التطبيع مع اسرائيل يأخذ مدى وبعداً يتجاوزان الحاضر الى المستقبل وتتعلق به امتدادات ومقومات الشخصية والهوية، وهو عنوان مهم ما زال يؤجج الشارع العربي الرافض له. وكانت مقاومة التطبيع تلقى في الدول العربية التي أقامت علاقات مع اسرائيل مواجهة حادة مع الحكومات بعضها يذهب الى حظر مقاومة التطبيع وبعضها يكتفي بالتحذير. وعلى ذلك نشطت اللجان الشعبية لمقاومة التطبيع في كل مكان معدة دراسات وملقية الضوء على آثار وأبعاد التطبيع مع اسرائيل لتكشف ما خفي على العقل البسيط للشارع العربي. وفي رام الله نظمت اللجنة الشعبية لمقاومة التطبيع أحد هذه المؤتمرات تحت عنوان «مقاومة التطبيع تعزيز للهوية الوطنية وركيزة أساسية لدحر الاحتلال»، خصص لعرض أوراق عمل وآراء الباحثين والمحللين السياسيين العرب حول التطبيع الأمني والسياسي. وفي منتدانا هذا نعرض لهذه الآراء التي قدمها الدكتور عبدالستار قاسم من جامعة النجاح وهو محلل سياسي فلسطيني، الدكتور جورج قرزم وهو مختص بالتطبيع الاقتصادي والاقتصاد المقاوم، الدكتور محمد كناعنة من جامعة بيرزيت وهو يتحدث عن خصوصية مقاومة التطبيع داخل الخط الأخضر لعام 1948، وأخيراً الباحث الفلسطيني سعيد يقين وهو يتحدث عن التطبيع الثقافي. في البداية كان الحديث للدكتور عبدالستار قاسم والذي اختص بالتطبيع الأمني والسياسي وكان السؤال هو: ـ ما هو التطبيع السياسي؟ ـ د. عبدالستار قاسم: تطبيع العلاقات مع اسرائيل لاينطوي على مجرد إقامة علاقات اعتيادية معها كما هي العلاقات الاعتيادية بين دول العالم غير المتنازعة، وانما يدخل في عمق الذات العربية والاسلامية وله انعكاسات ذاتية وجماعية ذات صبغة حضارية وتاريخية، انه ليس تطبيعاً بمعنى اقامة علاقات لم تكن موجودة أصلاً كإقامة علاقة بين مصر ونيبال أو بين دول الجزيرة العربية وبيرو، وانما بمعنى مراجعة تاريخ طويل وإعادة النظر في أبعاد تاريخية وحضارية ودينية، وهو لا ينطوي على مجرد مصالح متبادلة أو مشتركة تعود بمنافع مادية على طرفين، وانما يشمل الوعي بالذات والقراءة العربية للتاريخ والهوية والأصول. التطبيع مع الكيان الصهيوني غير ذي بعد حاضري آني يخلو من الامتدادات النفسية ومقومات الشخصية والهوية، ولا هو مجرد شعار مرحلي بهدف تخطي مرحلة العجز العربي حتى تنفرج الأمور وتتغير الأحوال، وانما يتغلغل في وعي الانسان بعجزه لتجذيره كحقيقة لا يمكن تجاوزها أو التغلب عليها، وكأنه يخاطب العقل العربي والنفسية العربية قائلا ان العجز قد أحاط بالعرب وهو واقع بل قدر لا مفر منه وانه لا مجال أمامهم سوى الاستسلام له، وتوريثه لأبنائهم ليصبح مكونا تربويا لا تتمرد عليه الأجيال، انه الترجمة العملية لترسيخ الهزيمة في النفس العربية بما يتضمنه ذلك من شروط القبول غير المتردد بالهزيمة، بعبارة أخرى، انه استدخال للهزيمة بحيث لا تشعر النفس بارتياح في أجواء غير أجواء الهزائم والاندحارات. التطبيع بالنسبة لاسرائيل لايعني مجرد إقامة علاقات تجارية أو مفوضيات أو سفارات، وانما من المفروض أن يشمل مراجعة لمفاهيم الصراع ولفهم التاريخ والأسس الدينية، الخ، أي يجب ان يكون عملية قلب جذرية للنظرة العربية والاسلامية تجاه اسرائيل واليهود بحيث ينشأ عربي مسلم جديد بمفاهيم جديدة تنسف كل ما سبق بخلفياته وحيثياته، وإن لم يكن التطبيع كذلك فإن جذور بروز الصراع من جديد تبقى كامنة حتى يحين وقت انبثاقها، فإذا كان للصراع أن يدفن نهائياً فإنه لابد من نسف الأصول والمنابت وأسس تشكيل الشخصية العربية الإسلامية، وعليه فإن التطبيع يجب أن يكون منهاجاً حياتياً جديداً ومبرمجاً بطريقة مؤثرة تخلق قيماً تربوية وأخلاقية جديدة متناسبة مع المرحلة وتشكل أساس المستقبل. ـ ما هي آلية الوصول الى التطبيع؟ ـ د. قاسم: ضمن هذا الاطار العام رأت اسرائيل ان الضمان الأهم لاستمرار وجودها هو أن تكون مقبولة من قبل العرب والمسلمين كجزء لا يتجزأ من المنطقة وأن يتم التعامل معها كدولة لها الحق في الوجود والعيش بسلام وفي علاقات اعتيادية مع الآخرين كأي دولة أخرى في المنطقة. ولهذا عملت اسرائيل منذ قيامها نحو البحث عن وسائل انفراج مع العرب وإقامة علاقات غير عدائية بل واعتيادية معهم، وقد تركز جهدها على الشارع العربي، على الانسان العربي العادي لأنه هو الباقي وليس الحاكم، رأت اسرائيل ان قبولها كدولة في المنطقة من قبل القادة والحكام والزعماء العرب لايكفي كضمان لاستمرارها بسبب عدم استقرار الحكم في الوطن العربي وعدم قدرة القيادات على تحقيق استمرارية بدون قوة المخابرات والبنادق والسجون، القبول من قبل هؤلاء يتهاوى مع تهاوي زعاماتهم وحكوماتهم، ومن السهل أن ينقلب القبول الى رفض إن لم يكن الشعب قد سار في ركب القبول. وحتى تكون اسرائيل مقبولة كجزء لا يتجزأ من المنطقة ومعترفاً بها هكذا فإنه لابد من توفر القبول الشعبي بها، لم يكن الأمر سهلاً ولابد من تحقيق اختراقات تجعل الاحتكاك بينها وبين مختلف فئات الشعب العربي ممكناً، وفي ظل العداء الواسع لاسرائيل في الوطن العربي لم تكن وسائل الاقناع العادية متوفرة ولم يكن أمامها سوى وسائل العنف والتدمير، وهي بذلك كانت بحاجة الى أمرين: قادة لا يتمتعون بغيرة على أمتهم وشعوبهم ومن الممكن تسييرهم وهزائم عسكرية تلحق بالعرب تؤدي الى احباطات متراكمة وترسخ فكرة الاستسلام، هذا بالتحديد ما دفع رئيس وزراء اسرائيل الأسبق بن جوريون في التفكير في دفع رشوة مالية كبيرة لأي زعيم عربي مجاور حتى يشن حرباً على اسرائيل فيُهزم فتستوعب الجماهير الدرس وتقرر ألا فائدة من البحث عن أسباب القوة لمحاربة اسرائيل. لم تكن أمام اسرائيل مشكلة كبيرة في ايجاد بعض الرجال المناسبين من خلال عدة وسائل تتمثل أولها في أن الاستعمار لم يغادر المنطقة دون أن ينصب بعض الموالين للدول الغربية على حساب المصالح العربية مثل بعض العائلات المارونية في لبنان. لقد أوصلنا بعض الحكام الى تلك النقطة التي وصلوا اليها منذ زمن بعيد ولم يكونوا قادرين على البوح بها وتبنيها علناً وهي نقطة الصلح مع اسرائيل أو قبولها، قال هؤلاء القادة نعم للتفاوض وللاعتراف المتبادل وخرج الناس خاصة في فلسطين المحتلة «67» الى الشوارع يهتفون ويرقصون احتفالاً بالانتصار الذي حققوه في مدريد وبعد ذلك في أوسلو، لقد عمل اليأس مفعوله في نفوس وعقول الناس الى درجة أنهم رقصوا لما وصفوه عبر سنين على أنه خيانة ومحرمات لايمكن الإقدام عليها. المعنى ان اسرائيل اعتمدت على آليتين في بث اليأس والاحباط وهما صنع نظم وحكومات عربية قابلة للهزيمة وآلية عسكرية خاصة بها تهيمن بها على المنطقة، وبدورهم اعتمد هؤلاء على آليتين وهما التمشي اللفظي مع تطلعات الجماهير وتأهيلها للتفتت والهزائم من خلال سياساتهم الداخلية والخارجية، تكامل الدور الاسرائيلي مع الدور القيادي العربي وانتهت الأوضاع الى حيث أرادت اسرائيل وهو الجلوس على طاولة المفاوضات لصنع سلام معها يقوم على الاعتراف المتبادل وفتح الأبواب أمام العلاقات الاعتيادية. البوابة الرئيسية للتطبيع ويضيف الدكتور قاسم: يتحدث العديد من الخبراء والمختصين والمهتمين، عن التطبيع مع اسرائيل مركزين على السمات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية مستثنين في كثير من الأحيان التطبيع السياسي على الرغم من انه الأكثر أهمية وهو البوابة الرئيسية التي تدخل من خلالها كل أنواع التطبيع، انه يشكل التأشيرة الرسمية أو الإذن المسبق لاقامة مختلف أنواع العلاقات لأنه ممارسة سياسية على المستويات الرسمية العليا والتي يقوم بها الحاكم أو المسئول الأول والحكومة وأعضاؤها والأجهزة الأمنية وغيرها، انه الممارسة الرسمية التي يقوم عليها النظام علناً ويحميها ويدفع باتجاهها ويجند القوى الممكنة في سبيل حمايتها واستمرارها. ويبدو ان الناس يقفزون في تحليلاتهم عن هذا النوع من التطبيع ليس لأنهم لايرونه تطبيعا وانما لأنهم يخشون السلطات ويخافون من توجيه الانتقادات ضده ويفضلون البقاء خارج السجن أو خارج دائرة انتقام السلطة، والحقيقة تبقى قائمة واضحة أمام الجميع وهي ان القيادة السياسية العربية هي التي فتحت أبواب العلاقات مع اسرائيل وهي الحريصة على تطويرها وانتشارها لتشمل مختلف البلدان العربية. لم يكن من الممكن أن يصافح مسئول عربي مسئولاً صهيونياً قبل أن يقوم القائد بفعل ذلك، ولم تمتد المصافحة الى طاولة المفاوضات الا بعد ان إذن الحاكم بذلك، فتح الحاكم أو القائد باب المصافحة والجلوس معاً على الطاولة وتبادل الأحاديث السياسية ثم تطورت الأمور إلى أحاديث عامة وتبادل ابتسامات ونكات وضحكات وتجوال معاً في حدائق أو ردهات الفنادق، إلخ، ثم تطورت الأمور إلى اتفاقات واعترافات متبادلة وتبادل علاقات واتصالات مكثفة وهكذا، ثم تعاون أمني وملاحقة المعارضين وزجهم بالسجن، وهكذا. المفاوضون هم أكثر الناس تطبيعاً مع العدو على الرغم من انهم يتحدثون أحياناً ضد التطبيع، انهم يشجعون الناس على الاحتذاء بهم والقيام بالنشاطات المنسجمة مع الاتفاقات مع اسرائيل، ومع الصلح معها والاعتراف بحقوقها، هذا أمر راسخ أصلاً في المهمة التفاوضية التي تعني المصالحة والقبول بالآخر، مفاوضات العرب مع اسرائيل ليست مفاوضات القوي مع الضعيف أو الند للند وانما مفاوضات الضعيف مع القوى والذي لابد أن يقبل بالشروط التي تفرضها معادلة القوة، أي ان العرب لم يتوجهوا الى طاولة المفاوضات بهدف انتزاع الحقوق الوطنية العربية وانما بهدف المصالحة والتنازل أو بهدف الحصول على ما يمكن أن تقدمه اسرائيل، لقد قامت المفاوضات على مبدأ الاعتراف باسرائيل ولاقامة سلام معها، وهذا لن يتم بدون التنازل عن بعض الحقوق وبدون نية مسبقة لتطبيع العلاقات معها، ولهذا لايمكن إلا أن نضع كثيراً من الحكام العرب والفلسطينيين على قائمة المطبعين الذين يفتحون أبواب التطبيع وتحقيق آمال اسرائيل وطموحاتها وأطماعها في إحداث ثغرات تدخل من خلالها الى ثروات ومقدرات الأمة. ـ ما هي المعالم البارزة في الآثار التي يتركها أصحاب التفاوض على الساحتين العربية والفلسطينية؟ ـ د. قاسم: مسئولية نشوب الصراع، فقد أصرت اسرائيل في دعايتها الاعلامية ومواقفها السياسية عبر سنين طويلة على تحميل العرب مسئولية نشوب الصراع في المنطقة واستمراره لفترة طويلة، فقد تمسكت بمقولة حقها التاريخي فيما تسميه أرض الميعاد وأرض اسرائيل التاريخية مستندة في ذلك على نقطتين: الوعد الالهي بتمليك الأرض لبني اسرائيل واقامة دولة يهودية في عهد الملكين داوود وسليمان، وقد وجدت المقولة في الغرب آذاناً صاغية لأسباب مختلفة ووجدت الدعم المتناسب مع الطموحات الصهيونية، وبما ان الله قد منح العبرانيين هذه الأرض فإنها تبقى عبر التاريخ ملكاً لورثة مملكة داوود حتى لو غابوا عنها السنين الكثيرة. بناء على هذه المقولة فإن المعتدي بداية هو من يتحدى الحق التاريخي، فمن يتحدى الحق يمارس العدوان ويكون البادئ في الحرب والصراع، فالعرب أخطأوا عندما أنكروا حق اسرائيل في الوجود على أرض فلسطين، عودتهم الى الأرض المقدسة عبارة عن حق إلهي لم يقبل به العرب فكانت النتيجة سفك الدماء والويلات والمعاناة، ولم يتوقف العرب عند مسألة التحدي للارادة الإلهية، بل تجاوزوها ليتحدوا الشرعية الدولية أيضاً، فاسرائيل تستند على تصريح بلفور والتأييد الذي واكبه في عصبة الأمم عام 1922م. واستمر العرب في موقفهم المعادي، على حد مقولة الصهيونية واسرائيل، ليشمل رفض قرار الأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين عام 1947، اكتسب حق اسرائيل في الوجود حينئذ شرعية دولية لم يقبل بها العرب، وشنوا بدلاً من ذلك حرباً على اسرائيل عشية الاعلان عن قيامها، قام العرب بذلك في الوقت الذي كانت الصهيونية واسرائيل فيما بعد تمدان يد السلام والتعاون، وفق مفهومها، على الرغم من هزيمة العرب عام 1948، الا انهم لم يقبلوا الهزيمة واستمروا في موقفهم المعادي لاسرائيل رافضين لحقها في الوجود وليد السلام الممدودة، فكانت حرب عام 1956 التي فجرها عبدالناصر، حسب الدعاية والمواقف الاسرائيلية، وذلك بتأميمه لقناة السويس التي من المفروض أن تكون ممراً مائياً آمناً مفتوحاً أمام جميع الدول، ثم تطورت أعمال الدعاية ضد اسرائيل بهدف اجتثاثها. هذا الموقف العربي ينسحب ايضا بالنسبة للفلسطينيين الذين ـ وفق الرؤية الصهيونية ـ صمموا على ان البلاد بلادهم وان اليهود عبارة عن غزاة آثمين فقد رفض الفلسطينيون كل الطروحات السلمية وتحدوا قرار التقسيم ـ كما ترى ـ فوقعوا في أحزان وآلام نتيجة غباء قياداتهم وتطرفها ورغبتها في العدوان على اليهود والنيل منهم، لم تعجبهم الطروحات المتعددة والكثيرة لتحقيق السلام فذاقوا المر والعذاب، وأضاع الفلسطينيون الفرص وأهدروا الطاقات، وكان من الممكن أن يكون طريقهم أسهل وأقصر فيما لو قالوا «نعم» للحلول التي طرحت عليهم من قبل اسرائيل. وتذهب الرؤية الصهيونية أبعد من ذلك فتقول: «لم يكتف العرب والفلسطينيون بالرفض وانما جندوا الطاقات والجيوش لمحاربتنا فجهزوا جيوشهم ورفعوا شعار تحرير فلسطين، وأقام الفلسطينيون التنظيمات لخوض حرب عصابات ضدنا، وكانت النتيجة هزائم متكررة للعرب وعلى الأخص في أعوام 1967، 1973، 1982، ومع كل الهزائم لم يصغ العرب لصوت العقل ولم يتريثوا في التفكير، بل أخذتهم العزة بالإثم، حتى أنهم حاربوا الرئيس السادات، فقد كان السادات حكيما وأدرك مصالح بلاده وكيفية تحقيقها، واكتشف الأخطاء التي وقعت فيها مصر عندما حاربت اسرائيل، فاستدرك الأمر وعقد اتفاقية صلح وخرج من دائرة الصراع، ذلك ما تراه اسرائيل ويراه المؤيدون لها وحلفاؤها. ويرى الاسرائيليون العرب بعد موافقتهم على المشروع الصهيوني وجلوسهم الى طاولة المفاوضات الثنائية والمباشرة مع اسرائيل، فقد اثبتوا انهم قد أيقنوا خطأهم، وهذا ما يردده العرب أنفسهم، فكثير من العرب خاصة المؤيدين للخطوات العربية تجاه اسرائيل يبررون مواقفهم على أن الرفض وتحدي الصهيونية والغرب لم يجديا نفعاً ولم يعد أمامهم إلا قول نعم، أو الموافقة على ما تطرحه اسرائيل والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وفي المقابل ثبتت اسرائيل على موقفها وانتزعت الاعتراف من العرب مع الموافقة على تطبيع العلاقات على مختلف الصعد. وهنا يتساءل الاسرائيليون من الذي يتحمل مسئولية سفك الدماء والدمار والأحزان؟ بالتأكيد هو الطرف الذي رفض أن يقبل في السابق ما قبل به الآن، وهو العرب، فحسب التحليل الاسرائيلي والصهيوني والغربي لو عقل العرب وفهموا واستوعبوا لما جرى ما جرى لهم ولتم اختصار سنين طويلة من الصراع واستغلالها فيما هو نافع للمنطقة وشعوبها، وهذا بالتالي يعني ان المعتدي ليس بآثم وانما يقع الإثم على المعتدى عليه، واثمه في انه اختار المقاومة، وعليه الآن أن يكفر عما جرى، والتفكير يشمل قلب كل المفاهيم السابقة نظرياً وعملياً واستدراك كل الأخطاء وصناعة بدائلها. قلب التاريخ وفق هذا المنظور الصهيوني نجد ان جملة حقائق مقلوبة مرتهنة بالعنصرية الصهيونية فمثلاً لقد قام رفض العرب للمشروع الصهيوني على عدد من الأسس والمعطيات على رأسها ان فلسطين أرض عربية إسلامية وهي ملك لأصحابها الشرعيين وهم الفلسطينيون، فهذه أرض مقدسة شرفها الرسول عليه الصلاة والسلام وحافظ العرب والمسلمون على قدسيتها عبر الزمن، ونزفت دماؤهم على أرضها دفاعاً عنها وعن الحق، والمشروع الصهيوني عبارة عن عدوان استعماري يقيم جسداً غريباً في قلب الوطن العربي، ويشكل سهماً استعمارياً متقدماً لضمان الهيمنة الاستعمارية الغربية على العرب والمسلمين، استغل الغرب ضعف العرب وطردوا الفلسطينيين ليحل محلهم يهود تم تهجيرهم اليها من مختلف بقاع الأرض. ثم ان «السلام» مع اسرائيل ينسف كل المعطيات التاريخية والدينية والسياسية التي استند عليها العرب في عزمهم على تحرير فلسطين، صحيح ان بعض القادة العرب اختاروا القبول بما رفضوه علناً عبر سنين، الا انه مطلوب منهم ادارة عقارب الساعة الى الوراء واعادة صياغة التاريخ، فالسلام ليس مجرد عدم الاقتتال وانما عبارة عن تطبيع يقوم أولاً على القبول باسرائيل كجزء لا يتجزأ من المنطقة، وعليه فأرض فلسطين لم تعد فلسطين وانما هي اسرائيل، أو كما وصفها الملك حسين انها فلسطين سابقاً. مراجعة التاريخ وتعديله عبارة عن أساس تطبيعي حيوي، فاسرائيل لن تقبل التمسك بعروبة وإسلامية فلسطين لأن في ذلك تحريضاً تربوياً للأجيال ومن شأنه أن يبقي على قناعات لدى الأجيال قد تخلق المشاكل المستقبلية لاسرائيل، وعليه فإن فتح عمر بن الخطاب للقدس لن يكون موضوع تعميق الانتماء للأرض والمحافظة عليها، وانه سيصبح مجرد حدث تاريخي كغيره من الأحداث التي لا تثير الشجون ولا تثير الهمم، أما تمجيد صلاح الدين سواء من خلال الكتب أو وسائل الإعلام المختلفة فيجب أن يختفي ليتحول الى مجرد صراع بين القوى المختلفة حينئذ، أما الظاهر بيبرس فيجب أن يتحول الى بطل صد هجوماً عن مصر لا مدافعاً عن شرف الأمة وقدسية الأرض. مراجعة التاريخ تعني أن تعطي اسرائيل حقها في التاريخ كما تراه هي، علينا ان نتذكر ان العبرانيين أقاموا في هذه البلاد التي وعدهم الله بها، وأنهم أصحاب حضارة وجذور مشروعة في هذه البلاد يمكن الاستناد عليها في تبرير ما يمكن أن يسمى «تحرير اسرائيل». حقب واسعة وكبيرة من التاريخ يجب أن يمر عليها مرور الكرام، بينما يتوجب التركيز على مراحل أخرى ترى اسرائيل انها التاريخ الحقيقي، بمعنى آخر التطبيع يعني حتمية نزع العربي عن تاريخه المتعلق بفلسطين، وقلب الحقائق التاريخية التي من شأنها فصل العربي تماما عن أرض فلسطين وانهاء تمسكه بها كأرض عربية إسلامية. قد يجادل العرب السائرون في ركب التطبيع ان هذا لن يحصل، وانهم سيستمرون بتعبئة الأجيال بالحقائق التاريخية حتى لا تنسى البلاد. الأمور في تغير مستمر، والأوضاع قد تتحول لصالح العرب فتكون الأجيال مهيأة لفعل ايجابي تجاه فلسطين، لكن هذه تبقى نوايا طيبة من الصعب لها أن تتحقق. فاسرائيل تريد اجتثاث الكراهية لها وهي ستحارب كل ظاهرة من شأنها أن تخلق عقلية العداء لها ولوجودها. يضاف لذلك ان هناك قلباً للمفاهيم الدينية، فهناك مفاهيم دينية تتناقض تماماً مع معاهدات الصلح مع اسرائيل وتطبيع العلاقات معها، على رأس هذه المفاهيم تقوم قدسية الأرض واعتبارها وقفاً إسلامياً لايجوز لأحد التصرف بها أو نزع اسلاميته عنه، التنازل عن أرض الوقف الاسلامي حرام شرعاً ولا يملك أحد تخويلاً بالتنازل عنها، فضلاً عن ذلك، القدس هى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مدينة المسيح عليه السلام، ولايجوز للمسلمين أن يتنازلوا عن أرض الأنبياء وآثارهم لأنهم يعتبرون أنفسهم ورثة الأنبياء، هذا علما ان القرآن الكريم يعتبر اليهود أشد الناس عداوة للمسلمين ويصفهم بالإفساد ويلعنهم، أما الانجيل فيصف اليهود بأولاد الأفاعي ويلعنهم ويرفض أن يكونوا ورثة ابراهيم عليه السلام لأنهم لا يعملون كما كان يعمل. ـ كيف تنقلب المفاهيم القومية؟ ـ د. قاسم: عدد من العرب ما زالوا يؤمنون بضرورة الوحدة العربية بناء على قناعات عديدة حتى ان بعض الأنظمة والقيادات التي توصلت الى صلح مع اسرائيل تتحدث عن وحدة العرب والتضامن العربي، وقد أصر العرب على مدى سنين على ضرورة ايجاد حل شامل للقضية الفلسطينية بين العرب كوحدة واحدة ـ وبين اسرائيل ـ وقد استخدمت مقولة الانفراد بالحل مع اسرائيل كأحد مبررات الوقوف ضد اتفاقيتي كامب ديفيد وضد موقعها الرئيس السادات، وفي المقابل أصرت اسرائيل على ان الحل للمشكلة ممكن فقط من خلال مفاوضات ثنائية مباشرة، ولم تقبل أبداً مفاوضات العرب كوحدة واحدة، فقط أذنت اسرائيل بوفد أردني ـ فلسطيني مشترك بسبب رفضها الاعتراف بمنظمة التحرير، ولم تقبل الفصل الا بعدما أصبحت منظمة التحرير منظمة أخرى غير منظمة تحرير وتنازلت عن كل طروحاتها للتحرير. قبل العرب في النهاية بالشروط الاسرائيلية وكان ذهابهم الى مدريد بمثابة الاعتراف النهائي باتفاقية سايكس ـ بيكو وشرعية الهجرة الصهيونية الى فلسطين، وتهويد البلاد فماذا عن الوحدة طريق العودة، والعودة طريق الوحدة، القيم الانفصالية والاقليمية أصبحت راسخة وتأسست، وتراجعت قيم الوحدة والوطن الكبير إلى أدنى مستوياتها، وأصبحت الدول العربية تترقب خطوات بعضها البعض، لتتحسس طريقها نحو إقامة العلاقات مع اسرائيل، ولم تعد مسألة التفاوض مع اسرائيل مسألة خلاف ونفور بين الأنظمة العربية، بل أصبح التنافس على المفاوضات هو موضوع الخلاف. أما أصحاب الطروحات الوحدوية المتتالية، وهم الفلسطينينون، فقد سبقوا الدول العربية واختاروا طريقهم الانفرادي قبل غيرهم، وتحولت المقولة من عمل عربي مشترك الى من «سيكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين». مع هذا التنافس والتسابق أهملت شعارات كثيرة دخلت في حقب سابقة الى عمق النفس العربية، مثل الأمة العظيمة التي لا تصبر على ضيم، وحدة الشام ومصر مفتاح نصر العرب، أرض الحجاز أرض الأباة والصحابة الأبرار، الهزيمة ليست من شيم العرب . اقتصاد المقاومة ـ سألنا الدكتور جورج قرزم: كيف يمكن أن يكون اقتصاد المقاومة في مواجهة التطبيع الاقتصادي؟ ـ د. جورج قرزم: ان مواجهتنا لحرب التجويع وتدمير اقتصادنا وانتاجنا، يتطلب أضعف الايمان، الدفاع عن النفس اقتصاديا، خاصة وان سوقنا الفلسطيني لا يزال حتى هذه اللحظة مباحا لشتى المنتجات الصهيونية والأجنبية التي شكلت وتشكل عاملاً أساسياً من عوامل ضرب انتاجنا والعديد من الوحدات الصناعية الفلسطينية التي لم تصمد أمام المزاحمة الخارجية، وأكثر أشكال المقاومة جذرية وفعالية يتمثل في المقاطعة الشعبية للمنتجات الصهيونية والأجنبية الأخرى، وذلك بالتوازي مع تحسين جودة الانتاج المحلي وتوسيع وتطوير القطاعات الانتاجية الفلسطينية المختلفة وتوفير الحماية والدعم الحقيقيين للمنتجات المحلية، وخاصة الغذائية والزراعية. إذن، عدم شرائنا لبضائع الاحتلال وشرائنا للبضائع الفلسطينية والعربية، معناه تقوية صمودنا بشكل عام وصمودنا الاقتصادي بشكل خاص، وذلك لأننا نعمل على حماية اقتصادنا وانتاجنا المحللين اللذين يواجهان حرب تدمير منظمة، علماً بأن جزءاً مهماً من السلع التي نستهلكها «وغالبيتها مستوردة من اسرائيل والخارج» لايشكل احتياجات أساسية وحيوية، وبالتالي يمكننا الاستغناء عنه، مقللين بذلك من تسريب الفائض المالي المتراكم للخارج وبالتالي إعادة استثمار هذا الفائض داخلياً، استثماراً منتجاً ومستداماً. ومما لاشك فيه ان وقف استيراد أو تدفق السلع الغذائية الصهيونية والأجنبية الأخرى الى السوق الفلسطيني والتي تسببت وتتسبب في ضرب الانتاج الغذائي والزراعي المحلي وكساده، يشكل مطلبا اقتصاديا ووطنياً ملحاً ويساهم جديا في تعزيز الاقتصاد المحلي المقاوم وتثبيت الارتباط بالأرض والانطلاق لزراعة المزيد من الأراضي. وهنا لابد من التنويه الى انه ليس كل السلع المنتجة محليا هي سلع وطنية، بل وللتدقيق، علينا التمييز بين سلع وطنية وسلع محلية، فالسلع الوطنية هي السلع التي صنعت من مواد أولية أجنبية أو مستوردة، علما بأن الكثير من المواد الخام ومستلزمات التصنيع يحصل عليها المنتج الفلسطيني من مصادر صهيونية وأجنبية أخرى، بمعنى قد تكون نسبة فلسطينية «أو عربية» سلعة معينة 40% أو 50% أو 90% أو 100%، وهنا لابد من ايجاد الآلية المناسبة لتعريف المستهلك بالانتاج الفلسطيني ومدى استفادة الاقتصاد الفلسطيني من كل سلعة نشتريها. ـ لقد راهنت اسرائيل على انتفاضة الأقصى في تدمير الاقتصاد الفلسطيني. ـ د. قرزم: أثبتت انتفاضة الأقصى عقم المراهنات على تأسيس اقتصاد فلسطيني تصديري وبالتالي تحول اقتصاد الضفة والقطاع الى منافس في الأسواق العالمية، كما ثبت افلاس الاطروحات والسياسات الاقتصادية التي تنطلق من حقيقة كون الاقتصاد الفلسطيني ملحقاً بالاقتصاد الصهيوني، وبالتالي تعمل على تعميق عملية الالحاق والتشوه الاقتصاديين في الضفة والقطاع، وبنفس السرعة التي اندلعت فيها الانتفاضة تلاشت وانهارت كذلك الاستثمارات والمشاريع الخدماتية والاستهلاكية الاستعراضية والمظهرية التي دأب «المانحون» والسلطة وأصحاب رؤوس الأموال على التركيز عليها في السنين الماضية، وثبت بأننا في ظل الاحتلال الاستيطاني الجاثم على صدورنا، لا مجال ولا مستقبل للحديث عن تنمية اقتصادية سوى في اطار اقتصاد مقاوم للاحتلال وداعم للمقاومة الوطنية الشعبية. ـ على ماذا يستند اقتصاد المقاومة؟ ـ د. قرزم: يستند نموذج اقتصاد المقاومة على تدعيم البنية الانتاجية الزراعية والصناعية الوطنية الشعبية المتمحورة داخلياً في السوق المحلي والتي تنتج الاحتياجات الأساسية للشرائح الشعبية، وبالتالي تحررنا من التحكم الصهيوني في عملية اطعامنا وتجويعنا، وذلك من خلال اطلاق العنان للحريات والمبادرات الشعبية المعتمدة على الذات والمشاريع الانتاجية العامة والتكامل القطاعي والنشاطات الزراعية غير الرسمية التي تتميز بالتنوع الانتاجي والتي توفر الأمن الغذائي للناس، وفي المحصلة يعني اقتصاد المقاومة تشجيع وتنمية ثقافة الانتاج والادخار بديلاً لثقافة الاستهلاك والالحاق. ويتطلب التوجه الاقتصادي المقاوم، محاربة النزعة الاستهلاكية المهيمنة والمتمثلة في شراء ليس فقط المنتجات الصهيونية والأمريكية والأوروبية بل حتى السلع الكمالية المحلية، وبالتالي لابد من نشر الوعي التنموي والاستهلاكي الذي يعني ترشيد الاستهلاك وتكريس نمط استهلاك وطني، عبر تثقيف أنفسنا في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا العامة وغيرها، على استهلاك المنتجات الفلسطينية والعربية التي يمكن أن تستبدل تدريجياً المنتجات الصهيونية والأجنبية الأخرى. وبدون الحديث حاليا عن الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948، فإن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني نجح «عبر الاتفاقات السياسية المفروضة قسراً على شعبنا»، في عزلنا بالضفة والقطاع، في أرخبيل من الجزر المتناثرة والمنعزلة عن بعضها البعض والمحاصرة بأكثر من 140 مستعمرة وطرق التفافية، بحيث لايمكن التنقل بين هذه الجزر إلا بإذن من الاحتلال، بمعنى لا يوجد أي تكامل جغرافي واقتصادي بين مختلف الأجزاء. وفي ظل غياب كامل للسيادة السياسية والجغرافية على الأرض والموارد المائية والحدود غير المرسومة أصلاً، وتحكم اسرائيل المطلق في حركة قوة العمل والسلع والصادرات والواردات ورأس المال، فمن السخافة بمكان الحديث عن اقتصاد موحد للضفة والقطاع، بل ومن المثير للشفقة مجرد القول بأن هناك اقتصاد دولة. لهذا، وفي ظل هذا الواقع الاستعماري، فإن الاقتصاد الوحيد الممكن والواقعي، هو الاقتصاد الوطني الشعبي الذي يوفر مقومات الصمود الاقتصادي والمعيشي الضروري لمواجهة الاحتلال، والذي «أي الاقتصاد» يسخر لحماية المقاومة الشعبية بكافة أشكالها، ويوفر وسائل مواصلتها وانتقالها الى مراحلها الأعلى لسحق الاحتلال، وبالتالي وضع القضية الفلسطينية على طريق الانتصار التاريخي. ـ هل يقتصر امتناعنا عن شراء البضائع الصهيونية والأمريكية على مرحلة الانتفاضة فقط؟ ـ د. قرزم: بالطبع لا، لأنه يفترض أن يتحول سلوك مقاطعة المنتجات الصهيونية والأمريكية الى نهج حياتي دائم وجزء أساسي من اقتصادنا المقاوم للاحتلال، وهذا يعني بألا تتلاشى المقاطعة مع مناخ التراخي السياسي الذي قد يسود في المستقبل نتيجة «تسوية» سياسية ممكنة، خاصة وان الصهاينة يعملون على السيطرة على غذائنا ويهدفون الى تجويعنا حتى نبقى مرتبطين بهم وتابعين لهم وننفذ ما يريدونه منا. وعندما نتحدث عن مقاطعة المنتجات الصهيونية فالمقصود شكل أساسي من أشكال مقاومة التطبيع مع الصهاينة ومؤسساتهم ومشاريعهم، باعتبار ان التعامل الفلسطيني والعربي مع المنتجات الصهيونية يعتبر تطبيعاً مع هذه المنتجات والشركات والمصانع الصهيونية التي تصنعها. ان مقاطعة المنتجات الصهيونية تتطلب أيضاً، في الوقت نفسه من كل العناصر والقوى الوطنية والاسلامية والمؤسسات والهيئات والنقابات والاتحادات الفلسطينية، العمل على محاربة ورفض بل ونسف الصيغة الصهيونية الحالية للاقتصاد الفلسطيني الذي أعيد تشكيله في السنوات الأخيرة بما يتناسب مع احتياجات الاقتصاد الصهيوني على المدى البعيد، وبمباركة المنتفعين الفلسطينيين من وكلاء للشركات الصهيونية ورموز فلسطينية رسمية وشريحة من المرتبطين بالاقتصاد الصهيوني. وبما ان الشرائح الشعبية هي التي يقع على عاتقها الدور الأساسي في حماية المنتج المحلي، فلابد لهذه الشرائح الواسعة من شعبنا الفلسطيني ان تستفيد من الأرباح الناتجة عن التزامها بموقف مقاطعة المنتجات الصهيونية ودعم المنتجات المحلية، وذلك بتوفير مزيد من فرص العمل في المصانع والمنشآت الفلسطينية، والارتقاء بالاقتصاد الفلسطيني الى حالة يستطيع معها توفير فرص أكبر للعمل ومستوى أعلى من الاعتماد على الذات. ـ هل بإمكاننا أن نشارك في انتاج طعامنا اليومي؟ ـ د. قرزم: بإمكان كل منا أن يساهم في انتاج الغذاء اليومي لعائلته، وذلك من خلال قيامنا بزراعة قطع الأراضي المباشرة حول منازلنا، بهدف تحقيق ولو جزء من الاكتفاء الذاتي في غذائنا، فبامكاننا استغلال حديقة المنزل لزراعة الخضار أو تربية الدواجن والماعز والأرانب والحمام، بمعنى ان زراعة الأرض والحديقة المنزلية أو أية مساحة ممكنة حول المنزل، بامكانها توفير كل أو معظم احتياجاتنا الغذائية من خضار وفاكهة، بالاضافة لتوفير الحليب من الماعز، والبيض واللحم الأبيض من الدجاج وجزء من اللحم الأحمر، وبهذا نعتمد على ذاتنا في طعامنا ونرفع من مدخولنا ونزداد صموداً في مواجهة الاحتلال الذي ستفشل عندها محاولاته في الحفاظ على تبعيتنا له في طعامنا وبالتالي تجويعنا واجبارنا بالقوة على قبوله جاراً بيننا وفي وطننا. كما ان توفير كل أو معظم احتياجاتنا الغذائية بأنفسنا يخفض كثيراً من نفقات «مصاريف» عائلاتنا التي بمعظمها عبارة عن مصاريف لشراء الغذاء المكلف بالنسبة لغالبية الأسر الفلسطينية، بالاضافة الى ضمان استهلاكنا غذاء صحياً وخالياً من المواد الكيماوية المسببة للأمراض الخطيرة. ان الاهتمام بالزراعة المنزلية ليس جديداً على أسرتنا الفلسطينية، لأنها كانت تشكل في الماضي غير البعيد جزءاً من تراثنا وتقاليدنا في الاعتماد على الذات، كما أن الأرض والزراعة يعتبران مورداً معيشياً واقتصادياً مضموناً وثابتاً لشعبنا، ناهيك عن كونهما مكوناً أساسياً من مكونات تراثنا وثقافتنا. أخيراً، يجب أن نتذكر بأن الشعب الفيتنامي انتصر على بربرية وهمجية الاستعمار الأمريكي ليس فقط بالبندقية وانما ايضا بالاستثمار الفلاحي والزراعي وبالاعتماد على ذاته في توفير احتياجاته الغذائية طيلة فترة الثورة الفيتنامية. سياسة الأمر الواقع توجهنا للدكتور محمد كناعنة حول التطبيع الثقافي وفرض الأمر الواقع فسألناه: ـ هناك جانب لابد من مناقشته وهو سياسة الأمر الواقع .. كيف تنظر اليها؟ ـ د. محمد كناعنة: منذ بداية الصراع العربي الصهيوني، دأبت الحركة الصهيونية، وبشتى الوسائل على فرض سياسة الأمر الواقع من خلال إحداث تغييرات وحقائق على الأرض، عن طريق القوة والعربدة وبدعم ومساندة كاملين من قبل الاستعمار البريطاني، هذا الأسلوب الاستعماري هدف أساساً وقبل كل شيء الى محاولة ايجاد مبررات للرواية الصهيونية حول «أرض الميعاد» وتثبيت هذه المقولة من أجل ترسيخها في أذهان المستوطنين الصهاينة وفيما بعد ايجاد دعم خارجي للرواية الصهيونية خاصة في أوروبا آنذاك. وهدف قادة الحركة الصهيونية من خلال هذا المشروع الروحي الى التغطية على مشروعهم السياسي الاستعماري الذي هو جزء من المشروع الاستعماري الامبريالي الغربي في السيطرة على فلسطين والوطن العربي ومنع وحدته القومية سياسياً وجغرافياً واقتصادياً، بما تشكله هذه الوحدة العربية من خطر على المصالح الاستعمارية للغرب في المنطقة العربية. فكان وعد بلفور لليهود كما نعرف بمنحهم «وطنا قوميا» في فلسطين جزءاً من هذا البرنامج الاستعماري المتآمر على العرب وبعد ذلك اتفاقية سايكس ـ بيكو بين الاستعمار البريطاني والاستعمار الفرنسي، حيث تم تقسيم الوطن العربي الى مناطق نفوذ بين الدولتين وحسب مصالح كل منهما، وكانت فلسطين محوراً أساسياً في هذا الاتفاق إذ تم منح بريطانيا الانتداب في فلسطين لتمكينها من تحقيق وعدها للحركة الصهيونية. بعد هذه المقدمة المختصرة والواضحة تماما في هدفها نستطيع القول ان المشروع الصهيوني في فلسطين ومقاومته يجب ألا يكون مقصوراً على الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة عام 67، أو على اللاجئين الفلسطينيين في الشتات بل ان الجماهير الفلسطينية في منطقة الـ 48 جزء مهم وحيوي وأساسي في مقاومة هذا المشروع الاستعماري، وتقع عليهم مهمة صعبة للغاية ونتيجة للظروف والحالة الفريدة التي يواجهونها .. وكذلك فان الأمة العربية وقواها الوطنية والقومية جزء مهم من عملية المواجهة والمقاومة، ولا نجافي الحقيقة إذ نقول انه تقع على كل القوى الثورية والتقدمية في العالم مهمة مواجهة المشروع الصهيوني لما يشكله من خطورة، ونتيجة للدور المنوط به في مواجهة كل ما هو تقدمي وثوري وانساني على الساحة العالمية والأمثلة والتجارب كثيرة على ذلك. ـ عنوان ورقتك كان التطبيع .. بين «استدخال الهزيمة» وثقافة «الأمر الواقع» ماذا تعني؟ ـ د. كناعنة: مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني جزء مهم من المشروع القومي العربي في مواجهة أعدائه الداخليين، خاصة تلك الفئة من الكمبرادور المرتبط ارتباطاً وثيقاً مع الاستعمار الغربي، بهدف الحفاظ على الانجازات التي حققها نتيجة لهذا الارتباط الوثيق. وبطبيعة الحال فان هذه الفئة المنتفعة من حالة التشرذم العربي لابد لها من ايجاد فئات من «مثقفي» البلاط ليقوموا بالتنظير للمشاريع القطرية، والدعوة الى قبول سياسة الأمر الواقع بعد أن آمنوا ان 99% من أوراق الحل موجودة بأيدي الولايات المتحدة الأمريكية. ومن هنا فان التطبيع على مستوى الوطن العربي وفي فلسطين التاريخية بأشكاله المختلفة سياسيا واقتصادياً وثقافياً، له أبعاد وأخطار جمة على مستقبل الصراع العربي ـ الصهيوني وتكمن أخطاره في الدعوة الى التعامل مع اسرائيل كدولة شقيقة وأمر واقع لايمكن تغييره، وتغييب حقيقة كون هذا الكيان قام على أنقاض شعب طرد وهجر بالقوة من أرضه ووطنه، وما الدعوات المتكررة من قبل بعض دعاة التطبيع، وخاصة أولئك الذين يتغلفون بأقنعة قومية زائفة الى الحوار مع الآخر، هذا الآخر المحتل الغاصب، ومحاولة ترويج مقولات حول امكانية تحويل اسرائيل الى دولة لكل مواطنيها من خلال البرلمان الصهيوني، والتركيز على مبدأ المواطنة في دولة اليهود .. وهذه الدعوات يحملها عدد من المثقفين والاكاديميين العرب من حملة الجنسيات الاسرائيلية والأمريكية والأوروبية. هذا الجانب من التطبيع الثقافي واستدخال الهزيمة هو الجانب الأخطر، إذ يأتي ممهداً الطريق الى التطبيع السياسي والاقتصادي وفاتحاً الطريق أمام الدعوات الى عقد المصالحة التاريخية بين الحركة الصهيونية والمشروع القومي العربي على حساب الحق في الوطن، والحق في العودة، والحق في الوحدة العربية والتي من أحد عوامل عدم انجازها وجود المشروع الصهيوني في فلسطين. ـ ما هي خصوصية ساحة الـ 48 في مقاومة التطبيع؟ ـ د. كناعنة: منذ إنشاء الكيان الصهيوني ونكبة فلسطين عام 48 سعت المؤسسات الصهيونية المختلفة الى عزل أبناء الشعب الفلسطيني الذين صمدوا في أرضهم عن باقي أجزاء الشعب الفلسطيني، ولم تترك وسيلة لذلك الا واستخدمتها، وكان من أخطار هذه الوسائل محاولة محو الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني، وطمس الهوية القومية لهم، هذا بالاضافة طبعاً لأسلوب مصادرة الأراضي والحصار الاقتصادي وهدم البنية التحتية الاقتصادية والسياسية للجماهير الفلسطينية في الداخل. وعلى مدار النصف قرن المنصرم لم تخل مكاتب المؤسسات الصهيونية من المخططات الهادفة الى ابقاء جماهيرنا داخل بوتقة مغلقة بعيداً عن أي فعل قادر على تشكيل ضغط أو خطر على الكيان الصهيوني من الداخل، مصادرة الأرض لم تتوقف على مدار خمسين عاما، وسن القوانين الهادفة الى الاستيلاء على ما تبقى من أرض بأيدي العرب فالمصادرة مستمرة بأساليب وأشكال مختلفة بدءاً بادعاءات أمنية وعسكرية كما حدث في إقرث وكفر برعم والغابسية وغيرها وصولاً على سياسة المناطر، وهي نقط استعمارية في قمم جبال الجليل ضمن مشروع تهويد الجليل، وأخيراً سياسة المجالس الاقليمية، والتي من خلالها يتم اخضاع الأرض المملوكة للجماهير العربية وهي خارج نطاق سيطرة السلطات المحلية العربية الى نفوذ سلطة المجالس الاقليمية، وهي مجالس صهيونية لعدد من المستوطنات والمناطر المقامة على أراض عربية. ومن أبرز الأمثلة على مثل هذا المخطط، مجلس «مسغاف» الاقليمي في منطقة البطوف في الجليل، وبرنامج أو مخطط «السبع نجوم» في المثلث الشمالي إذ تسعى المؤسسة الصهيونية من خلال هذا البرنامج الى إحداث تغيير ديموغرافي في الجليل والمثلث وتهويدهما وضمان أكثرية يهودية. ومن أخطر القوانين المشرعة في البرلمان الصهيوني تلك المتعلقة باللاجئين والمهجرين ـ وهنا نورد هذا الاقتباس عن مجلة «كنعان» العدد «92» ص 53 ـ ص 54: «من أجل إحكام السيطرة على الأرض المحتلة حديثا ومواردها المختلفة بادرت حكومة اسرائيل والكنيست الى اصدار الأنظمة وسن القوانين المختلفة لتصفية كافة أملاك جميع اللاجئين بمن فيهم مهجرو الداخل، لكي يصبح الاحتلال والمصادرة قانونيين فأصدرت: ـ أنظمة الطوارئ «استعمال أراضي البور» لسنة 1948 الذي يسمح لوزير المالية بالسيطرة ولمدة 35 شهراً على الأراضي غير المفلوحة حتى يتمكن بعد انقضاء هذه المدة من مصادرة هذه الأراضي. ـ أنظمة الطوارئ بشأن «أملاك الغائبين» لسنة 1948م التي وضعت كافة أملاك اللاجئين تحت تصرف القيم على الأملاك ليقوم بذلك بتوزيعها على مؤسسات الدولة التي يراها القيم مناسبة لهذا الغرض. ـ قانون أملاك الغائبين لعام 1950 الذي هو المصادرة الفعلية لأراضي وممتلكات اللاجئين كافة. ـ قانون استملاك الأراضي تعويضات 1953 أي بامكان المهجرين الذين يثبتون ملكيتهم للأرض أن يأخذوا التعويضات. بكلمات أخرى فان المهجرين غائبون ان هم ارادوا استعادة أراضيهم وحاضرون إن هم أرادوا تعويضاً مالياً مقابلها. آليات مقاومة التطبيع ـ كيف ترى آليات مقاومة التطبيع في ساحة الـ 48؟ ـ د. كناعنه: أولاً لابد من التأكيد على ان ساحة الـ 48 لها مميزات وخصوصية في النضال القومي العربي في مواجهة المشروع الصهيوني، والتركيز هنا على الجانب الشعبي والسياسي والثقافي من مواجهة سياسة الأسرلة يأتي من ضمن هذه الخصوصية، فالمحطات النضالية الشعبية لفلسطينيي الداخل منذ مظاهرات الهويات عام 52 مروراً بيوم الأرض الخالد ومعركة أم السحالي والروحة وصولاً الى المشاركة الأخيرة في انتفاضة القدس والأقصى، تعبر عن حالة متقدمة ونوعية في خصوصية هذا النضال، وكذلك تعبر عن مدى الحاجة الى بلورة وتشكيل أطر جبهوية تحالفية تسعى الى تنظيم الكفاح الجماهيري غير البرلماني، حيث أثبت انه الطريق الوحيد الكفيل بتحقيق انجازات عامة في مواجهة مخططات المصادرة والهدم والترحيل، ولنأخذ مثلاً معركة أم السحالي وانتفاضة أراضي الروحة، وهما محطتان نوعيتان في نضال الجماهير الفلسطينية في مواجهة هدم البيوت والترحيل في أم السحالي ومواجهة المصادرة في الروحة. ـ هل تعني ان شبان الـ 48 محصورون بين التطبيع الاختياري أو الاجباري، أي انهم مجبرون شاؤوا أم أبوا ؟ ـ د. كناعنه نعم نتيجة للحالة الخاصة والمتميزة التي يعيشها فلسطينيو الـ 48 تتشابك الأمور والحالات، ويصبح أي شعار قومي أو وطني رنان صالحا لجعلك من المدافعين عن القومية والانتماء وغير ذلك حتى لو كان شعارك هذا يصب في الممارسة العملية ضمن سياسة المؤسسة شئت أم أبيت، ذلك ومن هنا تكمن أهمية تحديد ظرف واليات التطبيع الاختيارية مع الكيان الصهيوني وخاصة تلك المرتبطة بالسياسي والثقافي منها، فالتطبيع والتعامل الاقتصادي للجماهير الفلسطينية في الداخل مع المؤسسات الاقتصادية الصهيونية من غير الممكن مواجهته دون خلق البديل، خاصة وان سياسة الكيان الصهيوني منعت منذ البداية بالسماح للعرب باقامة منشآت صناعية تنافس الصناعات الصهيونية، وذلك من خلال هدم البنية التحتية عبر المصادرة وفرض الضرائب الباهظة على المنتوج .. إلخ، من هذه الأساليب. وبالرغم من ذلك فقد برزت في المرحلة الأخيرة بعض وعدد من المنشآت الصناعية العربية الخفيفة مثل مصانع الألبان أو المشروبات ومصانع التعليب بدأت تعطي بذوراً لخلق البديل الاقتصادي في حده الأدنى، والمطلوب ان يتم التعامل معها من قبل جماهيرنا على أساس كونها صناعة وطنية بديلة والعمل على حمايتها شعبياً، وهنا تبرز أيضاً أهمية المبادلة التجارية بين أجزاء الشعب الفلسطيني فمثلاً على التجار العرب في منطقة الـ 48 أن يسعوا الى استيراد البضائع المتوفرة في السوق الفلسطيني في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، والعكس صحيح مما يؤدي الى زيادة في توفير البدائل الصناعية من المنتجات في طرفي الخط الأخضر، ويشكل حماية للرأسمال الوطني المعني. ـ ما هي آليات المواجهة؟ ـ د. كناعنة: هنا لابد لنا من القول انه على القوى الوطنية القومية داخل الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده ان تقف وقفة نقدية أمام حالتنا السياسية، ودور هذه القوى في دفع فلسطينيي الـ 48 نحو التدمير الذاتي السياسي إذا كان ذلك عبر ترك هذه الساحة ولمدة طويلة دون التفات يذكر أو عبر دعم تيارات سياسية انتهازية، تسعى إلى أدلجة الهزيمة وتبرير سياسة الأمر الواقع من خلال الانخراط به بغض النظر عن الشعارات الرنانة التي ترفعها هذه القوى. ـ ما هي استحقاقات الدخول للكنيست الصهيوني؟ ـ د. كناعنة: لدخول الكنيست الصهيوني استحقاقات سياسية وبرنامجية لا تخفى على أحد إذ أن أي حزب يبغي دخول انتخابات الكنيست الاسرائيلي، لا يمكنه المشاركة في هذه الانتخابات الا بموجب قانون الانتخابات الأساسي وخاصة المادة 7 «أ» المعدلة عام 1984، وهذا نصها: لا تشارك قائمة مرشحين في الانتخابات للكنيست الاسرائيلي إذا تضمنت أهدافها أو أعمالها بشكل واضح أو مسئول واحدة من الأمور التالية: 1- رفض وجود دولة اسرائيل كدولة الشعب اليهودي! 2- رفض الصبغة الديمقراطية للدولة! 3- التحريض للعنصرية! ومن هنا نرى مدى خطورة دخول القوائم العربية للكنيست الاسرائيلي، فعدا عن الاعتراف بشرعية الوجود الصهيوني في فلسطين وكون الدولة دولة الشعب اليهودي، تتجاهل الشعب الفلسطيني وحقه الشرعي في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة، اضف الى ذلك ان على عضو الكنيست العربي ايضا ان يقسم يمين الولاء في الحفاظ على أمن وسلامة دولة اسرائيل وعليه نرى ان رفضنا المبدئي الدخول في انتخابات الكنيست هو تصميم على الاستمرار في رفض الاندماج عبر أي من المسميات القديمة ـ جديدة ـ مثل «شعب المليون» و«دولة كل مواطنيها» و«المساواة» وغير ذلك، ولا نرى في هذا التصميم المبدئي انشداد للماضي أو التغني بالشعارات كما يدعي البعض بل هو مسئولية وطنية كبرى وهذا لا يمنعنا بالطبع من الجمع الصحيح والمطلوب بين النضالات الجماهيرية اليومية والوطنية والقومية، بل على العكس من ذلك فان هذا الجمع بين مسألة اليومي والوطني والقومي يضعنا أمام مهمة استثنائية كونها تحدد موقعنا على خارطة التناقضات الجديدة في المنطقة والعالم، وتحدد معالم ونوعية التكتيك والاستراتيجية في برامجنا ونضالنا المستمر. ان أهمية الصوت العربي واضحة تماما ولكن ما يبدو غير واضح هو لماذا يصر المقاطعون على موقفهم؟ لماذا يصر على موقفهم أولئك المقاطعون الذين تراوحت نسبتهم المئوية منذ عام 51 وحتى اليوم معدل 30% من جماهيرنا العربية؟ ولماذا لايعيد أصحاب الفكر والعمل الوطني أي اهتمام للأسباب الموضوعية التي تجعل حوالي ثلث أبناء شعبنا «بالمعدل العام» لمقاطعة انتخابات الكنيست؟ ان موقف المقاطعة في الظروف التي تعيشها جماهير