بعد ان عاد جورج بوش الابن إلى تشخيص العدو الجديد الذي لن يسمح له بتشكيل توازن الرعب من مخابئه، احتفلت إسرائيل واحتفل معها المسئولون الاتراك والروس وغيرهم ممن يصعب تعاملهم الإرهابي مع «مشكلة الارهاب» في بلادهم عملية قبولهم في «العالم المتحضر» الذي يسعون للانتماء اليه. لم تخف إسرائيل سعادتها من ان امريكا سوف تقتنع اخيراً ان قضية العالم الاساسية هي الارهاب، وليس الاوضاع التي تؤدي اليه، ووصلت سعادتها حد النشوة عندما تأكدت ان اوروبا سوف تضطر للانضمام إلى «المعسكر العالمي المعادي للإرهاب» في حركة عالمية واحدة مع إسرائيل وروسيا وتركيا، وان الأنظمة العربية سوف تضطر إلى الانضمام إلى هذا المعسكر كما اضطرت في حينه للانضمام إلى «الائتلاف الدولي» ضد العراق. ويكاد المرء يشفق على الانظمة العربية الصديقة لأمريكا التي لا يعيرها الغرب اهتماماً عندما يوجه نفس «الإرهاب» ضدها.. فهي تناشد الولايات المتحدة وبريطانيا التي تجول فيها ابن لادن بحرية حتى يوم غير بعيد ألا تمنح ملجأ سياسياً لاعدائها، دون ان تجد آذاناً صاغية لدى الديمقراطيات الغربية . ولكن عندما تصاب الديمقراطيات الغربية في عقر دارها تأمر هذه الأنظمة إلى بيت الطاعة وتبدو اداناتها كدفاع عن النفس امام الرأي العام الأمريكي، وتستدعي استدعاء للانضمام إلى «التحالف العالمي ضد الإرهاب». فيذهب المغلوبون على أمرهم ولسان حالهم يقول: «ولكن من الذي اقام ودعم النظام القائم في افغانستان؟ «ولماذا اصبح الإرهاب عدواً عالمياً واحداً في عصر القطب الواحد، بعد ان كان السؤال ارهاب نعم، ولكن لصالح من؟ لصالح الاتحاد السوفييتي ام لصالح أمريكا»؟ وقد يخير «الائتلاف الدولي ضد الإرهاب» عضوية إسرائيل كدولة عظمى في هذا السياق السلطة الفلسطينية بين الانضمام إلى احد المعسكرين ـ كما سعى شيمون بيريز ان يفعل في شرم الشيخ عام 1996. ولا يوجد دول عدم انحياز في هذا الصراع. هذا ما يفسر السعادة الإسرائيلية الغامرة والتي لم تخفيها دموع التماسيح والشموع التي تضاء امام الكاميرات على روح الضحايا. سارع المواطنون الامريكيون من مختلف الثقافات والاصول والألوان للتبرع بالدم ليس فقط في محاولة للمساهمة في الدراما الانسانية الجارية على شاشات تلفزيوناتهم، وانما أيضاً للتأكيد والتأكد ان لون الدم الواحد يختزل الفروق بين ألوانهم كأبناء أمة افريقية واحدة. ولكن التبرع بالدم في إسرائيل هو تأكيد على ان إسرائيل وامريكا ضحيتان لنفس العدو. اذا ما قام «التحالف الدولي ضد الإرهاب» فسيكون هذا التحالف هو النتيجة الكارثية الثانية للعملية الكارثية في نيويورك وواشنطن بعد الضحايا. فلابد ان يقوي هذا التحالف في المدى المنظور على الاقل موقف إسرائيل وموقعها الدولي، وسوف يحرر ايديها كما شهدت جنين في الايام الاولى التي تلت العملية، اكثر حتى من السابق، بحجة مكافحة الإرهاب.. وقد باتت هذه الحجة مكوناً اساسياً في العلاقات الدولية الجديدة التي ستحاول الولايات المتحدة تنظيمها. ولكن الكارثة الثالثة قادمة، لاشك في ذلك، فاذا اختارت الولايات المتحدة بجدية استراتيجية «مكافحة الإرهاب» الإسرائيلية على المدى البعيد، واذا لم تكتف به كرد فعل أولي تحكمه التداعيات، فلابد ان تنتج هذه الاستراتيجية المدمرة ردود فعل ارهابية مستمرة ضدها وضد أوروبا على اراضيها وفي الخارج، فمكافحة الإرهاب لا تنتج الا إرهاباً. الإرهاب هو مجموعة عوارض لحالات عديدة من انعدام العدل والفقر والاحتلال والاضطهاد بأشكاله المختلفة. وهو تمرد معولم على حداثة معولمة ادارت ظهرها لشعوب بكاملها. انه سلاح الضعيف الذي لم يمسك بتلابيب الحداثة والتقدم والتطور، وتمرد على عقلانيتها بالمس مباشرة بالبنية التحتية اللاعقلانية للعقلانية، ببنية القوة، انه لا يستطيع ان يخاطبها ويحاورها عبر عقلانيتها من موقع الندية، ليس فقط لأنه لا يستطيع بأدواته السياسية والثقافية والحضارية القائمة التأثير على عملية صنع القرار فيها، بل لانه بات مقتنعاً من التجربة، ان البنية التحتية للعقلانية الغربية هي بنية المصالح الاقتصادية والقوة التنظيمية الإدارية ومؤسساتها، وهي صاحبة الحجة الاقوى. ولذلك تنتشر في اوساط الضعفاء مقولة «المس بالمصالح الامريكية او الغربية». ولكن الضعيف سوف يكتشف بعد عملية نيويورك الدراماتيكية التاريخية ذات الابعاد الكارثية، انه بهذا المنطق الانتحاري لا يمس «بالمصالح الأمريكية» بل برموزها فحسب، وليس صدفة ان توجه الضربة إلى رموز القوة والسطوة الامريكية: مركز التجارة العالمي والبنتاجون، وليس صدفة ايضاً الا تمس هذه الضربة لرموز المصالح بالمصالح ذاتها، بل بآلاف المواطنين الابرياء فقط. فليست المصالح بناية أو اثنتين ولا هي مجموعة مكاتب للشركات الكبرى التي تضررت فعلاً وتضرر بعض اصحابها انفسهم جسدياً، وانما المصالح في نظام عات كالنظام الاقتصادي والسياسي الأمريكي هي مجموعة حسابات «عقلانية» للعوامل اللازمة لاعادة انتاج هذا النظام والحفاظ على بقائه على المستويين العالمي والمحلي. وان عملية المس بالمصالح لا يمكن ان تتم دون اقناع صناع القرار باعادة وتغيير حساباتهم، وهذا لا يتم بالحوار العقلاني معهم ولا بالعمليات الانتحارية، وانما بالتأثير عبر مجموعة قوى ومؤسسات يتألف منها النظام الأمريكي. ولابد ان يستند التأثير إلى القوة كما يستند إلى القدرة على ترجمة هذه القوة إلى لغة سياسية مفهومة. الرد على «التحالف ضد الإرهاب» سوف يكتشف العرب والمسلمون في الولايات المتحدة ان مسلك القطيع الباحث عن الانتقام والذي يعمم «التهمة» على ابناء القومية الواحدة او الدين الواحد أو المظهر الخارجي الواحد ليس حكراً على الدول والمجتمعات المتخلفة التي خلفوها وراءهم، وان هذا المسلك قائم في أمريكا وفي أوروبا، اما في إسرائيل فحدث عن العنصرية، ولا حرج، وسوف يضطر المواطنون العرب في أمريكا «كما في إسرائيل» إلى البحث عن حلفاء ضد العنصرية، وإلى الدخول في حوار مع المجتمع الأمريكي، وإلى الدفاع عن الديمقراطية وقيمها أمام الرعاع الذين يعتدون عليهم وعلى ممتلكاتهم، وحتى الجمعيات الإسلامية سوف تلجأ إلى التأكيد على قيم التعددية والتسامح وحرية التعبير عن الرأي وحرية التنظيم مستندة إلى فهم المجتمع الأمريكي لذاته كما هو منصوص دستورياً. انهم سيضطرون إلى اخذ الديمقراطية الأمريكية بجدية امام الهجمة. وسوف يؤكدون انهم امريكيون، كما أكد اليابانيون الأمريكيون في حينه عندما زجوا في معسكرات اعتقال أمريكية أثناء الحرب العالمية الثانية. وهو أمر لن يتكرر بالطبع.. ولكن النمط الذي سيتكرر هو الرغبة بالانتماء إلى نمط الحياة الديمقراطية امام هجوم الرعاع عليهم لمجرد انهم عرب، وامام التنميط والآراء المسبقة، وقد يرافقه التأكيد على الهوية العربية رغم كل شيء. ولكن ماذا تفعل شعوبنا، ازاء هجمة الرعاع الدولي وحلفائه المحليين عليها تحت شعار مكافحة الإرهاب؟ فنحن لا نستطيع التأكيد على الانتماء لا إلى ديمقراطية محلية ولا عالمية. لم تكن الشعوب العربية في الماضي القريب، الذي يبدو اليوم سحيقاً، معادية لأمريكا، اذ لم يكن لامريكا ماض استعماري في المنطقة. وبالعكس تأثر مثقفو وسياسيو مرحلة العداء للاستعمار بالولايات المتحدة وقيمها. واعتقد حتى بعض الانقلابيين العسكريين مثل الضباط الأحرار في مصر بامكانية التحالف أو التلاقي مع أمريكا ضد بريطانيا وفرنسا في مرحلة تصفية الاستعمار التقليدي. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية حازت بجدارة على العداء العربي لها من المحيط إلى الخليج، لأنها ورثت المصالح الاستعمارية في المنطقة، ولأنها ثبتت حلفاءها في الحكم بالدوس على كل القيم التي تدعي تمثيلها في ما يسمى «بنمط الحياة الأمريكي»، ولأنها غيرت تحالفاتها حسب مصلحتها الآنية، ولأنها دعمت إسرائيل في صراعها مع العرب وفي نفيها الكامل لوجود الشعب الفلسطيني بدون قيد أو شرط وبتبنٍ شبه كامل للاهوت السياسي الإسرائيلي الغيبي. و«مكافحة الإرهاب» سوف تعمق هذا العداء فقط ـ بالامكان شرح هذا الكلام. ولابد من شرحه «مكافحة الإرهاب» تعني تهميش حالة الظلم التي يعيشها الشعب العراقي والشعب الفلسطيني، وتعني تهميش الاستغلال والظلم بنظر العالم. لقد ثبت أنه لا يمكن للولايات المتحدة ان تبقى آمنة امام انعدام الأمن لشعوب العالم. والحل هو ليس زيادة انعدام الأمن في بقاع العالم التي همشتها عملية العولمة. يعرف الأمريكيون تمام المعرفة أن الكاميكازا لا تنتهي هذه المرة بهزيمة دولة، ولا يمكن محاصرة «العدو الجديد» عسكرياً، والقنابل النووية لا تجدي هنا نفعاً، فالتعاسة العالمية متشظية تفتقر إلى العنوان الجغرافي أو السياسي، ولا يمكن معالجتها الا بمخاطبة اسباب التعاسة. ولكي نستطيع مخاطبة الشعب الأمريكي والشعوب الأوروبية بهذا الكلام يجدر بنا الا نعاديها ونعادي ثقافتها بعد ان نقوم نحن بتنميطها ونشر الآراء المسبقة عنها. لا نستطيع مخاطبة الحداثة بخطاب ردة الفعل عليها، أو نفيها، أو بخطاب ما قبل الحداثة. لم يحتفل العرب ولا الفلسطينيون بمأساة المواطنين الامريكيين، ولكن المسلك الاحتفالي لدى اقلية صغيرة من الفلسطينيين التلفزيونيين، تحول إلى فيديو كليب رائج في كافة محطات البث الغربية. لماذا؟ لأنهم لا يريدوننا ان نصل إلى حالة حوار مع الشعب الأمريكي والشعوب الأوروبية. ونحن نوفر لهم الأدوات لذلك لأن لدينا من يتصرف دون رادع كما يتصرف سائبة العنصريين الذين يهاجمون العرب لأنهم عرب في الولايات المتحدة. ولا احد يجرؤ على ردع حالة تخلف ثأرية انتقامية تفرح لسقوط مدنيين من دول تعادينا، خوفاً من المزاودة الغوغائية المتخلفة. ومجتمعاتنا لم تبدأ بعد الحساب السياسي والاخلاقي مع تحول الثقافة السياسية الانتقامية ثقافة الكاميكازا الجديدة، إلى ايديولوجيا، لا تفرز استراتيجية تحرير، ولا ينجم عنها تيار معارضة اصلاحي أو انقلابي يغير احوال شعوبنا وبلداننا. لم تعد القضية قضية انعدام مخارج سياسية لدى شعب تحت الاحتلال يناضل بكل الوسائل بما فيها الموت ضد المحتلين، بل اصبحت ايديولوجيا لا تطرح بديلاً لا على الصعيد العالمي ولا على الصعيد المحلي. لا يوجد مجال لمقارنة هذه الايديولوجيا بالمقاومة المشروعة ضد الاحتلال، لم توصل العملية الانتحارية المجتمع الأمريكي للتفكير بأسبابها، والاوضاع التي أدت اليها، وربما وفي أفضل الحالات يبدأ حوار أمريكي داخلي بعد اشهر طويلة حول سياسات أمريكا الخارجية التي ادت إلى انتقال العنف السياسي إلى اراضيها.. ولكن عند ذلك سيقوم معلقون وخبراء امريكان بشرح ونص اوضاعنا، ولن تكون هذه لغتنا ولا نصنا. يطالبنا «التحالف الدولي ضد الإرهاب» بادانة العملية فوراً ودون تأخير، وليس بمعارضتها سياسياً واخلاقياً. فالمعارضة تؤدي إلى تفصيل الحجج والأسباب وإلى التكلم بلغتنا السياسية وإلى طرح نصنا. أما الادانة الفورية والمباشرة بمثول زعماء العالم الواحد تلو الآخر لتنفيذ هذا الواجب، فهو تدليل على موقف ازاء توازن الرعب الجديد، انه اجابة عن سؤال، لأي معسكر تنتمي؟ دون ان يكون لديك نص، أو تصور أو برنامج عن شكل العالم الاكثر عدالة. هكذا ينقسم النظام الدولي بين «التحالف المعادي للإرهاب» والمنضمين اليه خوفاً وبين من يستخدمون الرؤوس لمناطحته، لا لمعارضته، ولا لتغيير واقعهم التعيس.