واجهت الدبلوماسية الامريكية انتكاسات سياسية خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو ما تسميه دوائر الاعلام الغربي بالمشكلة الشرق أوسطية، وعرضت هذه الانتكاسات مفهوم الهيمنة الامريكية لاحتمالات عديدة منها سقوط هذا المفهوم وتراجعه بعد ان برزت مواقف معادية بشدة وقوة للموقف الامريكي الداعم لسياسة الارهاب والعنصرية الاسرائيلية. في رام الله، نظمت «البيان» ندوة حاولت تقصي اتجاهات السياسة الامريكية وانتكاساتها خاصة بما يتعلق باقناع العرب بمخططاتها في المنطقة (والمقصود هنا العراق وفلسطين) وسعت الندوة إلى التدليل على ظهور موقف عربي استطاع أن يتوحد مرة ثانية من اجل قضايا مصيرية متتبعة عثرات هذا الموقف ونجاحاته. كان من المشاركين في الندوة هذه الدكتور عزمي بشارة عضو الكنيست العربي، د. مصطفى البرغوثي مدير مركز الاعلام الصحفي ومحلل سياسي، صالح رأفت أمين عام الحزب الديمقراطي الفلسطيني «فدا»، عضو الكنيست العربي محمد بركة، عبدالعزيز الرنتيسي الناطق الرسمي باسم حركة المقاومة الاسلامية «حماس»، وقيس عبدالكريم «ابوليلى» عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. الاتجاه الاول تبلور حول انتكاسات السياسة الامريكية التي تعددت في الفترة الاخيرة وجاء السؤال حولها كما يلي: ـ ما هي الابعاد السياسية والاستراتيجية للانتكاسات السياسية الامريكية في الفترة الاخيرة؟ ـ د. عزمي بشارة: لقد فشلت الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة في اقناع العرب مرة اخرى بالالتفاف وراء الحصار المفروض على العراق، والانتفاضة الفلسطينية المندلعة، وعربيا لم يعد هناك من يقبل باستمرار معاناة الشعب العراقي المستمرة، حتى الذين وقفوا ضد العراق في اجتياح الكويت، ونشأ وضع بدأت الدول العربية فيه تفكر بشكل براجماتي حول المصلحة العربية، فالمصلحة العربية تقضي ازالة الحصار عن العراق واعادتها الى الساحة العربية، فالتفكير العربي الجديد افشل الفرضية الاساسية في الدبلوماسية الامريكية في المنطقة، وترك الولايات المتحدة في حيرة من امرها، ورفض الاردن وسوريا لمقولة العقوبات الذكية على العراق ادى الى ان تتخذ روسيا موقفا افضل من السابق في مجلس الامن، واذا واصلت روسيا برفضها للعقوبات باتخاذ قرار الفيتو ضد العقوبات الذكية فان هذا عمليا ينهي الحصار، لكن روسيا وفرنسا لا يستطيعان اتخاذ موقف بدل العرب، وانه عند وجود موقف عربي حتى ولو من منطلق المصلحة يدفع الدول الاخرى لاتخاذ مواقف اجرأ في مواجهة الدبلوماسية الامريكية في المنطقة، فالموضوع الفلسطيني لعب دورا هاما، فالصمود الفلسطيني واستمرار المعركة ضد الاحتلال لعب دورا في ربط الحصار على العراق بالحصار على فلسطين. وعلى المستوى الفلسطيني هناك اشتباك في الدبلوماسية الامريكية، فالثابت في السياسة الامريكية التحالف الاستراتيجي مع اسرائيل، لا توجد مبادرات امريكية جدية، فالمبادرات الامريكية هي من مخلفات الادارة السابقة تقرير لجنة ميتشيل، مؤتمر قمة شرم الشيخ، تفاهمات تينيت كذلك من مخلفات الادارة السابقة، والولايات المتحدة لا تظهر رغبة وتصميم على انجاح المبادرات، خاصة انه ليس لدى الادارة الامريكية مبادرة سياسية تحتضن مثل هذه المبادرات «تقرير ميتشيل، تفاهمات تينيت» لذلك بقي التحالف الاستراتيجي الامريكي مع اسرائيل قائم، وتضاءلت الارادة الامريكية امام شارون. وتختلف امريكا مع شارون في موضوع ضرب السلطة الفلسطينية، وامريكا تعبر عن لومها للسلطة الفلسطينية وانحيازها لجانب اسرائيل فامريكا لم تصل لدرجة قبول خطط شارون جميعها، هناك الظواهر العربية السياسية التي تستحق النظر، فلو كانت هناك سياسة امريكية جدية لنظرت للظواهر السياسية العربية بشكل جدي، فالرفض غير المسبوق لولي عهد المملكة السعودية ان يزور امريكا وموقفه النقدي الصارم تجاه سياساتها، تصريحات وزير الاعلام والثقافة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان كانت صارمة وواضحة ضد سياسات الادارة الامريكية، ومثل هذه التصريحات لم تكن في السابق. ـ البرغوثي: عدم تنفيذ وتطبيق تقرير ميتشيل وتفاهمات تينيت سببا للفشل الامريكي في المنطقة، وامريكا منحازة للسياسة الاسرائيلية، وامريكا غير قادرة على القيام بدور متوازن ومحايد في الوساطة بين الجانب الفلسطيني والاسرائيلي، وهذا كان متوقعا منذ بداية الانتفاضة الحالية، لان امريكا لا تستطيع ان تقوم بدور وسيط منفرد، والمطلوب ايجاد اطار دولي متوازن يضمن مشاركة دولية واسعة تقوم على اساس التوازن وعلى اساس قرارات الشرعية الدولية وتطبيقها. فالولايات المتحدة لا تستطيع القيام بدور وسيط بسبب قوة اللوبي الاسرائيلي الضاغط في الولايات المتحدة، والارتباط الاستراتيجي للمصالح مع اسرائيل، ولذلك فان هناك فشلا ذريعا للمبادرات الامريكية المختلفة وقبلت امريكا ان يكون شارون هو الخصم والحكم في نفس الوقت، شارون هو المعتدي على الشعب الفلسطيني وهو الخصم، وهو مجرم الحرب، وفي نفس الوقت هو الذي يقرر متى يبدأ وقف اطلاق النار، فمقومات النجاح للسياسة الامريكية في المنطقة كانت معدومة بسبب عدم توفر موقف محايد وموضوعي تجاه ما يجري على الساحة الفلسطينية. سياسة منحازة ـ رأفت: من الواضح ان الادارة الامريكية تتبع سياسة في منطقة الشرق الاوسط، وتحديدا بشأن الصراع الفلسطيني والعربي الاسرائيلي، سياسة منحازة بشكل كامل لجانب حكومة شارون ـ بيريز، هذا ولد ردود فعل في الاوساط الرسمية والشعبية العربية لمواجهة هذه السياسة الامريكية المنحازة لاسرائيل، وتحاول السياسة الامريكية ان تسلط الاضواء لمواصلة حصار العراق، مما ولد ليس فقط على الصعيد الرسمي والشعبي العربي في معاداة وفي مواجهة السياسة الامريكية تجاه العراق، بل على الصعيد الدولي وتحديدا في الموقف الروسي والصيني ونسبيا في الموقف الفرنسي، وهو ما احبط المشروع الامريكي البريطاني في مجلس الامن، ودفع الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا للتراجع عن المشروع نسبيا، واخذ مجلس الامن قرارا جديدا باستئناف برنامج النفط مقابل الغذاء. من هنا نستطيع القول ان السياسة الامريكية في المنطقة العربية تصطدم بعقبات اساسية تتمثل، بمواصلة الشعب الفلسطيني للانتفاضة والمقاومة الشعبية للاحتلال الاسرائيلي، ورفض الشعب الفلسطيني وقيادته الخضوع لاملاءات وشروط حكومة شارون ـ بيريز، وتتمثل ايضا بالمعارضة العربية الرسمية والشعبية للسياسة الامريكية المتواطئة مع حكومة شارون ـ بيريز، فاستمرار الانتفاضة والمقاومة ورفض الشروط والاملاءات الاسرائيلية، والتزام الدول العربية والاسلامية لقرارات القمم والاجتماعات العربية والاسلامية بضرورة التحرك على صعيد مجلس الامن الدولي، والجمعية العامة للامم المتحدة لادانة ووقف العدوان الاسرائيلي وممارسة الضغوط على الادارة الامريكية للتراجع عن انحيازها لاسرائيل، ودفع امريكا لاتخاذ سياسة اقل انحيازا واكثر توازنا هذا كفيل بممارسة الضغط على الادارة الامريكية وفرض التراجع عن انحيازها السافر لاسرائيل. ـ بركة: في الحقيقة انني لا ارى في واقع الحال انتكاسة للسياسة الامريكية بشكل جدي هنالك حالة غضب شديدة ضد السياسة الامريكية، تتمحور في القضايا الاقليمية في مختلف انحاء العالم، وتتمحور ايضا في القضايا الاقتصادية والعولمة، وهذا لم يترجم الى انتكاسة تزعزع موقف الولايات المتحدة الامريكية في عصر تنفرد به أمريكا لقطب أوحد، هناك حاجة لافهام الولايات المتحدة الامريكية حدودها، بانها ليست الحاكم الاعلى للعالم، وليست المندوب السامي على العالم، وهذا يتمثل فيما يحدث في فلسطين فامريكا تشارك اسرائيل في عملية قلب المصطلحات والحقائق عندما تصنف الشعب الفلسطيني في خانة المعتدي والارهابي والمطالب بوقف اطلاق النار، بينما الشعب الفلسطيني هو ضحية الارهاب الاحتلالي، وضحية الاعتداءات الاسرائيلية والنيران من الجيش الاسرائيلي، وهذا الامر يجب ان يفهم ليس فقط من خلال المواجهات الاسرائيلية الفلسطينية، وهناك مكان لدور عربي اكثر فاعلية في هذا الاطار. ـ الرنتيسي: يستطيع المرء ان يقول فعلا ان هناك انتكاسات تشهدها امريكا، والسبب ان امريكا تتعامل مع العالم من منطق القوة والغطرسة، وبالتالي تعطي لنفسها حق السيادة المطلقة على كافة اقطار الكرة الارضية، مما خلق اجواء رافضة في الاوساط الشعبية في كافة انحاء العالم للهيمنة الامريكية، وهذا ادى الى انتكاسات في السياسة الامريكية، وينتظر ان يؤدي الى مزيد من الانتكاسات في المستقبل. ـ عبد الكريم: الانتكاسات التي منيت بها الدبلوماسية الامريكية خلال الاشهر الماضية هي تأكيد على استحالة فرض الهيمنة الامريكية المنفردة على العالم، كما حاولت امريكا منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات، فالمحاولات الامريكية لانشاء نظام عالمي ذي رأس واحد تحكمه، ثبت استحالة تحقيقه رغم كون الولايات المتحدة هي القوة الاعظم الآن في العالم سواء اقتصاديا أم عسكريا. ان المقاومة التي تبديها شعوب ودول العالم الرافضة للهيمنة الامريكية تجعل من المستحيل تنفيذ المخطط الاستراتيجي الامريكي، فالانتكاسات لا تنفي في الواقع حقيقة ان امريكا لاتزال هي الدولة الاكبر وتنتهج سياسة عدوانية على مختلف المستويات في العالم لفرض هيمنتها الكونية. فشل القطب الأوحد ـ من قضية طائرة التجسس مع الصين الى فشل مشروع «العقوبات الذكية» في مجلس الامن، مرورا بمشروع الدرع الصاروخية والعلاقات مع اوروبا وروسيا.. هل بدأت امريكا تفقد مركزها القيادي في السياسة الدولية؟ ـ بشارة: ان امريكا لم تفقد مركزها القيادي ولكن بدأت تتضح حدود هذا المركز القيادي، صحيح ان الولايات المتحدة استفادت من المركز القيادي بسبب الفراغ الناشيء بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وعدم رغبة اوروبا في اتخاذ موقف حازم، لبعد الشرق الاقصى عن السياسات الدولية، استفادت امريكا من هذا الوضع، لكن على المستوى الاقليمي هناك قوى تستطيع ان تتصدى. فالصين لا تقبل ان تعامل كما تعامل صربيا او كما يعامل العراق من قبل امريكا، هناك قوى اقليمية تحاول ان تعود كدولة عظمى الى موقعها مثل روسيا، وبدأت تتضح حدود الهيمنة الامريكية، خاصة اذا نجحت في ترميم اقتصادها والتحول الى قوة اقتصادية كبيرة واهمة، فالتفرد الامريكي سيكون مستحيلا ولابد ان تنشأ قوى اخرى. على المدى البعيد كعرب يجب ان ننظر الى اهمية العالم العربي على الساحة الدولية وذلك لتوفر الثروة والقوة، في حال وجود اصلاح اداري وسياسي واقتصادي في الوطن العربي واصلاحات ديمقراطية، ليس هناك مانع بان يتحول العرب الى قوة يحسب لها حساب في القرن الحادي والعشرين، فرفض العقوبات الذكية على العراق من قبل العرب ادى الى محاصرة الاستراتيجية الامريكية على المستوى االعالمي «الامم المتحدة». ـ البرغوثي: هناك تذمر دولي واسع من سياسة امريكا المتفردة في العالم، وامريكا تحاول الهيمنة على عملية العولمة الجارية في العالم، ليس فقط على المقدرات الاقتصادية، بل على المواقف والقرارات السياسية المختلفة وفرض اسلوبها الخاص وهذا يثير تذمرا واسعا ليس فقط على مستوى بعض الدول النامية، وانما على مستوى عالمي بما في ذلك اوروبا الغربية، لعدم وجود مشاركة فعالة، واحد اهم معالم غياب المشاركة الفعالة في الدول الاخرى هو ضعف دور هيئات الامم المتحدة وكافة الهيئات الدولية خلال العقد الاخير، بسبب تبلور حالة القطب الواحد في العالم. ـ رأفت: لا استطيع القول بان امريكا قد بدأت تفقد حضورها، لكن من الواضح ان سياستها الكونية القائمة على محاولة فرض هيمنتها على العالم، بدأت تصطدم في مواجهة الصين وروسيا وتململ في اوروبا الغربية وعدم موافقة في اوروبا الغربية على البرنامج الصاروخي لادارة بوش، ومن اجل فرض التراجع الكامل على سياسة امريكا في المنطقة، مطلوب عربيا واسلاميا متابعة العمل للضغط على الادارة الامريكية وتحديدا استخدام العلاقات الاقتصادية العربية الامريكية في محاولة لتصحيح السياسة الامريكية كذلك يتطلب تعاون اكبر على الصعيد الدولي بين المجموعات الدولية التي لا توافق على السياسة الامريكية، الاتحاد الروسي، الصين، والاتحاد الاوروبي، ليتم فرض التراجع على الادارة الامريكية سواء بشأن البرنامج الصاروخي، وحول البيئة، والعديد من القضايا التي فيها تباين بوجهات النظر، وهناك خلافات مع السياسة الامريكية. ـ بركة: هذا التقييم سابق لأوانه، صحيح ان هناك تذمرا من بعض الاوساط السياسية الاوروبية خاصة في اليسار، ولكن هذا لم يترجم في المستقبل القريب على شكل ضعضعة الموقف الامريكي، ففي موضوع طائرة التجسس الامريكية نجد في نهاية الامر الصين اطلقت سراح الطاقم خلال عدة ايام، وبعد ذلك اعادت الطائرة بكل اجزائها وقطعها، فيما يتعلق بالعودة لمفاهيم قديمة في سباق التسلح، فان سياسة بوش تمثل عنجهية يجب لجمها، وآن الاوان لتكون المعركة بين الولايات المتحدة الامريكية ودول العالم الثالث الذين يعانون من السياسات الاقليمية للولايات المتحدة الامريكية التي تريد ان تكرس السيطرة والهيمنة الاقتصادية والسياسية على دول العالم الثالث ويجب ان تنتقل المعركة الى محور جديد وهو العلاقة بين الصين واوروبا واليابان من جهة وكل على حدة وبين الولايات المتحدة الامريكية لانها مراكز اقتصادية هامة في العالم، اما قضية التناحر فلا مفر منه في ظل محاولات الولايات المتحدة الامريكية الهيمنة على الاقتصاد العالمي من خلال نظام العولمة وصندوق النقد الدولي. خطوات أولى ـ الرنتيسي: نستطيع القول ان هناك خطوات اولى نحو فقدانها للمركز القيادي في السياسة الدولية، ولا ننسى ان امريكا فقدت مقعدها في لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وهذا يشير الى انتكاسة امريكية، وامريكا الان تسير نحو فقدان سيطرتها وهيمنتها كقوة وحيدة في هذا العالم. ـ عبد الكريم: ليس صحيحا انها فقدت الدور الرئيسي من حيث كونها القوة الاعظم، ولكن الصحيح ان هناك محاولات استثمار دورها لفرض هيمنتها على الشعوب والدول الاخرى وهذه المحاولات لا يمكن ان تتكلل بالنجاح بسبب المقاومة المتواصلة والمتصاعدة للشعوب والدول الرافضة للهيمنة الامريكية. ـ اظهرت الجولة الاوروبية للرئيس الامريكي جورج بوش الابن تباينا واضحا في المواقف ازاء العديد من القضايا الاقليمية والدولية... هل يعني ذلك بداية تمرد اوروبي على الهيمنة الامريكية؟ ـ بشارة: لا يوجد هناك تمرد اوروبي على الهيمنة الامريكية، بسبب عدم خضوع اوروبا لامريكا، وكان هناك رضى من السياسة الامريكية، فالرضى الاوروبي جاء بكامل قوى اوروبا العقلية من الموقف الامريكي وتقسيم العمل العالمي بحيث تأخذ امريكا دورا اكثر فاعلية من الناحية السياسية، فاوروبا لم تستطع لوحدها حل قضية البلقان وهذه وصمة عار على جبين اوروبا، ولكن في حالة مناقشة مواضيع عينية ستجد في كثير من القضايا اوروبا تختلف عن امريكا، فالمشكلة اذن طرح الموضوع كموضوع خلافي وصدامي، ليس لدى اوروبا منذ الحرب العالمية الثانية لا رغبة ولا ارادة لاتخاذ موقف صراعي مع امريكا على مستوى اقليمي، هنالك ذاكرة تاريخية اوروبية وعقدة اسمها الحروب العالمية الاوروبية الداخلية وهنالك عقدة استعمارية اوروبية في العلاقة مع العالم الثالث، وهنالك مجتمع استهلاكي اوروبي وطبقة وسطى تردعه من التدخل بسبب وجود حركة سلام قوية وحركات حقوق انسان قوية، وقرب اوروبا جغرافيا من مناطق ساخنة مثل «شمال افريقيا والشرق الاوسط» تجعل اوروبا تتجنب التورط المباشر بالصراعات في حين ان امريكا لم تخض اي معركة على اراضيها تاريخيا باستثناء الحرب الاهلية الداخلية الامريكية. كل هذه القضايا تجعل اوروبا بكامل قواها العقلية اكثر رغبة بترك العمل السياسي المباشر، ففرنسا تحاول بشكل غير مباشر الحفاظ على كبريائها القومي الوطني بشكل يجعلها في بعض المناطق في حالة تميز وصراع مع الارادة الامريكية كما حصل في شمال افريقيا وفي الموضوع اللبناني والفلسطيني. الاتحاد الاوروبي لغاية الان لم يطور الارادة السياسية ولا يوجد تماسك في الارادة السياسية «تسمى رأي عام اوروبي، يسند الاتحاد الاوروبي لو اراد ان يتخذ موقفا واضحا في قضايا مثل القضية الفلسطينية، فربما يتولد خلاف حول روسيا بسبب اهميتها للامن الاوروبي، فاوروبا ليست معنية بتسخين الاجواء مع روسيا وستكون معنية باحتضان وتبديد التوتر مع روسيا. ميل اوروبا الدائم اذن هو الحفاظ على الاستقرارفي المناطق الساخنة المجاورة لها «الشرق الاوسط» وهناك خوف اوروبي من عدم الاستقرار لانه يلقي على كاهلها موجات هجرة مباشرة اليها، هناك اسطورتان اوروبيتان هما الهجرة والارهاب، فالسياسة الاوروبية تبدو وكأنها اقل حدة في معاداة بعض الدول في العالم الثالث. ـ البرغوثي: كلمة تمرد ليست صحيحة، وما جرى هو مؤشر لتصاعد في الرغبة الاوروبية في ان يكون للاوروبيين دور مشارك فيما يجري والدول الاوروبية تعبر عن تذمرها من الهيمنة الامريكية في كل المجالات، وتعبير عن التناقض الذي يتبلور على المستوى العالمي، فالادارة الامريكية الجديدة التي لا تبدي حساسية كافية تجاه متطلبات ومصالح الدول الاوروبية، وتحتكم في سياستها الخارجية الى العوامل الداخلية الامريكية، وما نشهده في اوروبا والصين هو تعبير عن تذمر عالمي واسع يعبر عن التناقض بين المنحى الجاري نحو العولمة، والاحتكار الامريكي لكثير من الامور وخاصة على الصعيد السياسي في العالم. ـ رأفت: هناك تباين في المواقف السياسية مع امريكا، ولكن بحكم سياسة بريطانيا والمانيا بشكل رئيسي وهما دولتان كبيرتان في الاتحاد الاوروبي، سياستهما موالية للادارة الامريكية، وهذه السياسة تحول دون تحول جدي في موقف الاتحاد الاوروبي تجاه السياسة الامريكية، وتحولان دون اتخاذ خطوات عملية في مواجهة السياسة الامريكية على الصعيد الكوني، ولكن هناك العديد من الدول الاوروبية وتحديدا فرنسا باتت تضيق ذرعاً بالسياسة الكونية الامريكية، ولذلك مطلوب عربيا التعاون مع فرنسا والاتحاد الروسي والصين، ودول اوروبية اخرى بهدف وضع حد للسياسة الامريكية العدوانية على الصعيد الكوني. ـ بركة: هنالك مقومات واسباب لهذا التمرد الاوروبي، ولكن هذا التمرد لم يأخذ مداه بالشكل الكافي في هذه المرحلة، فالبرلمانيون الاوروربيون، قالوا انهم لا يستطيعون تجاوز الموقف الاوروبي التابع للولايات المتحدة الامريكية، قالوا نستطيع ان نبدي ملاحظاتنا على السياسة الامريكية، وهم لا يستطيعون ممارسة سياسة مستقلة في الشرق الاوسط بمعزل عن الولايات المتحدة الامريكية، وهذا الامر ملازم ليس فقط للقضية الفلسطينية وقضايا الشرق الاوسط، وانما هذا ملازم لعدد كبير من المحاور، ففي عهد كلينتون كان تأثير البرلمانيين الاوروربيين اكبر بين قيادات اوروبا الغربية والولايات المتحدة الامريكية خاصة في موضوع التسلح وتخفيف حدة سباق التسلح، الان بوش عاد الى المصطلحات القديمة، هذه ليست قضية مزاجية او عصبية يمارسها بوش ولكن هذا جزء من صياغة احتكارات الاسلحة وصناعة الاسلحة والتقنية والابحاث المتعلقة بتطوير القدرات القتالية والعسكرية للولايات المتحدة، وفي جو الهدوء والاستقرار يتصور ربابنة صناعة الاسلحة في امريكا انهم الخاسرون، وانشاء حالة توتر وسباق التسلح تزيد من اسهمهم وارصدتهم المالية. ـ الرنتيسي: البداية صدقت هذا الامر «بداية تمرد اوروبي على الهيمنة الامريكية» فاوروبا بدأت تشعر بان امريكا تحاول ان تتفرد في العالم، وبالتالي هناك مصالح اوروبية خاصة في منطقة الشرق الاوسط، وتشعر اوروبا ان امريكا تحرمها من هذه المصالح، فتوجه اوروبا نحو الوحدة وتوحيد العملة، وربما يصل الامر الى اتحاد اوروبي كامل، منطلقا في تحليلي هذا من باب ايجاد قوة اخرى في العالم تنافس امريكا وتقف في وجهها. ـ عبد الكريم: الاتحاد الاوروبي ليس في جيب واشنطن كما تريد له ان يكون، فالاتحاد الاوروبي له مصالح خاصة وهي تقرب من مصالح دوله الرئيسية لتشكل قوة كبرى جديدة تحتل مكانة على المسرح الدولي جنبا الى جنب مع الولايات المتحدة، فالقوة الاوروبية ليست مكافئة لقوة امريكا، وليست في تصادم معها، ولكنها من خلال مسيرة الوحدة الاوروبية تتحول الى قوة مضاهية، ولا يمكن وصف السياسة الاوروبية بانها متمردة لان اوروبا الموحدة حريصة على ان لا تصطدم بامريكا، وان لا تكون خلافاتها معها مصدرا للتوتر والاشتباك. ـ فشلت ادارة بوش حتى الان في تحقيق أي نجاح سياسي في الشرق الاوسط رغم جولات وزير الخارجية الامريكي ومدير المخابرات وغيرهما، ما هي السيناريوهات الممكنة لآثار هذا الفشل وتغيير السياسة الامريكية تجاه المنطقة؟ ـ بشارة: التدخلات الامريكية لم تكن لصالح الفلسطينيين ولا لصالح العرب ومن الصعب ان يحزن لفشل السياسات الامريكية، ففشل السياسات الامريكية في نهاية المطاف فشل لاسرائيل هذا بالمنظور الاستراتيجي، اما بالمنظور المحلي قد يؤدي الفشل الامريكي على المدى القريب الى انفجار هنا وانفجار هناك، فالسياسة الامريكية هي السند الاساسي لاسرائيل ولسياساتها ولحكوماتها المتعاقبة، فالذي يجب ان يستنتج الاستنتاجات من فضل السياسة هو امريكا، التي يجب ان تعيد النظر في سياساتها في عهد الجمهوريين الذين يعاملون مصالحهم بالشرق الاوسط من منظور براجماتي اقل ايديولوجية من الادارة السابقة، وهذا يعتمد على قدرة وقوة الادارة داخليا، بالاضافة الى مدى قدرة العرب على التأثير على «قرارات الادارة الامريكية فيما يتعلق في منطقة الشرق الاوسط». ـ البرغوثي: سبب الفشل الامريكي يعود للانحياز الامريكي الكامل لاسرائيل وعدم وجود سياسة متوازنة او محايدة، الامر الذي تجلى بشكل صارخ في الموقف الامريكي بفرض فيتو في مجلس الامن على ارسال مراقبين دوليين «لفلسطين» ولذلك مطلوب ايجاد اطار دولي متوازن، وايجاد مراقبين دوليين في الاراضي الفلسطينية المحتلة لمراقبة ما يجري على الارض ويساعد في الكشف عن طبيعة الجرائم الاسرائيلية الجارية في فلسطين، ومطلوب ايجاد رقابة دولية شعبية، وهناك تحول في مواقف بعض الدول الاوروبية بخصوص الرقابة، وعبرت عنه فرنسا وبلجيكا، لمعالجة الوضع الناشيء في فلسطين، وامريكا تمنع مشاركة الاخرين في التدخل لدرجة انها تمنع الهيئات الدولية، فالمشكلة الجوهرية ان الولايات المتحدة لا تشعر بضغط عربي ليوازن الضغط الذي يقوم به اللوبي الاسرائيلي، من خلال ربط مصالحها الاستراتيجية بامريكا، والولايات المتحدة تبدي حساسية خاصة تجاه الاستقرار في الشرق الاوسط، وتخشى من تأثير الصراع الفلسطيني الاسرائيلي على ما يجري في المنطقة العربية، وينعكس ذلك بصورة سلبية على الوضع في مجمل المنطقة، فالدول العربية لديها الكثير ما تفعله، لان الولايات المتحدة تفهم ان مصالحها الاستراتيجية في المنطقة مرتبطة بتلبية حقوق الشعب الفلسطيني، وعندما تدرك امريكا ان مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية مرتبطة بتلبية حقوق الشعب الفلسطيني فان هذا سيكون من العوامل التي قد تساعد على تعديل الموقف الامريكي، ومطلوب ان يكون هناك جهد عربي فعال في الولايات المتحدة الامريكية نفسها والاستفادة من الوجود العربي والاسلامي وتشكيل قوة ضاغطة فاعلة ومؤثرة، ولكن المشكلة ان السياسة العربية الرسمية تعتقد ان التأثير في الولايات المتحدة يتم فقط من خلال مكتب الرئيس او مكاتب المسئولين الكبار هذا غير صحيح ففي بلد كالولايات المتحدة مجموعات الضغط لها تأثير هائل، والقوة العربية تتمثل بوجود ستة ملايين مسلم واكثر من ثلاثة ملايين عربي واصبحوا يشكلوا قوة انتخابية ضاغطة، فاذا تم تنظيمهم بشكل فعال ربما يتركون تأثير فعالا وقويا لمناصرة القضية الفلسطينية وكافة القضايا العربية. ـ رأفت: السيناريو كله يعتمد على تواصل الانتفاضة والمقاومة الشعبية، والصمود الفلسطيني واجهاض الضغوط الامريكية والاسرائيلية، وعلى القيادة الفلسطينية رفض الخضوع للاملاءات والشروط الاسرائيلية وان يزداد التحرك العربي الرسمي لدعم الموقف الفلسطيني، ويزداد التحرك الشعبي العربي والضغط على المصالح الامريكية في المنطقة، وان يكون هناك تحرك عربي فلسطيني على الصعيد الدولي والامم المتحدة لممارسة الضغوط على الادارة الامريكية للتراجع عن سياستها الراهنة المنحازة لحكومة شارون كل هذه العوامل في حال مواصلتها ستفرض على الادارة الامريكية ان تنتهج سياسة مغايرة للسياسة الراهنة التي تتمثل بالانحياز الكامل لحكومة شارون، عندما تطلق يد شارون لتحديد متى يبدأ وقف اطلاق النار، فاطلاق النار لم يتوقف دقيقة واحدة منذ ان اعلن شاون عن بدعته لوقف اطلاق النار، وامريكا تسمح للجيش الاسرائيل ان يعربد في الاراضي الفلسطينية وكذلك المستوطنين. ـ بركة.. بوش اعلن قبل انتخابه وبعد انتخابه انه لن يضع الشرق الاوسط في رأس اولوياته، لذلك لا يعتبر بوش ان دوره فشل في الشرق الاوسط، بوش في نهاية الامر يقيم الموقف في الشرق الاوسط بناء على المدى الذي يهدد به هذا الوضع في الشرق الاوسط «يهدد المصالح الامريكية» وبمدى ما تشعر الولايات المتحدة الامريكية بان مصالحها مهددة في الشرق الاوسط وعندما تشعر ان الانظمة العربية والشعوب العربية غير قادرة على مواصلة التسليم بالموقف احادي الجانب الى جانب اسرائيل، فان هذا سيكون عنصر ضغط على الولايات المتحدة الامريكية، اما في هذا الجو شبه الرومانسي بين الدول العربية والولايات المتحدة وبوش لن يشعر بالقلق الخاص مما يحدث، وبوش يخطيء كثيرا وعليه ان يشعر بالقلق، لان هنالك تحركا وتذمرا على صعيد الانظمة، وهناك تذمر عربي على صعيد الشعوب، هناك انتقادات عربية للسياسة الامريكية، لان اسرائيل قد تجر المنطقة الى حرب وعلى الولايات المتحدة الامريكية ان تقوم بدورها، والموقف الامريكي غير متوازن، وزعماء العرب يشعرون بان هناك حركة تتفاعل في داخل الشعوب العربية بشكل قد يهدد استقرار المنطقة، وبالتالي سيهدد المصالح الامريكية في المنطقة، وعندما يشعر بوش ان مصالح امريكا مهددة في المنطقة عليه يكون التحرك الامريكي اوسع. ـ الرنتيسي: السبب في فشل السياسة الامريكية في المنطقة هو ان امريكا تتعامل مع منطقة الشرق الاوسط والدول العربية خاصة، من منطلق ان الدول العربية لا يوجد لها خيارات اخرى الا الاذعان للسيادة الامريكية، فامريكا على مدى عقود طويلة جردت الدول العربية من استقلالية القرار العربي، وامريكا تتعامل مع العدو الصهيوني «كالطفل المدلل» حتى ولو خرجت ما تسمى باسرائيل عن الشرعية الدولية، ورفضت تطبيق قرارات الامم المتحدة في كثير من الامور الخاصة في القضية الفلسطينية وبالذات منها القرارين 242 و338، والعديد من القرارات التي ترفضها اسرائيل، ونجد ان امريكا تقف بجانب اسرائيل في مواصلة عدوانها وارهابها للشعب الفلسطيني، وهذا يعزز الشعور في المنطقة العربية بان امريكا مرفوضة لدى الشعوب، وعلى الدول العربية اذن ان تتسلح بارادة الشعوب العربية لانها ترفض الهيمنة الامريكية، والشعوب العربية تريد ان يكون القرار العربي قرارا مستقلا، هناك خوف من قبل الانظمة العربية من بطش امريكي، لكن في حال تسلح الانظمة العربية بشعوبها، خاصة ان ارادة الشعوب لا تقهر، فستجد امريكا من يكبح جماحها في المنطقة، ويقول لا لسياستها المنحازة تماما لجانب العدو الصهيوني، فأي متتبع في الشارع العربي للسياسة الامريكية، يعتبر امريكا شريكا واضحا للعدو الصهيوني فيما يقوم به من جرائم ضد الشعب الفلسطيني، خاصة ان العدو الصهيوني يستخدم الالة العسكرية الامريكية التي لم تزل تقدم له المزيد. ـ عبد الكريم: السياسة الامريكية لم تنجح في دفع عملية السلام في الشرق الاوسط نحو الهدف المعلن «التسوية السياسية» بين الفلسطينيين والعرب والاسرائيليين، بسبب الانحياز الامريكي لاسرائيل وصون التفوق الاسرائيلي على العرب كان احد اولويات الاستراتيجية الامريكية وغلبت سياستها على التسوية السياسية في المنطقة، وهذا يحجب قدرة امريكا على لعب دور وسيط في عملية التسوية، فالسيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات ابرزها تنامي التوتر الاقليمي الناجم عن تصاعد الميول العدوانية الاسرائيلية المغطاة امريكيا، المقاومة الفلسطينية والعربية لهذه الميول العدوانية، الانتفاضة وهي احد مداخل السيناريوهات ترجيحا بمعنى تصاعد التوتر الاقليمي ويتأكد ذلك على ضوء ما يحدث الان على الجبهتين اللبنانية والسورية وتنامي التوتر الناجم عن الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة. والحكومات العربية غير معنية بافشال السياسات الامريكية في المنطقة بسبب ان الحكومات العربية تعتبر نفسها حليفا للولايات المتحدة، ومن الضروري مطالبة العواصم العربية بان تمارس دورها في الضغط على مركز القرار الامريكي من اجل تقليص او انهاء الانحياز الامريكي لاسرائيل، وهذا ممكن اذا ما تم استخدام الدول العربية علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع امريكا «النفط والطاقة» كعنصر ضغط لوضع الادارة الامريكية امام اتجاهين حاسمين، الاستمرار في الدعم الامريكي غير المحدود لاسرائيل والمغامرة بالمصالح الامريكية في المنطقة او النيل منها، وبين اتخاذ موقف اكثر توازنا واكثر حرصا على الشرعية الدولية الامر الذي يحفظ للولايات المتحدة مصالحها، هذا يمكن العواصم العربية ان تقدم عليه دون ان ندفعها للتخلي عن جلدها وعن موقفها الجوهري تجاه امريكا. رام الله ـ عبدالرحيم الريماوي وعبير محمد: