شهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية مع قدوم الرئيس الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي إلى سدة الحكم عام 1997 فترات تبادل فيها الطرفان عبارات الغزل والإطراء.. فحين تسلم خاتمي الحكم وجه رسائل ود وانفتاح إلى الرئيس الأمريكي كلينتون وسعى بوسائل مختلفة علنية وسرية لبدء حوار رسمي مع واشنطن، وعلى الجانب الآخر فقد أطلقت الولايات المتحدة عدة مبادرات من النوع الذي يطغى عليه الجانب الرمزي لتخفيف بعض القيود المفروضة على السلع الإيرانية مثل الفستق والكافيار إضافة إلى السجاد، وتسهيل تبادل الوفود العلمية والفنية والرياضية المتبادلة، ورفع القيود التي كانت تمنع ممثلي إيران بالأمم المتحدة من التحرك خارج نيويورك، والاعتذار الأمريكي إلى إيران عن أفعالها تجاه الأخيرة في فترات سابقة وإعلان أمريكا عن مسئوليتها في إسقاط حكم مصدق وترتيب الأوضاع لعودة شاه إيران السابق إلى الحكم. غير أن هذه المبادرات الأمريكية لم تكن كافية تماما لدفع الإيرانيين نحو الدخول في حوار رسمي مع الولايات المتحدة حيث كانوا ينتظرون أن تقدم إدارة كلينتون مبادرات أكثر أهمية كمثل إلغاء العقوبات الاقتصادية والتجارية أو إعادة الأموال المجمدة منذ سقوط الشاه في المصارف الأمريكية إلى طهران، وهو ما أدى إلى بقاء الأوضاع كما هي حيث تأجل الحديث عن مراجعة السياسة الأمريكية تجاه إيران إلى إدارة بوش الجديدة التي أعلنت بالفعل أنها تنظر في ذلك الأمر. وقبل الحديث عن الشكل المتوقع للعلاقات الأمريكية الإيرانية في عهد إدارة بوش يجب الاشارة أولا إلى مجموعة المطالب التي يتبناها كل طرف في مواجهة الآخر ويمكن القول أن هذه المطالب هي بمثابة شروط تضعها كل دولة قبل الدخول في حوار رسمي مع الدولة الأخرى، وتتركز المطالب الأمريكية في توقف إيران عن معارضة عملية السلام في الشرق الأوسط وعدم العمل على نسفها، والتوقف كذلك عن دعم بعض التنظيمات التي تراها واشنطن «تنظيمات إرهابية» مثل حزب الله اللبناني والجماعات الفلسطينية المعارضة لعملية السلام، إضافة إلى ذلك تطالب واشنطن طهران بالتوقف عن السعي نحو بناء ترسانة نووية وصاروخية، وفي المقابل تطالب إيران الولايات المتحدة بتحرير الأموال الإيرانية المجمدة في المصارف الأمريكية منذ سقوط الشاه، ورفع إيران من قائمة الدول التي تتهمها الولايات المتحدة ب«دعم الإرهاب»، والتعهد بعدم التدخل في شئون إيران الداخلية وإلغاء المقاطعة المفروضة عليها منذ أكثر من عقدين من الزمان وكذلك العقوبات الأمريكية المفروضة عليها خاصة القانون الذي يمنع الشركات النفطية من استثمار أكثر من 40 مليون دولار في إيران. في ضوء هذا الموقف العام برزت وجهتا نظر بخصوص شكل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران في عهد الرئيس بوش.. حيث تقول وجهة النظر الأولى أن الولايات المتحدة ستقدم على تحسين علاقاتها مع إيران بناء على توافر عدة أسباب قوية تدفع نحو ذلك الاتجاه، بينما ترى وجهة النظر الثانية أن الإدارة الجديدة لن تتقدم كثيرا تجاه إيران بل وربما تتشدد أكثر من ذي قبل في مواجهة الجمهورية الإسلامية. أما بخصوص وجهة النظر الأولى فيؤكد أصحابها أن بروز نمط للتحسن البطيء والتصاعدي في العلاقات الأمريكية-الإيرانية إنما يعني أن الطرفين يستطيعان الوصول إلى التطبيع النهائي من خلال خطوات أخرى متدرجة، وفي هذا السياق فقد توقعت مصادر أمريكية أن تطلق أمريكا مبادرات «حسن نية» تجاه طهران. ويشير أصحاب وجهة النظر الأولى إلى وجود اتصالات تحدث بين الطرفين بصورة سرية، وفي هذا الإطار فقد أشار هؤلاء مثلا إلى أن الإدارة الأمريكية الجديدة بعثت ـ بواسطة معارض عراقي مقرب من واشنطن- مقترحات إلى القيادة الإيرانية حول قضايا يهتم بها الطرفان وقد أبلغت الإدارة المسئولين الإيرانيين بواسطة المعارض العراقي أثناء اجتماع سري عقد في أواخر شهر فبراير الماضي في أنقرة بأنها مصممة على إزالة جميع العوائق والحواجز أمام عودة الحوار بين البلدين. على أن تتخذ واشنطن خطوات واضحة لإثبات حسن النية حيال إيران، وفي المقابل فإنها تتوقع من إيران أن ترد بخطوات مماثلة. وإلى جانب ذلك أشار هؤلاء أيضا إلى تقرير أعده جهاز استخبارات غربي عن تحركات أمريكية إيرانية كان أبرزها اجتماع جرى توقيته في الفترة التي كان العالم يتابع زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي لموسكو، وأكد التقرير أن المداولات ركزت على فتح صفحة جديدة بين إيران والولايات تمهد لصفقة تضع حدا لسنوات العداء بين البلدين وتهدف إلى تسريع خطوات التطبيع من خلال مخطط مدروس ومنظم يأخذ في الاعتبار العراقيل التي أعاقت محاولات التطبيع التي جرت في عهد كلينتون وتحديدا منذ انتخاب الرئيس خاتمي رئيساً للجمهورية الايرانية. إلى جانب المؤشرات السابقة يستند أصحاب وجهة النظر الأولى إلى عدة أسباب أخرى تدفع الطرفين نحو تحسين العلاقات بين واشنطن و طهران وأهم هذه الأسباب ما يلي: ـ الضغط الشديد الذي تمارسه شركات النفط الأمريكية واللوبي المؤيد لعلاقات طبيعية مع إيران، حيث يسعى مؤيدو الانفتاح إلى فتح باب الاستثمار بين الجمهورية الإسلامية والشركات الأمريكية خاصة في ظل ارتفاع أسعار النفط والنقص في إنتاجه خاصة وأن إيران تملك خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم، إضافة إلى العلاقة القوية بين إدارة بوش ونائبه ديك تشيني وشركات النفط في هيوستن، ولا شك أن ضغط تلك الشركات يتزايد في ضوء الصفقات التي تقوم بإبرامها شركات النفط الأوروبية من أجل الحصول على نصيب من «الكعكة الإيرانية». ويبدو أن طهران تدرك موقف الشركات الأمريكية فبدأت في تدعيم سعي هذه الشركات ضمن خطة منسقة اعتمدت فتح حوار مباشر مع المستثمرين والشركات الأمريكية، فوقعت عام 1995 اتفاقا مع شركة «كونوكو» الأمريكية بقيمة 600 مليون دولار تدخل الرئيس الأمريكي السابق لإلغائه، إلا أنه تلا ذلك عدة اجتماعات أخرى عقدها مسئولون إيرانيون كبار مع رؤساء شركات النفط الأمريكية منها على سبيل المثال الاجتماع الذي عقدته نخبة من ممثلي تلك الشركات مع رئيس البرلمان الإيراني مهدي كروبي على هامش اجتماعات الهيئات البرلمانية في الأمم المتحدة، إضافة إلى محادثات مشابهة عقدها وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي أواخر شهر يناير الماضي مع عدد من رجال الأعمال و ممثلي الشركات الأمريكية. ـ اتخاذ واشنطن مجموعة من الإجراءات الدالة على حسن النية حيث قررت الإدارة الأمريكية مباشرة تنفيذ قرار سبق أن اتخذته الإدارة السابقة لكنها فشلت في تطبيقه وهو حظر نشاط منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية المعارضة وجميع الواجهات والمكاتب التابعة لها في الولايات المتحدة واعتقال ناشطيها باعتبارهم إرهابيين يؤيدون منظمة إرهابية، وقد تم بالفعل في شهر مارس الماضي اعتقال سبعة أعضاء من المنظمة وتجميد أرصدتها وتشديد المراقبة على أعضائها ومؤيديها، الأمر الذي قوبل بارتياح في طهران حتى أن مرشد الثورة خامنئي الذي يعتبر المسئول الأكثر عداء لواشنطن سمح بأن يتم اتخاذ إجراء مماثل من قبل إيران وذلك بإغلاق خط تهريب النفط العراقي عبر المياه الإقليمية الإيرانية. كما أن قرارا بإرسال شحنة من الأسلحة إلى حزب الله اللبناني ورفع مخصصات التنظيمات الفلسطينية المعارضة لعملية السلام قد جُمد حتى إشعار آخر، وإلى جانب تلك المواقف المتبادلة أكدت مصادر أمريكية أن الولايات المتحدة لن تعارض انضمام إيران لمنظمة التجارة العالمية. ـ رغبة الإدارة الأمريكية في تجريد روسيا من استخدام إيران كورقة ضغط على الولايات المتحدة حيث أكدت بعض المصادر أنه في حالة سعي الرئيس بوش إلى تنفيذ مشروعه الخاص بدرع الصواريخ فإن روسيا ستحاول الضغط على أمريكا لمنعها من ذلك، ولما كان الاقتصاد الروسي ضعيفا فإن موسكو لن تستطيع الدخول في سباق تسلح، ولذلك يرى البعض أن روسيا ستحاول الالتفاف حول المشروع الأمريكي من خلال التعاون مع إيران حيث تحاول موسكو أن تلعب بورقة توتر العلاقات الأمريكية الإيرانية، ولاشك أن إيران قد تستجيب للخطة الروسية وفي هذا السياق يرى البعض أن زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي لروسيا قد حملت رسالة موجهة إلى إدارة بوش مفادها أن القطيعة مع الولايات المتحدة لم تعد تعني دفع إيران نحو العزلة وأن إيران قادرة على العثور على أصدقاء وشركاء بين الدول الكبرى في العالم. ويرى بعض الباحثين أن إدارة بوش تدرك خطورة التطور في عملية التقارب بين إيران وروسيا التي لا تزال الولايات المتحدة منافسها الرئيسي في المنطقة ويؤكد هؤلاء أن واشنطن قد تتخذ إجراءات سريعة وحاسمة لتسوية القضايا العالقة مع إيران تمهيدا لاستئناف علاقات البلدين، وفي هذا السياق يرى هذا الفريق أن النجاح الإيراني في كسر العزلة المفروضة عليه أمريكيا من شأنه أن يحسن موقع إيران حين تعيد واشنطن مراجعة سياستها إزاءها. ـ تعاون الدولتين في مواجهة وحسم بعض القضايا الدولية التي تمس مصالحهما فقد شهدت الكواليس على حد قول البعض مظاهر لتحسن العلاقات بين الطرفين.. فقد لعبت إيران دورا إيجابيا في المحادثات الدولية حول طاجيكستان وكان نتيجة ذلك أن النخبة الطاجيكستانية المدعومة روسيا وإيرانيا استطاعت التوصل إلى مشروع لاقتسام السلطة مع المعارضة الإسلامية التي تؤيدها الولايات المتحدة، كذلك عملت إيران وأمريكا معا في أفغانستان إذ وجدتا في طالبان عدوا مشتركا، إلى جانب ذلك عمل الطرفان معا في القوقاز حيث وقفت إيران مع أرمينيا ووقفت الولايات المتحدة إلى جانب أذربيجان وبفضل الجهود الإيرانية والأمريكية احترمت الجارتان وقف إطلاق النار. التطور الاهم غير أن التطور الأهم ربما يكون الموقف من العراق حيث يرى البعض أن القيادة الإيرانية أصبحت موحدة في سعيها لإحداث تغيير سياسي ببغداد ويزداد هذا الانطباع قوة بسماح طهران لمجموعتين على الأقل من جماعات المعارضة العراقية التي تدعمها واشنطن بافتتاح مكاتب لها بطهران، كما أعطت إيران الضوء الأخضر للمجموعات الشيعية الرئيسية المعارضة بالعراق لإجراء اتصالات رسمية مع إدارة بوش، وعلى الجانب الآخر تؤكد المعلومات أن هناك تقارير أمريكية تشير إلى أن إيران «هي البلد الوحيد في المنطقة القادر على مساعدة واشنطن على التخلص من صدام حسين» إلى جانب ذلك فإن المعارضة الشيعية العراقية المدعومة من إيران هي الطرف المعارض الأكثر تنظيما والأكثر اختراقا للساحة العراقية، وفي ضوء تلك الحقائق يرى البعض أن الموقف الإيراني من النظام العراقي يعد أحد الأسباب الدافعة نحو قيام أمريكا بفتح حوار مع إيران خاصة وأن الإدارة الأمريكية أبدت ارتياحا للضربات الإيرانية لمواقع المعارضة الإيرانية داخل العراق وهو ما قد فسرته بعض المصادر الأمريكية بأنه يمثل رسالة إيرانية إلى إدارة بوش مفادها استعداد طهران للتعاون مع واشنطن بخصوص الملف العراقي. ـ تراجع حدة الموقف الإيراني المعارض لعملية السلام في الشرق الأوسط: حيث أشارت بعض المصادر إلى أن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وتراجع احتمالات التصعيد إلى حد ما بين حزب الله والذي تدعمه إيران وبين إسرائيل.. أدى إلى تخفيف المؤثرات «الإسرائيلية» على القرار الأمريكي بشأن العلاقة مع إيران.. وتبعا لذلك انخفضت حدة الاحتكاكات المباشرة مع الدولة العبرية وغير المباشرة مع الولايات المتحدة. أما بالنسبة لملف التسوية في الشرق الأوسط التي تعارضها إيران فإن المعلومات تقول أن الإيرانيين أوضحوا أن معارضتهم ستكون في إطار التركيز على القناعة بعدم إمكانية تحقيق سلام عادل ودائم ما لم تعاد الحقوق إلى الفلسطينيين. ـ موقف الشعب الإيراني والقوى الداخلية من التقارب مع واشنطن: حيث يرى البعض أن الجناح المتشدد ليس أقل رغبة في التطبيع مع أمريكا من الاتجاه الإصلاحي أو الليبرالي غير أن المشكلة هي أن يقوم أحد الجناحين بالمبادرة في طرح هذه القضية والدفاع عنها وتقوية مركزه بالتالي على الجبهتين الداخلية والخارجية، ما يعني أن المحافظين لا يمانعون في التقارب مع الأمريكيين ومما يدعم هذا الأمر ما أشار إليه البعض من أن هذا الجناح كان قد بعث في عام 1997 ب«أردشيرلاريجاني» إلى لندن للحصول على دعم بريطانيا من أجل حوار بين طهران وواشنطن. وعلى الصعيد الشعبي فقد دلت استطلاعات رأي أجرتها الصحف الإيرانية ومن ضمنها التابعة للجناح المحافظ أن أغلبية تصل إلى ثلثي الإيرانيين تنادي بالاستعادة الفورية للعلاقات مع واشنطن ويرى الخبراء أن هذا الأمر متوقعا في ضوء بعض الحقائق التي من أبرزها أن هناك 2.8 مليون إيراني نصفهم مواطنون أمريكيون يعيشون بالولايات المتحدة، وربع هؤلاء يزورون إيران مرة واحدة على الأقل كل عام، الأمر الذي يحيي العلاقات الإنسانية على كل المستويات، ومن جهة أخرى فقد أدى الانتشار المدهش للإنترنت بإيران إلى خلق وسيلة جديدة للعلاقات الشعبية على المستويين الفردي والجماعي إلى جانب ذلك تعتبر إيران المستورد الأكبر في الإقليم للمنتجات الأمريكية من الكاسيت والفيديو، كما أن الآداب الأمريكية هي الأكثر ترجمة في إيران، وفي المقابل تحتل أمريكا الموقع الأول في الدراسات الإيرانية فقد صدر في العام الماضي وحده 473 كتابا في مختلف مجالات الثقافة الإيرانية. ـ تصريحات بعض المصادر الأمريكية بإمكانية التعامل مع الجناح المحافظ في إيران، فقد أشارت المعلومات إلى أن واشنطن تدرك أن احتمالات فتح صفحة جديدة مع إيران لا ترتبط فقط بنجاح التيار المعتدل، وفي هذا السياق أشار مصدر مطلع في واشنطن أنه «لا يوجد دليل على أن ما يطلق عليه الجناح المحافظ في إيران يعارض تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة بل على العكس توجد أدلة عن أن العداء لأمريكا يتركز في المعسكر الإصلاحي، ويجب على الولايات المتحدة الاستعداد للعمل مع الجناح المحافظ في إيران ولو من منطلق أنه يسيطر على مقاليد السلطة السياسية». وأضاف المصدر أن «ما يطلق عليه الجناح المحافظ يفهم بطريقة أفضل الحقائق السياسية وعلاقات القوة، وهو يعلم ما تم الاتفاق عليه، وما يفعلون في إيران ذاتها لا يهمنا ما دام لا توجد انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان»، ومن المفارقات التي ظهرت وكما أشار البعض أن واشنطن تعتقد الآن أن إعادة انتخاب خاتمي ستؤجل تطبيع العلاقات بين البلدين حيث ذكر مستشار كبير في الإدارة ان المحافظين لن يسمحوا له بتحقيق أي شيء سواء داخليا أو خارجيا، وبالتالي سيستمر المأزق، ولكن إذا استعاد الجناح المحافظ سلطاته كاملة فلن يكون هناك ما يبرر عدم السعي لحواره مع الولايات المتحدة». الرسالة وتعكس التصريحات السابقة عدة دلالات أساسية من جانب الولايات المتحدة أولها أن الإدارة الأمريكية تريد أن تبعث برسالة مفادها أنها يمكن أن تتعامل مع المحافظين وذلك في محاولة للتخلص من عداء هذا الجناح ولا شك أن إقدام واشنطن على إرسال هذه الرسالة قائم على أساس إدراك الإدارة أن أخطر الاتصالات الأمريكية مع الإيرانيين حصلت أيام الخميني ومع جماعات كانت تعتبر متشددة لكنها تتميز بالبراجماتية، فالمحافظون أظهروا قدرتهم على التحرك في مواقف عديدة إذ فاوضوا على إنهاء أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية وساعدوا كذلك فيما بعد في الإفراج عن الرهائن الأمريكيين المحتجزين في لبنان، كما أقاموا قناة سرية بين طهران وواشنطن عام 1985 عندما استخدمت إيران نفوذها لوقف مؤقت لعمليات حزب الله ضد إسرائيل من لبنان، وثاني دلالات التصريحات الأمريكية هو أن الإدارة الأمريكية تدرك تماما أن المحافظين هم الذين يسيطرون على عملية صنع السياسة الخارجية الإيرانية حيث يقوم المرشد الأعلى برسم الخطوط العامة لتلك السياسة، وتقوم بتنفيذها مؤسسات أخرى يسيطر عليها التيار المحافظ إلى جانب السلطة التنفيذية، وبالتالي فإن التعامل الحقيقي سيكون بين هذا التيار وبين الولايات المتحدة في حالة الإقدام على فتح حوار بين الطرفين، وأما الدلالة الثالثة فقد يكون الغرض من تلك التصريحات هو حث الإصلاحيين على التحرك بإيجابية أكثر تجاه واشنطن.. فالقول أن المحافظين هم الأقدر على التصرف على المستوى الدولي إنما يعني في المقابل أن الإصلاحيين لديهم القدرة على ذلك وهو ما يعني أن الإدارة الجديدة تحاول استفزاز المعسكر الإصلاحي في محاولة لجس نبضه ونواياه فيما إذا كان يفكر في الإقدام على اتخاذ مواقف جريئة تجاه واشنطن أم أن ذلك الأمر يقتصر فقط على المحافظين. ـ إلى جانب هذه الأسباب فقد ذكر روبرت بلليترو مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشئون الشرق الأوسط أن هناك أسبابا قوية تدعو كلا الطرفين إلى تحسين علاقاتهما، ومن هذه الأسباب ما يلي: ـ تمتع إيران بموقع استراتيجي على امتداد الساحل الشرقي للخليج بين دول آسيا الوسطى المستقلة حديثا والمحيط الهندي وإلى الغرب من أفغانستان وشبه القارة الهندية، وهو ما يجعل من الصعب أو من المتعذر تجاهلها أو عزلها. ـ أن لدى الولايات المتحدة الكثير مما يمكن أن تقدمه لإيران بوسائل مقبولة ونافعة. ـ عدم مواجهة الثورة الإيرانية خطر إطاحتها ولا تقوم واشنطن بتشجيع أو دعم أي منظمة تشكل ذلك الخطر. ـ لا يمكن للتطور السليم لدول آسيا الوسطى وهي سياسة تدعمها الولايات المتحدة أن يشق طريقه من دون السماح بتنويع اقتصاداتها وطرق صادراتها بما في ذلك تطوير علاقات صحية وذات منفعة مع إيران. ـ أن إيران مرشحة لأن تلعب دورا كبيرا في تلبية حاجات العالم المستقبلية باعتبارها تملك ثاني أكبر احتياطي للغاز بعد روسيا وخامس أكبر احتياطي نفطي في العالم، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تمنع ذلك حيث فشلت بالفعل في محاولاتها في هذا الخصوص فقد فشل قانون العقوبات المفروض على إيران وليبيا في منع أي صفقات من جانب الشركات العالمية غير الأمريكية مع إيران. وفي مواجهة وجهة النظر الأولى السابق عرضها تبرز وجهة نظر أخرى يؤكد أصحابها على عدم تحسين العلاقات الأمريكية الإيرانية في المستقبل المنظور ويستند هؤلاء على مجموعة من الأسباب يمكن ذكرها فيما يلي: ـ ـ وجود جماعات ضغط قوية معادية لأي تطور في العلاقات فعلى الجانب الإيراني يرى المتشددون الخمينيون أن نزعة العداء لأمريكا هي العمود الأخير الذي تستند إليه أيديولوجيتهم، وعلى الجانب الأمريكي لن تقبل جماعات الضغط اليهودية والصهيونية بروز إيران كشريك لأمريكا في الشرق الأوسط، لما يمكن أن يؤدي إليه هذا الأمر من تهديد لدور إسرائيل في المنطقة. ـ قيام الولايات المتحدة بفتح ملف تفجير مجمع الخبر العسكري في السعودية حيث أذاعت شبكة تليفزيون «سي.بي.إس» الأمريكية في الرابع والعشرين من فبراير الماضي خبرا أكدت فيه أن المحققين الأمريكيين حددوا اسم «أحمد شريفي» وهو عضو كبير في الحرس الثوري الإيراني كأحد المسئولين ضمن أكثر من 20 شخصا آخرين عن تخطيط وتنفيذ تفجير مجمع أبراج الخبر العسكري في السعودية عام 1996، كما أضافت الشركة إلى أنه من المعتقد أن العديد من المشتبه فيهم من الذين لهم صلة بالهجوم موجودون في إيران. ضربة قوية وقد وصف البعض هذا الموقف الأمريكي بأنه ضربة قوية لمحاولات التقارب بين الولايات المتحدة وإيران، كما يرى آخرون أن فتح ملف الخبر في ذلك التوقيت له العديد من التفسيرات أهمها: لجم تصريحات إيران عن أمن الخليج بمحاولة فتح سجلها الحافل ب«الإرهاب» والتشويش على العلاقة المتنامية بين طهران وبعض الدول العربية بخاصة السعودية حيث كانت إيران على وشك توقيع اتفاق أمني مع السعودية وهو ما تم بالفعل -، وإعادة ملف الاحتواء المزدوج لإيران والعراق، وتحييد طهران في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، وإشغال الإيرانيين عن مواجهة مشاكلهم الداخلية، غير أن التفسير الأهم هو أن واشنطن باتت تعتبر ملف الخبر بمثابة أداة يمكن اللجوء إليها كلما أحست أن ثمة فائدة ترتجى من وراء فتحه، وإلى جانب هذه التفسيرات يخلص البعض إلى أن الإعلان عن استعداد أمريكا لتوجيه الاتهام رسميا إلى طهران في انفجار الخبر يعد إشارة واضحة إلى احتمال وضع إيران تحت الحصار إذا ما تمادت في خطابها السياسي ودعمها بعض التنظيمات التي تعتبرها واشنطن إرهابية. ـ الإعلان عن مد سريان العقوبات التجارية الأمريكية على إيران: حيث قام الرئيس بوش بتمديد العقوبات التجارية التي أصدرها ضد إيران سلفه الرئيس كلينتون عام 1995، وقد أوضح بوش في رسالة إلى الكونجرس أنه وقع أمرا لتمديد حظر التجارة والاستثمار مع إيران لأنها مازالت تهدد الولايات المتحدة حيث اتهم بوش الحكومة الإيرانية بدعمها للإرهاب الدولي وسعيها إلى نسف عملية السلام في الشرق الأوسط وحيازة أسلحة دمار شامل تطال المصالح الأمريكية الحيوية في المنطقة. ويرى البعض أن ادارة بوش لا تريد ان تظهر امام ايران بمظهر ضعيف لاسيما وأنها تخوض معركة أخرى أعمق ضد إيران تستهدف خططها الرامية لتعزيز إمكاناتها العسكرية باستجلاب خلاصة تقنية السلاح العالمية من روسيا وسواها، والأكثر من ذلك أن الإدارة الأمريكية قد تعمل على تفعيل قانون صدر في عام 1992 يقضي بتوقيع عقوبات صارمة ضد أية دولة تقوم بتصدير الأسلحة المتقدمة أو تقنياتها لأي من دول القائمة التي كانت تسمى بقائمة الدول راعية الإرهاب ومن بينها إيران. ـ أن الموقف الإيراني من عملية السلام والتنظيمات المعارضة لها لم يتغير تماما كما تريد واشنطن، وليس أدل على ذلك من استضافة طهران مؤتمر دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني الذي عقد خلال شهر أبريل الماضي وحضرته ثلاثون دولة على مستوى البرلمانات والشخصيات السياسية والحزبية، وقد أكد الأمين العام لمؤتمر حجة الإسلام علي أكبر محتشمي أن المؤتمر يعتبر الكيان الصهيوني مظهرا للإرهاب الحكومي ويدين الإدارة الأمريكية لانحيازها لإسرائيل، إلى جانب ذلك فقد عقد الرئيس خاتمي عدة لقاءات كان أبرزها مع نائب الرئيس السوري زهير مشارقة والأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله ووفد قيادتي «حماس» و «الجهاد الإسلامي» الذين حضروا المؤتمر وقد قال خاتمي «أن إيران تعتز بالمقاومة التي أبدتها سوريا حكومة وشعبا في مواجهة الكيان الصهيوني»، وركز كذلك على أن التعاون بين إيران وسوريا ولبنان هو من أهم العوامل التي ساعدت على انتصار المقاومة الإسلامية حزب الله على الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، وقد أثار انعقاد المؤتمر انتقادات الولايات المتحدة حيث أن عقد ذلك المؤتمر كان بمثابة تحديا لواشنطن وتل أبيب خاصة وأن الجهات التي تصفها واشنطن بأنها إرهابية حزب الله وحماس والجهاد حضرت المؤتمر، ولا شك أن كل ذلك يعني أن إيران لم تغير موقفها من عملية السلام ولم توقف دعمها للتنظيمات الرافضة لهذه العملية. ـ استمرار إيران في دعم قدراتها العسكرية وحيازة أسلحة دمار شامل: حيث سعت إيران في الآونة الأخيرة إلى تدعيم قواتها العسكرية وهو ما اتضح خلال زيارة الرئيس محمد خاتمي لموسكو الذي قام بإبرام صفقات أسلحة أثارت مخاوف الأمريكيين فضلا عن أنه استطاع إقناع الروس بإتمام العمل في مفاعل بوشهر النووي وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة طريقا طبيعيا لإنتاج الأسلحة النووية، وفي مسعاها من أجل منع إيران من الحصول على أية أسلحة تقليدية متقدمة التكنولوجيا يمكن أن تقلب موازين القوى في المنطقة أو الحصول على السلاح النووي استطاعت الولايات المتحدة الحصول من روسيا على عدة تعهدات تتعلق بهذا الأمر حيث أشارت مصادر دبلوماسية أمريكية وأوروبية إلى أن هذه التعهدات تشمل ما يلي: ـ تتعهد روسيا بألا تساعد إيران على إنتاج قنابل أو أسلحة نووية وأن تعاونهما النووي لأغراض سلمية وسيتم في ظل رقابة دولية تحت إشراف وكالة الطاقة الدولية. ـ ألا تبيع روسيا إلى إيران أسلحة ومعدات حربية تقليدية متطورة من شأنها الإخلال بموازين القوى في منطقة الخليج وتشكل تهديدا للأمن والاستقرار في هذه المنطقة الاستراتيجية بالغة الأهمية. ـ ألا تساعد روسيا إيران على امتلاك أو إنتاج أسلحة دمار شامل من أي نوع وألا تزودها بأية مواد أو معدات أو خبرات تكنولوجية تمكنها من امتلاك هذه الأسلحة المحظورة. ـ ألا تبيع روسيا لإيران صواريخ تساعدها على تطوير قدراتها الصاروخية. في ضوء العرض السابق لوجهتي النظر حول شكل العلاقات الأمريكية الإيرانية في المرحلة المقبلة يمكن القول أنه رغم وجود الأسباب التي أشار إليها أصحاب وجهة النظر الأولى التي تشير إلى حدوث تقارب بين الدولتين إلا أن هذه الأسباب لا تحقق أيا من المطالب الإيرانية السابق الإشارة إليها، وعلى الجانب الآخر فإن إيران هي الأخرى لم تحقق أي من المطالب الأمريكية مما يعني أن الطريق مازال طويلا وأن عجلة تحسين العلاقات لم تدور بكل طاقتها. غير أن تلك النتيجة لا تعني أن التشدد واستمرار القطيعة سيكون هو الخيار الأبرز بل أن المقصود هو الاستمرار في اتخاذ خطوات تدريجية بسيطة ومنتظمة في سبيل الوصول إلى الهدف الأكبر، وقد اقترح بلليترو تفعيل التبادل التعليمي والثقافي بين البلدين والسماح بتبادل زيارات البرلمانيين من كلا الدولتين. وبالإضافة إلى ما سبق فإنه من المتوقع أن تقوم الولايات المتحدة تحت ضغط شركات النفط بالسماح للشركات الأمريكية بالاستثمار في إيران وذلك في محاولة لإرضاء هذه الشركات والتخلص من ضغط اللوبي المؤيد للانفتاح مع إيران، إلا أن الولايات المتحدة لن تتوقف عن سعيها الدائم لمنع إيران من امتلاك أسلحة تقليدية متطورة أو أسلحة دمار شامل خاصة وأن واشنطن تعتقد أن إيران يمكن أن تتمكن من اقتناء قدرة نووية في غضون سنوات قليلة مقبلة. تستطيع واشنطن أن تصيغ هذه المعادلة بما يحقق مصالحها ويحافظ على أمنها؟. الكويت ـ المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية :