أعلنت البحرين إحصائية دقيقة وموثقة عن حجم عملية التجنيس في البحرين من مختلف الأصول، والتي جرت خلال نصف قرن. حيث بلغ المجموع الكلي للذين يحملون الجنسية ابتداء من عام 1950 حتى مايو 2001، 42997 فرداً ، ويشمل هذا العدد الأشخاص المتجنسين وزوجاتهم وأبناءهم المولودين عند تجنيس آبائهم أو من ولد بعد تجنسهم كما يشمل هذا العدد أيضاً الزوجات المتزوجات من أشخاص متجنسين أو من أشخاص بحرينيين بالولادة. وكان أمير دولة البحرين الشيخ حمد بن عيسى قد أصدر مؤخراً أمراً بإعادة الجنسية البحرينية إلى 39 شخصاً مقيمين في إيران وأربعة آخرين مقيمين في كل من المملكة المتحدة والدانمارك ولبنان وباكستان. وكانوا قد رفعوا إليه التماساً لإعادة الجنسية إليهم. وقد صدرت توجيهات القيادة السياسية بسرعة اتخاذ الترتيبات الواجبة للتنفيذ الفوري للأمر الأميري وتقديم التسهيلات الكاملة لإصدار جوازات سفر للعائلات والأفراد المشمولين بالمكرمة وتيسير إجراءات عودتهم. ويمكن فهم هذه الخطوات الطموحة في إطار الإصلاحات السياسية التي تجرى على الساحة الداخلية البحرينية بعد الإفراج عن سجناء العنف السياسي والسماح بعودة المبعدين وتأهيل من تعرضوا للسجن والتوقيف والسماح لهم بالاندماج في المجتمع وتعويضهم ما فاتهم من فرص التعليم أو التدريب. ومما يؤكد مجيء هذه الخطوات في إطار الإصلاحات السياسية في الدولة تواكب هذه الخطوات مع تصريحات لدبلوماسيين غربيين نفت وجود مخاوف حول أمن واستقرار البحرين بعد الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي أعلنها مؤخراً أمير البحرين والخطوات التي اتخذت لتنفيذها. وأشارت تقارير المراقبين إلى أن الشيخ حمد بن عيسى أظهر-ومنذ توليه مقاليد الحكم رغبة متزايدة في تقبل الحاجات السياسية والاقتصادية لشعبه، كما أظهر كذلك رغبة متزايدة لعمل التغييرات اللازمة الأمر الذي جعل المخاوف الأمنية ماضياً. تعتبر دولة البحرين أول دولة خليجية نظمت المسائل المتعلقة بالجنسية وكان ذلك عام 1937 وتضمن القانون الصادر آنذاك جميع المبادئ والأسس المتعارف عليها في القانون الدولي الخاص، فأخذ بأساس دم الأب البحريني والتوطن والإقامة الطويلة وتعاقب الميلاد على إقليم الدولة، وبالأمور الإنسانية للأشخاص عديمي الجنسية كأسس لمنح الجنسية البحرينية، ويتميز هذا القانون بأنه قانون الجنسية البحرينية التأسيسية. وفي عام 1963 طبق قانون الجنسية البحرينية الدائم، وتضمن هذا القانون أيضاً الأسس والمبادئ المتعارف عليها في القانون الدولي الخاص وجاءت أغلب مبادئه وأحكامه في تنظيم كيفية الدخول في الجنسية الأصلية عن طريق أساس دم الأب البحريني والتي تثبت للشخص حال ولادته، إلا أن المشروع لم ينس إقرار حالات استثنائية على تلك المبادئ العامة وفقاً وتمشياً مع مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والأخرى المتعلقة بحقوق الأطفال، إذ نص هذا القانون الدائم على منح الجنسية البحرينية لمن يتعاقب ميلاده على إقليم الدولة من دون أن يكون متمتعاً بجنسية أخرى ومنح الجنسية أيضاً للأطفال المولودين من أب مجهول أو لأبوين مجهولين في إقليم البحرين. وإلى جانب كل ذلك نظم القانون الدائم للجنسية كيفية دخول غير البحرينيين في الجنسية البحرينية عن طريق التجنيس اللاحق للميلاد وفق شروط وضوابط محددة، ومن أهم الشروط الجوهرية لدخول الأجنبي في الجنسية البحرينية أن يكون مقيماً في البلاد إقامة مشروعة وعادية ومستمرة لفترة من الزمن وحددت هذه الإقامة بخمس وعشرين سنة للشخص الأجنبي وخمس عشرة سنة للشخص العربي الطالب للجنسية البحرينية بالتجنس. ويمكن الإشارة إلى أهم الأرقام التي وردت في الإحصائية الصادرة عن وزارة الداخلية، فيما يلي، والتي تحمل دلالات خاصة عند تقييم التجربة البحرينية: بلغ عدد المتجنسين بشكل مباشر خلال الخمسين سنة الماضية 10169 شخصاً، في حين بلغ عدد من دخل الجنسية البحرينية بالتبعية خلال تلك المدة من أبناء وزوجات 25167 شخصاً (ويشمل هذا العدد الأخير زوجات الأبناء وأبناء الأبناء وزوجاتهم أيضاً) بلغ عدد من تجنس من الزوجات الأجنبيات المتزوجين من بحرينيين بالولادة خلال نفس الفترة ما مجموعه 7663 بلغ إجمالي الحاملين للجنسية البحرينية بالتجنس ممن هم من أصل عربي خلال نفس الفترة 9749 شخصاً، وينتمون في جنسياتهم السابقة لمختلف دول الوطن العربي الكبير (ويشمل هذا العدد الشخص المتجنس وزوجته وأبناءه وأبناء أبنائه وزوجاتهم كما يشمل هذا العدد أيضاً الزوجات العربيات المتزوجات من بحرينيين بالولادة) إن 93% من عمليات التجنيس الجارية تشمل من هم من أصول إيرانية. الوحدة الوطنية وقبل التطرق إلى هذه الجهود تجدر الإشارة إلى ثلاث ملاحظات في غاية الأهمية: الأولى: أن هذه الجهود لتجنيس غير محددي الجنسية في البحرين تعكس اهتمام حكومة البحرين وتمسكها برعاية الإنسان، وقناعتها بضرورة احترام حقوق الإنسان وإتاحة الفرصة لكل المواطنين للمساهمة في صياغة مستقبل الوطن. الثانية: أنه مما يضفي على هذه الخطوات الإيجابية بشأن التجنيس أهمية متزايدة، الواقع الديمغرافي في البحرين، والذي يتميز بتنوع سكان البحرين ما بين سنة وشيعة، إضافة إلى وضوح معالم التميز الاجتماعي والاقتصادي بين الشعب والأسرة الحاكمة عبر تاريخ البحرين الحديث، وحتى يبقى هذا التنوع في إطار الإيجابية وإغناء الحياة السياسية في المجتمع والدولة فإن البحرين تحاول من خلال هذه الجهود أن تسير على درب الدول الديمقراطية التي تتخذ من الإجراءات الدستورية والقانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ما يكرس الوحدة الوطنية ويعزز عملية الاندماج الوطني على قاعدة المواطنة. الثالثة: إن الآفاق الجديدة لشعب البحرين من عمل سياسي وديمقراطي بقيادة الأمير توجب التوجه نحو تثبيت مباديء الديمقراطية داخل الأسرة الواحدة ونبذ التفرقة والتفكك والتشرذم ومحاربة العنصرية والطائفية والعمل على بناء أسوار قلعة الأسرة الواحدة ليعيش بداخلها كل مواطن صالح يحمل الجنسية البحرينية له وعليه الحقوق والواجبات كافة التي تمليها هذه المواطنة من أجل رفعة وتقدم الوطن. وفي ضوء ما سبق، كانت توجيهات القيادة السياسية قد صدرت بضرورة التسريع لحسم جميع طلبات الجنسية البحرينية ومن ثم تم تشكيل لجنة خاصة دعمت بالكفاءات القانونية ووضع لها برنامجا إداريا يضمن قدرتها على النظر والبت في جميع طلبات الجنسية البحرينية، ومن هنا اتخذت الخطوات السريعة لحصر جميع طلبات التجنس وتحديث بياناتها واستيفاء ما شابها من قصور في المستندات ودراستها دراسة دقيقة لتحديد الأشخاص المستحقين للجنسية البحرينية وفقاً للقانون والاعتبارات الإنسانية والمبادئ التي قررتها الاتفاقيات والمعاهدات في شأن حق كل إنسان في أن تكون له جنسية الدولة التي ينتمي إليها انتماءً روحياً. وحدة جنسية الأسرة والجدير بالذكر أن عدد طلبات التجنيس التي تم حصرها من قبل اللجنة المكلفة بذلك والمتراكمة لدى الإدارة منذ سنوات سابقة، لا يتجاوز الخمسة عشر ألف فرد ينتمون إلى 24 جنسية مختلفة وأن عدد من يوصف منهم بعديمي الجنسية أو ذوي الجنسية غير الثابتة لا يتجاوز العشرة آلاف شاملة الزوجة والأبناء، وهؤلاء جميعهم صدرت أوامر القيادة السياسية بحسم مشكلاتهم قبل نهاية العام وتشكل أغلب هذه الفئة ممن هم من أصول إيرانية. وبالنسبة للطلبات التي تم التأشير على استحقاقها فإنها تخص الأبناء المولودين في البلاد لآباء مولودين فيها أو لآباء من ذوي الإقامات الطويلة أي المتوطنين والأبناء المولودين لأمهات بحرينيات وآباء غير بحرينيين على أساس مبدأ وحدة الجنسية في العائلة كما شمل مبدأ الاستحقاق الأخذ بالاعتبارات الإنسانية للطلبات المقدمة من الأشخاص عديمي الجنسية أو ممن يتعذر عليهم قانونياً الحصول على جنسية آبائهم وأجدادهم. مخاوف المعارضة وقد أثارت مسألة التجنيس خلافاً بين الحكومة والمعارضة، حيث بدأت الأخيرة بإثارة المخاوف بشأن التركيبة السكانية للبحرين وما إذا كانت عمليات التجنيس الحادثة في البلاد ستؤثر على هذه التركيبة، فمن جانبها عبرت بعض التيارات السياسية لا سيما التيار الشيعي عن خشيتها من عملية التجنيس الجارية، وقال أحد المشاركين في إحدى الندوات السياسية أن الدولة في البحرين «تخطط لتغيير التركيبة السكانية للبحرين لجعل الشيعة أقلية». ومن جانبها فقد أوردت جماعة أصحاب المبادرة، وهي مجموعة من المعارضين البحرينيين الشيعة تأسست في السجن عام 1995، فقد أوردت بعض الملاحظات على الإحصاءات التي نشرتها الحكومة بشأن ملف التجنيس، هذه الملاحظات يمكن إيجازها في نقطتين أساسيتين: أولاً: إنها خطوة إيجابية خرجت بها الحكومة عن صمتها السابق وقدمت قدراً من المعلومات لمناقشتها علمياً لمعالجة حالة القلق السائدة. ثانياً: إن الإحصاءات تبين عدد المجنسين وجنسيتهم لفترة خمسين سنة، ولم تحدد أعداد المجنسين حسب السنوات، بينما كان القلق في الشارع ناتجاً عن عملية التجنيس في التسعينيات،وهذا لم يتضح بدقة في الإحصاءات المنشورة. وكما بلورت المعارضة وجهة نظر واضحة بشأن معارضتها لعمليات التجنيس الجارية، فإن الحكومة بلورت هي الأخرى وجهة نظر مدافعة عن سياستها. ففيما يتعلق بالعملية الجارية للتجنيس والتي وصفها البعض بأنها مقصودة وأن أعدادها هائلة، يشير القائمون على الأمر إلى أن هذا الكلام يفتقد إلى الدليل وإن هذه العملية جاءت لحسم الطلبات القديمة والمتراكمة في شأن الجنسية. وفي هذا الإطار صرح وزير الإعلام البحريني نبيل يعقوب الحمر «أن البحرين لا تتعامل في خدماتها على أساس طائفي أو عرقي، ولذلك فالترويج لكون التجنيس يتم في شكل عشوائي أو وفقاً لحسابات سياسية ولمصلحة السنة، أمر عار من الصحة تماماً» وطالب وزير الإعلام الجميع بالكف عن «المزايدة» مشيراً إلى أن «المجال مفتوح لمن يريد أن يعمل وأن البحرين تحتضن جميع أبنائها المخلصين». وأكد وزير الإعلام البحريني أن «البحرين لا تنظر بعين التفرقة لأي شخص فالجميع سواسية في حق المواطنة، وأنه ليس من سياسة البحرين تغليب فئة على أخرى أو التلاعب بموازين المواطنة لمصالح ضيقة، كما يشيعها المغرضون». اعتبارات قانونية وانسانية وأما فيما يتعلق بالانتقاد الخاص بتأثير التجنيس على التركيبة السكانية للبلاد، فإن الإحصاءات بحد ذاتها تكفي للرد على هذا الانتقاد، حيث يلاحظ من هذا العدد الإجمالي حتى يومنا هذا أن الأشخاص الذين حملوا الجنسية البحرينية طوال مدة الخمسين عاماً الماضية لا يتجاوز عددهم 42997 أي أن نسبتهم لا تتجاوز 10% من عدد المواطنين البحرينيين. وفي ضوء هذه الأرقام يتضح أن هذا العدد خلال هذه المدة الطويلة لا يدعو إلى الخوف من تأثيره على التركيبة السكانية، لاسيما وأن هؤلاء المتجنسين هم في واقع الأمر موجودون طوال هذه المدة في البلاد ومندمجون في المجتمع البحريني. كما أن الأفراد الذين تم تجنيسهم هم أشخاص مستحقون لاعتبارات قانونية ولاعتبارات إنسانية لا يمكن تجاهلها وأن هؤلاء تحولوا بانتمائهم الروحي والنفسي للشعب البحريني وحكومته فهذا التكييف يستوجب منا نقل هذا التحول لهؤلاء الأفراد في انتمائهم من ميدان الواقع إلى ميدان القانون وذلك بمنحهم الجنسية البحرينية فهم لا يؤثرون على التركيبة السكانية وإنما هم تأثروا بالتركيبة السكانية للأصل العربي لشعب البحرين وعاداته وتقاليده. وأخيراً يمكن القول بأن تعزيز عملية الاندماج الوطني والتي بدأتها القيادة السياسية من خلال سياسة التجنيس السابق الإشارة إليها تتطلب تنمية مجتمع مدني على أساس غير طائفي، ويتحقق هذا الهدف الوطني العظيم - وفقاً لأحد المراقبين- بتحقيق المساواة على قاعدة المواطنة على المستويين الرسمي والأهلي الذي يضعف حاجة المواطن إلى اللجوء إلى أي شكل من أشكال الطائفية والقبلية وغيرهم من أشكال الانتماءات دون الوطنية. المنامة ـ «البيان»: