعروفة ليست بخافية على احد وهي الخوف من ان يؤدي أي تقارب فلسطيني ـ سوري إلى سحب الورقة الفلسطينية من اليد الأمريكية ـ الإسرائيلية ودفع عرفات نحو مواقف أكثر تصلباً حيال إسرائيل واخراج قضية فلسطين من اوسلو واحيائها مجدداً كقضية وطنية فلسطينية وقومية عربية. هذه المرة كانت عرقلة الزيارة سببها عمليات التفجير التي ضربت الولايات المتحدة قبل يوم من الزيارة والتي كان من آثارها المباشرة اغلاق إسرائيل ومصر اجواءهما مما حال دون سفر عرفات إلى دمشق فكان تأجيلها إلى موعد 19 الجاري والذي تأجل هو الآخر. لا جدال في ان عرفات يتخذ اقصى جوانب الحذر ازاء علاقته مع دمشق وبالتالى ازاء زيارته لها فهو يدري تماما ان هذه الزيارة لن تكون دون ثمن وقد يكون الثمن باهظاً حسب مطالب دمشق. والخطوط الحمراء التي تضعها لقضية فلسطين بشلك خاص ولعملية السلام بشكل عام، هذا الموقف سيعني في المحصلة اعلان وفاة اتفاق اوسلو رسميا لكن عرفات لا يبدو مستعداً لاعلان هذه الوفاة بعد ولا يزال يراهن على امكانية بعث الروح في عظام هذا الاتفاق الرميم. اما شارون وتتشارك معه في ذلك الولايات المتحدة فانه يرفض اي تقارب بين عرفات وسوريا وهو يخشى ذلك ويخرج عن الحدود المقررة له لهذا فإنه يضغط بوسائل متعددة عسكرية وسياسية ليمنع زيارة عرفات لدمشق بل انه واطراف في حكومته لم يتورع عن توجيه تهديدات مباشرة لعرفات وابلاغه انه سيكون مستهدفاً أما بالتصفية واما بالطرد من المناطق الفلسطينية في حال تقارب مع سوريا هذا دون ذكر التلويح باعادة اقتحام واحتلال كل اراضي السلطة الفلسطينية. وقد جاءت الاعتداءات التي تعرضت لها الولايات المتحدة ذريعة مقنعة لاغلاق إسرائيل مجالها الجوي ووقف الرحلات الجوية للحيلولة دون توجه عرفات إلى دمشق في اليوم المحدد سواء عن طريق مصر أو الأردن. وبالاستناد إلى كل ما سبق يمكن التوصل إلى الاستنتاجات التالية على الصعيد الفلسطيني: 1 ـ لا يرى عرفات مصلحة في عقد قمة سورية فلسطينية في دمشق في ظل اوضاع دولية متوترة كليا بالحدث الامريكي وفي ظل اوضاع اقليمية متخوفة من ردود الفعل الأمريكية بعد اتهام اطراف ارهابية في الشرق الأوسط مسئولية الاعتداءات على نيويورك وواشنطن وفي ظل اوضاع اشعلتها إسرائيل لاطلاق يد جيشها في اقتحام مناطق السلطة ـ جنين واريحا تحديداً ونشر الدمار والموت فيها. وضرب قطاع غزة ضربة ثلاثية عسكرية ارضية وجوية وبحرية. 2 ـ لا تحظى زيارة دمشق ـ تبعا لذلك ـ بأي اهتمام اعلامي او سياسي عربيا ودوليا وبالتالى ستفقد القمة السورية ـ الفلسطينية كثيراً من زخمها ولن تكون لها انعكاسات بارزة تساعد على تحقيق الأهداف وربما كانت هذه هي الانعكاسات التي اجلت زيارة الاربعاء الماضي 19/9/2001. ومن المتوقع أيضاً ان تتراجع قيمة هذه الزيارة في ضوء محاولات التهدئة في الأرض الفلسطينية المحتلة والتي بدأت منذ يوم الثلاثاء الماضي. وجهة النظر السورية أما على الصعيد السوري، فان دمشق تتابع باهتمام كبير التطورات الناتجة عن التفجيرات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر الحالى. وهنا نجد القيادة السورية انكبت وعلى أعلى المستويات على دراسة تحليل النتائج التي توصلت اليها التحقيقات الأمريكية حتى الآن والتي تزعم ان تنظيمات إرهابية من الشرق الأوسط هي المسئولة عن تلك التفجيرات. القيادة السورية تقوم كذلك بتقييم الاجراءات والتحركات التي بدأتها الإدارة الأمريكية والتي ترمي لتشكيل ائتلاف دولي يضم بعض الدول العربية والإسلامية ومهمته ليست ملاحقة وضرب التنظيمات التي خططت للاعتداءات ونفذتها فقط بل والدول والجهات التي تؤوي تلك التنظيمات وتؤمن لها التمويل والحماية. ولا جدال في ان واشنطن تولي أهمية كبرى لموقف دمشق من هذه القضية وتسعى إلى الحصول على دعمها وموافقتها لهذا التحالف وذلك انطلاقاً من وضع سوريا ودورها المؤثرين على الصعيد العربي بشكل خاص وعلى الصعيد الشرق أوسطي بشكل عام وهذا ما تبين من الاتصال الهاتفي الذي اجراه وزير الخارجية الامريكي مساء الجمعة مع نظيره السوري فاروق الشرع وطلب فيه دعم سوريا في حملة مكافحة الإرهاب وذلك انطلاقاً من روحية برقية التعزية التي بعث بها الرئيس بشار الأسد إلى نظيره الأمريكي جورج بوش ودان فيها الهجمات الإرهابية التي استهدفت مدنيين ابرياء ومواقع حيوية في الولايات المتحدة ودعا إلى تعاون عالمي لاستئصال الإرهاب بجميع اشكاله وضمان حماية أبسط حقوق الإنسان وفي مقدمتها حقه في العيش بأمان وسلام اينما كان. واذا كانت دمشق تلتقي مع واشنطن في اطار الخطوط العامة لمبدأ مكافحة الإرهاب وضرورة استئصاله من جذوره الا ان ثمة خلافات كبيرة لا تزال قائمة بين البلدين وذلك على مستوى التفاصيل والاجراءات من جهة وعلى مستوى الهدف العام المطلوب من اية حملة دولية لمكافحة الإرهاب من جهة اخرى. فقبل كل شيء يجب، حسب وجهة نظر دمشق، تعريف الإرهاب بدقة بحيث يتم التفريق بينه وبين المقاومة الوطنية المشروعة التي يقوم بها شعب من الشعوب من اجل مواجهة ما يتعرض له من عدوان وظلم واحتلال لارضه. كذلك يجب الا يقتصر تعريف الإرهاب على العرب والمسلمين بما هو الأمر حاليا وانما يجب ان يشمل كل من يمارس الإرهاب بدءا من الافراد وانتهاء بالدول، وهنا تبرز إسرائيل كدولة إرهابية كما تبرز الولايات المتحدة نفسها التي تمارس بدورها ارهاب الدولة ضد كل من يخالفها في النهج والموقف. وهذا ما قامت به في مناسبات عديدة ضد دول عربية وإسلامية وآسيوية وأمريكية لاتينية بدءاً من كوبا ونيكاراجوا مروراً بليبيا والسودان وافغانستان وكوريا الشمالية وايران وانتهاء بالحصار الذي تفرضه على الشعب العراقي منذ انتهاء حرب الخليج الثانية. هذا دون نسيان ان واشنطن تدعم عسكريا وسياسيا إرهاب إسرائيل وعدوانها على الشعب الفلسطيني والدول العربية. اضافة إلى ذلك ترى دمشق ان ضرب الإرهاب ليس هو الهدف فقط وانما المهم والاساسي معالجة اسبابه والبحث عن حلول عادلة ومنصفة للأزمات التي تغذيه والظلم الذي يولده. وهذا ما لا يمكن تحقيقه الا في اطار تعاون دولي شامل يشترك فيه جميع دول العالم وترعاه وتشرف عليه الأمم المتحدة. حسابات معقدة وقد عبرت سوريا عن توجهها هذا من منتصف الثمانينيات حين تقدم الرئيس الراحل حافظ الأسد بمبادرة اواخر عام 1986 طالب فيها بتشكيل لجنة دولية مهمتها تحديد معنى الإرهاب والخطوط الفاصلة بينه وبين نضال الشعوب لتحرير اراضيها وذلك من اجل اكساب عملية مكافحة الإرهاب الشرعية الدولية والاخلاقية وفق المقاييس التي تقرها منظمة الأمم المتحدة. وفعلاً وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها العادية على المبادرة السورية الا انه لم يتخذ أي اجراء لتنفيذها. ولكن لا يبدو ان الولايات المتحدة تأخذ وجهة نظر سوريا والقضايا التي تطرحها بعين الاعتبار أو توليها ما يجب من اهتمام وجدية فهدف واشنطن الوحيد الآن وهي لا تزال رازحة تحت وطأة الصدمة والذهول والرعب ومفعمة بالغضب والحزن والالم هو الانتقام والثأر وهذا وان كان يمكن تبريره وفهم دوافعه بل والتعاطف معه يتعارض مع أبسط مباديء العلاقات الدولية التي يجب ان تقدم على قواعد من العقلانية والمصالح والاتزان بعيداً عن العواطف المتسرعة وردود الفعل المتشنجة خوفاً من ان تؤدي إلى عكس المطلوب منها أي تقوية ركائز الإرهاب وتنمية جذوره وينابيعه بدل القضاء عليه. ومن المفارقات الملفتة في هذا الصدد ان واشنطن تطلب دعم دمشق لائتلافها في وقت لا تزال الإدارات الأمريكية المتعاقبة واخرها إدارة بوش تصر على ادراج سوريا ومنذ سنوات كثيرة على لائحة الدول الداعمة للإرهاب بسبب علاقاتها مع ما تعتبره واشنطن بعض المنظمات في دمشق وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي. ففي الوقت الذي تعتبر فيه سوريا هذه المنظمات حركات تحرر وطنية شرعية تعمل في اطار القانون الدولي والانساني وتحظى باعتراف الأمم المتحدة ومعظم دول العالم فان الولايات المتحدة تعتبرها منظمات إرهابية متبينة في ذلك دون قيد أو شرط موقف إسرائيل. هذه الوقائع تجعل دمشق تنظر بحذر أو بغير قليل من التحفظ للمساعي الأمريكية لتشكيل هذا الائتلاف أو المشاركة فيه فهي اي دمشق قد تتعاطف مع فكرة مكافحة الإرهاب بل وتدعمها لكنها ستتوقف امام حسابات معقدة تحول بينها وبين الانضمام إلى أي تحالف من هذا النوع ومنها: 1 ـ الوضع المتردي في الشرق الأوسط نتيجة النهج الإسرائيلي العدواني الذي تجاوز في ارهابه وجرائمه كل الخطوط الحمراء وغير الحمراء ولا يمكن تحقيق أي انجاز ضد الإرهاب اذا تم تجاهل الإرهاب الإسرائيلي والتغاضي عنه. 2 ـ انهيار عملية السلام في الشرق الأوسط دون ان تبدي إدارة بوش اي اهتمام بانقاذها أو السعي لاعادتها إلى مسارها المقرر، وذلك طوال الفترة التي سبقت الاعتداءات على مدينتي نيويورك وواشنطن. 3 ـ ان إسرائيل قد وضعت نفسها ومسبقاً على رأس المعنيين بهذا التحالف، كما انها استغلت الاعتداءات على واشنطن ونيويورك لتطرح نفسها مجدداً الحليف الاستراتيجي الأول لأمريكا في وجه الإرهاب العربي ـ الإسلامي ومن المستحيل ان توافق دمشق على المشاركة في أي تحالف تكون إسرائيل طرفاً فيه. وأخيراً قد يقول قائل ان سوريا شاركت في التحالف الدولي الذي اقامه جورج بوش الاب لاخراج العراق من الكويت بالرغم من كل ما كان لديها من محاذير عليه فلماذا لا تشارك في الائتلاف الذي يدعو اليه جورج بوش الابن بالرغم من كل محاذيرها عليه؟ والجواب هو ان التحالف الدولي كان مرتبطاً بقضية عربية وبموقف دولي عادل يومذاك وموجها ضد خصم محدد «ان صحت التسمية» وكان المأمول من تلك المشاركة بالنسبة لدمشق وغيرها من العرب ان يكون ثمنها البحث عن حل عادل ومنصف وشامل للصراع العربي الاسرائيلي وقضية الشرق الأوسط. اما بالنسبة للائتلاف الراهن فهو ليس موجها ضد الإرهاب بكل اشكاله، كما انه ليس معنياً بمعالجة اسبابه ودوافعه اولاً بالتمييز بين الإرهاب وبين المقاومة المشروعة وانما هو موجه ضد ما تعتبره الولايات المتحدة ارهاباً عربياً واسلامياً فقط اضف إلى ذلك ان بوش الابن لم يقدم أي وعد للعرب مثلما كان الأمر مع ابيه بأن يكون ثمن مشاركتهم في ائتلافه السعي لاستئناف عملية السلام والالتزام بايصالها إلى اهدافها المقررة أي السلام العادل والشامل المرتكز إلى قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية. وهنا مكمن الحذر السوري والذي يجعل مشاركتها في الائتلاف الأمريكي المذكور امرا بعيد المنال ان لم يكن مستحيلاً. دمشق ـ يوسف البجيرمي: