شاهدت البرنامج المطول الذي بثته قناة الجزيرة في الاسبوع الماضي في شريط سجلته مع اسامة بن لادن، زعيم منظمة القاعدة، وهو شريط سجل في عام 1998 في افغانستان. وبصرف النظر عن عمر المقابلة، فإن اللقاء يوفر مناسبة نادرة للتعرف على أفكار ابن لادن وتقييم دوافعه في الاتجاه نحو الحياة الغريبة التي يعيشها، وهي مناسبة لابن لادن أيضاً للتعبير عن ارائه وهمومه، وطرح فلسفته، وتوضيح الحجج التي دفعته إلى تبني حياة التمرد والمواجهة، وكغيري شدتني المقابلة التي لم يبخل ابن لادن على المشاهدين في تقديم خلاصة أفكاره بوضوح لا يترك مجالاً للشك. لا أعرف تاريخ أسامة ابن لادن، ولا اعرف المكان الذي درس فيه، ونوع دراسته، ولا ادري شيئاً عن تنقلاته القديمة في مطلع شبابه، وعما اذا عاش في الغرب، وتعرف على الحضارة الغربية، أو انه خريج بيئة محلية قبلية مغلقة. ولكنني من خلال تلك المقابلة استطيع ان اوجز بعض الملاحظات التي اراها مناسبة لتحليل نهج ابن لادن، وهو النهج الذي تأسست عليه حركة طالبان، وشكل الفلسفة التي تتحكم في تصرفات الحركة، في الداخل وفي الخارج، وتستند عليها الدبلوماسية التي تتعامل وفقها حركة طالبان مع العالم. أولاً: يقول ابن لادن بأنه بايع الملا محمد عمر زعيم طالبان كأمير للمؤمنين لأن فكره وأهدافه وسلوكه هي مرآة صافية لحقيقة الإسلام، وان الإسلام، كما يراه ابن لادن، موجود فقط في افغانستان التي يتسيدها طالبان، وان الدول الإسلامية الاخرى لم تصل في التزامها الديني إلى المستوى الذي يريده ابن لادن، ولذلك يعتبرها هدفاً عاماً للتغيير، فاسلاميتها ناقصة وسلوكها ملوث. ثانياً: في اطار هذا التقييم، نذر ابن لادن نفسه وماله وجهوده، لإزالة هذا التلوث بواسطة تبديل الأنظمة، واحلال نظام طالبان محلها. ويضع هذه الأنظمة الإسلامية في درجات، بعضها مسحوب منه البيعة والشرعية الإسلامية، وبعضها قابل للاصلاح والتحسين، والبعض الاخر فاسد ومتعفن. وينطق الداعية ابن لادن بآيات من القرآن الكريم ويطعم مداخلاته بأحاديث من السيرة النبوية، ومن الامثلة التاريخية، التي من الواضح احسن اتقانها وسخرها لخدمة أهدافه. ثالثاً: يضع ابن لادن نفسه كانسان استلهم سيرة المصلحين الذين غرفوا من علم الرسول العظيم، ونذروا أنفسهم لتحقيق مآرب الإسلام وفق منظورهم، وتبنوا حياة الزهد المصاحب لشروط الدعوة، وانفقوا عليها مما رزقهم الله، وسعوا للتشبه بحياة الذين خلدتهم اعمالهم في نشر الدعوة واتساع الفتوحات الإسلامية. رابعاً: بهذا الاقتناع العميق للدور الذي رسمه لنفسه، هجر المليونير الشاب راحة الدنيا ونعيم الثروة، وتوجه باصرار التحدي، إلى حياة اخرى فيها التقشف والزهد، ونبذ المريح والعيش في بطن الكهوف والصخور، وتبني أسلوب البساطة. لكنه، مع طول التجارب، اكتشف بأن الدعوة من المنابر لم تحقق له الأهداف التي رسمها لنفسه، وان المسلمين قانعون بحياتهم ومنسجمون مع نهجهم، وان صرخاته في صحراء افغانستان، لا صدى لها داخل المجتمعات الإسلامية. خامساً: لاشك بأن اخفاقات ابن لادن في مشروعه بناء الدولة الدينية في العالم الإسلامي دفعه إلى اللجوء إلى العنف واتخاذه القرار القاتل في تسخير ما يملك لزعزعة استقرار الأنظمة وبث الرعب داخل مجتمعاتها. بحث عن مواقع ضعيفة يؤثر عليها ويحيد معارضتها، كان في السودان وربما اليمن، في بداية تنفيذ قراره في التصدي للولايات المتحدة، التي تصورها حامي الأنظمة المتعفنة والمحافظ على بقائها واستمرارها. سادساً: لم يأت على بال ابن لادن بأن مشروعه يتعارض مع الإسلام، دين التسامح والسماح، وغير لائق اجتماعياً، ومرفوض سياسياً، ومدان قانونياً، وان العالم غير مستعد للالتفات إلى الوراء، وليس بحاجة إلى مساهمة طالبان الفكرية واتباع تعليمات ابن لادن الدينية. سابعاً: قام ابن لادن بتفجير السفارات الأمريكية في نيروبي وفي دار السلام، وساهم في عمليات إرهابية داخل المملكة ، ثم صار المتهم الرئيسي في العملية الإرهابية الهمجية في نيويورك وواشنطن، ولم ينف ابن لادن في مقابلته القديمة تهمة الرغبة في الثأر، وانما استطرد في تقديم عريضة واسعة من الكراهية للولايات المتحدة مع تزوير واضح لحقائق الحياة في المملكة العربية السعودية التي امطرها بكل ما يملك من ذخيرة السباب والشتائم، والحقد الدفين. وقد لفت نظري استقامة منطقه مع منطق المتطرفين الإسلاميين الذي يرون في الولايات المتحدة شخصنة الشرور والدمار، معتمدين على ما يناسبهم من قراءات تحط من شأن أمريكا. ثامناً: ذكرتني التعبيرات التي استعملها ابن لادن عن الولايات المتحدة بما قرأته من اوصاف اطلقها اشخاص منتمون إلى التيارات الإسلامية على الولايات المتحدة، بعضهم يصفها بأنها غول مهول، واخر قارة الانحطاط والخسة، إلى اخر ما جاء من قواميس التهكم. لا أحد يتكلم عن عظمة أمريكا في حريتها وامتصاصها لمختلف الأديان والاجناس، وانطلاقها الفكري والعلمي والتكنولوجي، وتفوقها في حقوق الإنسان والديمقراطية والابتكار الطبي والصحي، وسيادتها للثقافة وابحاث الفضاء، كما جاء في التقارير الدولية ان مساهمة امريكا لبرامج الاغاثة الإنسانية في افغانستان بلغت 170 مليون دولار. عندما كنت في نيويورك كان في منزلي ثلاثة مساعدين، واحد من كولومبيا، والاخر من الهند، والثالث من مصر، اصبحوا بعد سنوات مواطنين امريكيين حملوا الولاء للولايات المتحدة وتفاعلوا مع مجتمعاتها. ولم يشكك احد في وطنيتهم، وهناك ملايين آخرون يدخلون الولايات المتحدة بطرق غير شرعية، يجدون في قوانين امريكا سماحة تحميهم من الابعاد. تاسعاً: ليس من الانصاف لأن نحكم على الولايات المتحدة وبشكل عشوائي، لأننا نختلف مع سياساتها حول الشرق الأوسط، وهي سياسة لها حسابات محلية، سياسية، ومالية، وعقائدية، وتراثية، ومع ذلك يجب ان ننصف مساعيها في ايجاد مخارج معقولة من الوضع المتأزم حالياً، ويمكن القول بأن القوة الكابحة الوحيدة لهمجية شارون هي الولايات المتحدة التي تناشدها السلطة الفلسطينية يومياً للتدخل لحمايتها من بطش شارون. وربما القول أيضاً بأن واشنطن هي القوة الوحيدة التي منعت شارون من الاستفادة من انشغال العالم مع اجواء الإرهاب، واوقفت توجهاته في اعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية. عاشراً: المطلوب من الزعامات الدينية الإسلامية وفي هذه المرحلة الحرجة الوقوف بشكل جماعي وواضح في ادانة الإرهاب، وفي الدعوة الواضحة للعمل على وضع حد له، ومناشدة الدول الإسلامية بالمشاركة في الجهود الدولية المبذولة لاجتثاث الإرهاب، والقضاء على مواقع الظلم، والتعاون مع المنظمات العالمية في الحد من التطرف، كما ان المطلوب من القيادات الدينية القيام بدور تثقيفي لمخاطر الغلو في التطرف وأبعاده على المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية. حادي عشر: خرجت من لقاء ابن لادن مع قناة الجزيرة في قطر، بأنه أصبح عنصراً مهدداً للاستقرار الوطني والاقليمي والعالمي، وانه نجح بسبب ما يملك من مال وظفه للخراب، في اصابة الولايات المتحدة في جرح بليغ في كرامتها وامنها القومي ودخل ديارها وقتل اهلها من حيث لم تحتسب، وانه يتوعد دول الخليج ويهدد الاخرين من الدول الإسلامية ويبايع ملا عمر أميراً للمؤمنين، في عصر غزو النجوم والعيش في الفضاء. واعتقد من المناسب ان تتدارس دول الخليج ظاهرة ابن لادن ووسائل القضاء عليها قبل اتساع الخرق. ويمكن القول بأن ابن لادن يعيش اخر تنقلاته، فقد أعلنت الولايات المتحدة، التي هز مشاعرها الوطنية، الحرب عليه، وصار هدفاً للقوة الاعظم، لن تحميه بلاغته اللفظية، ولن تقيه طالبان من اسقاطات برنامج الحرب القادمة، ولن تقبله دول إسلامية اخرى. يمكن ان يقال بأن ابن لادن دخل التاريخ من بوابة الإرهاب الذي ارتبط بمسيرته الأخيرة، وصار هذا الإرهاب، المشروع البديل الذي يتعايش معه، ويسعى إلى تحقيقه، ويمكن القول أيضاً بأن ابن لادن فقد البصيرة وخسر القدرة على التعامل العقلاني مع الأمور، وانه مسكون بالنزعة الانتقامية الانتحارية. سيذهب ابن لادن إلى عالم اخر، لكنه اراد ان تكون تكلفة الذهاب عالية يدفعها الذين يخططون لنهايته في هذه الساعات.