ينظر الاستراتيجيون الاسرائيليون بقلق إلى مواقع معينة في الشرق الأوسط تشكل بحكم ثقلها السكاني وتماسكها الداخلي تهديداً على المدى الاستراتيجي الاسرائيلي، وبصرف النظر عن السياسات التي تتبناها هذه البلدان تجاه اسرائيل، ذلك ان الاستراتيجية الاسرائيلية تحسب حساباً خاصاً لبلدان مثل تركيا وإيران ومصر والعراق. وليس هذا المبدأ الاستراتيجي خاصاً باسرائيل وحدها. فالبيئة الاقليمية المحيطة بأي بلد كان تتعرض لتحليل بعيد المدى عن المسئولين عن وضع استراتيجية هذا البلد. لقد حدث تبدل عميق في سياسة مصر مثلاً تجاه اسرائيل منذ العام 1956 وحتى الآن. إلا أن اسرائيل لاتزال تنظر إلى مصر بقلق شديد حتى اللحظة الراهنة. وحتى في العام 1956 فإن اسرائيل أعلنت الحرب على مصر واحتلت سيناء لأن القاهرة أممت قناة السويس، التي ليس لإسرائيل بها ناقة أو جمل. ولم تكن مصر آنذاك قوية عسكرياً إلى الحد الذي يجعل منها تهديداً مباشراً لإسرائيل. إلا أن تأميم القناة كان مؤشراً على أن مصر ستتحول ـ خلال فترة زمنية وجيزة ـ إلى تهديد استراتيجي لأمن اسرائيل. وكان الحل هو محاولة احباط هذا التهديد قبل أن يتحول إلى حقيقة واقعة. وفي حالة العراق مثلاً فإن بغداد ـ في عام 1990 ـ لم يكن لديها القدرة العسكرية الحقيقية على إلحاق هزيمة بإسرائيل في أي مواجهة عسكرية. إلا أن المسألة لم تكن القدرة العسكرية الآنية. لقد كانت هذه المسألة هي مسألة ما سوف يأتي بعد ذلك. فقد كان العراق يتقدم بسرعة خارقة على المضمار العلمي والتكنولوجي، وكان يمتلك من الموارد النفطية والمائية والسكانية ما يجعله قابلاً للتحول إلى خصم استراتيجي يعتد به. وما لبث غزو الكويت أن أتاح فرصة سانحة لوقف تقدم المجتمع العراقي، أي لتعطيل عجلة البناء الاقتصادي والعلمي، ان الهدف ـ في جوهره ـ لم يكن تدمير الجيش العراقي الذي لم يكن سيقدر على أية حال على إزالة اسرائيل ـ ذات القدرات النووية ـ من الوجود، ولكنه كان تدمير المجتمع العراقي بأكمله، أو بالأحرى فرض التخلف على مجتمع يسعى للتقدم بسرعة أقلقت الاستراتيجيين الاسرائيليين. وفيما كانت دول عربية كثيرة ترفض بحزم غزو العراق للكويت، فإن اسرائيل لم تكن لتحفل بالكويت ولو للحظة واحدة. كل ما في الأمر ان بغداد قدمت لها الفرصة التي تريدها. لقد كان هدف اسرائيل هو تدمير العراق وليس تحرير الكويت. أما الآن فإن ايران تتحرك في الاتجاه نفسه. ذلك ان نسبة من يعيشون تحت خط الفقر ـ طبقاً لاحصائيات صندوق النقد الدولي ـ في إيران انخفضت إلى 15.5% من السكان عام 1999 بعد أن كانت 47.3% في عام اندلاع الثورة. فضلاً عن ذلك، وطبقاً للاحصائيات نفسها التي لا نريد أن نثقل على القاريء بتفصيلاتها فإن معدلات وفيات الأطفال انخفضت إلى حد كبير فيما ارتفعت نسبة التعليم بقدر أكبر. ولا يشكل هذا مصدراً وحيداً للقلق بالنسبة لإسرائيل عند نظرتها إلى إيران، فثمة مصدر آخر مباشر على نحو أوضح، ذلك هو ان هناك شكوكاً عميقة في أن ايران تسعى إلى تطوير قدراتها النووية. وواقع الأمر ان الأمريكيين والاسرائيليين معاً يقولون ان الأمر قد تجاوز الشكوك، إذ انهم يؤكدون ان لديهم معلومات مؤكدة حول صحة هذا الافتراض. ويكفي ان نورد هنا واقعة واحدة وردت في بعض التقارير الأمريكية وان لم تحظ باهتمام كبير بعد ذلك رغم مغزاها العميق. فقد قيل ان الاسرائيليين نقلوا إلى واشنطن معلومات تفيد بأن إيران تبحث في الأسواق العالمية عن نوع خاص من سبائك الألمونيوم يستخدم أساساً في صناعة مكونات توربينات الغاز التي يتحتم استخدامها لتخصيب اليورانيوم وجعله ملائما للأغراض العسكرية. بعد ذلك أبلغت اسرائيل الأجهزة الأمريكية ان إيران طلبت من روسيا الحصول على هذه السبائك، وإن مفاوضات تدور بين الجانبين لاتمام الصفقة. بوش وبوتين وأدى الأمر إلى أن آثار الرئيس الأمريكي جورج بوش هذه القضية ـ بنفسه ـ خلال اجتماعه بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في 16 يونيو بأوروبا. وجاءت اثارة هذه المسألة في سياق «نقاش موسع» ـ باستخدام تعبير أوردته الصحف الأمريكية ـ حول قضية التزام روسيا بمذكرات التفاهم التي سبق أن وقعها الروس مع الأمريكيين للحد من بيعهم لأسلحة الدمار الشامل، أو لتكنولوجيا هذه الأسلحة، لدول الشرق الأوسط. وواقع الحال ان هذه القضية بالذات، أي قضية وقف انتشار تكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل، تعكس مدى صعوبة المسار الذي تسلكه واشنطن في علاقتها مع إيران. ففيما تريد الادارة الحالية تطوير هذه العلاقة، فإنها في الوقت نفسه حريصة تماماً على ألا تصل إلى الايرانيين أي تكنولوجيا عسكرية بالغة التطور. فضلاً عن هذا فإن النقاش بين بوش وبوتين حول سبائك الألمنيوم ذي المواصفات الخاصة جاء في سياق توقيع الطرفين على «مذكرة تاريخية» بشأن إيران. فقد رفع الأمريكيون تحفظاتهم على بيع موسكو أسلحة تقليدية لإيران وذلك مقابل موافقة الروس على تشكيل لجنة عسكرية فنية مشتركة بين الولايات المتحدة وروسيا تراجع مقدماً كل مكونات أي صفقة عسكرية بين موسكو وطهران. ولم تكن اسرائيل بعيدة عن هذه المذكرة على أي حال. ذلك ان فصول هذه القصة بدأت في نهاية العام الماضي حين أعلنت موسكو انها لن تواصل العمل بالاتفاق الذي أبرم مسبقاً مع واشنطن لمنع بيع أسلحة متطورة إلى بلدان الشرق الأوسط. وقال الرئيس بوتين في معرض تفسير الغاء التعهد الروسي ان مبيعات هذه الأسلحة تعد مورداً مهماً للدخل يتيح للمؤسسة العسكرية الروسية تطوير أبحاثها وصناعة أسلحة أكثر تطوراً. ويعد هذا أحد المباديء الاستراتيجية الأساسية المرتبطة بسياسة البلاد الدفاعية، حيث انها تحفظ لروسيا موقعها العسكري المتطور على الساحة الدولية. وكان اعلان بوتين لموقفه ذلك انعكاساً لموقف آخر اتخذته واشنطن خلال الأشهر الأخيرة من إدارة الرئيس كلينتون. فقد امتنعت الولايات المتحدة عن تجديد التزامها بدفع نفقات صيانة ترسانة الأسلحة النووية. وكانت هذه النفقات ـ في حقيقتها ـ ثمناً لاقناع روسيا بالكلف عن تصدير تكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل. وهكذا بدا ان هناك أزمة تتفاعل في الآفق بين الطرفين حول تطبيق اتفاقيات منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. وأدرك الاسرائيليون ان ذلك يحمل لتفوقهم العسكري النسبي تهديداً مؤكدا. فقد كانوا «سعداء» بقيام الولايات المتحدة بدفع ثمن امتناع روسيا عن بيع أسلحة متطورة إلى بلدان الشرق الأوسط. (دفعت الولايات المتحدة 5 مليارات دولار في الفترة الممتدة من 1991 وحتى 2000 إلى موسكو «لصيانة» ترسانتها النووية). كما أدرك الاسرائيليون ان انهيار هذه الترتيبات يعني «انفلات» توازن القوى العسكرية الاقليمي الذي يرجح كفتهم عن نحو واضح. مساع حميدة وهكذا شرع الاسرائيليون في بذل «مساعيهم الحميدة» بين روسيا والولايات المتحدة للتوصل إلى صيغة بديلة. واشتبك وزير الاسكان الاسرائيلي ناتان شارانسكي ـ وقد كان «منشقاً» روسياً قبل انهيار الاتحاد السوفييتي ـ في مفاوضات معقدة مع روسيا والولايات المتحدة إلى أن انتهى الأمر باقتراح الصيغة المشار إليها، أي السماح بتصدير قدر من المعدات والأسلحة التقليدية إلى الشرق الأوسط مقابل فرض رقابة أمريكية للتأكد من أن هذه الصادرات لا تضمن أسلحة الدمار الشامل. إلا أن موسكو رفضت ذلك في البداية. فمثل هذه الرقابة تعد تدخلا في سياستها على نحو مباشر. ووضع الاسرائيليون رزنامة من الضغوط والاغراءات لحمل روسيا على قبول الصيغة كان أهمها هو استعداد اسرائيل لإشراك موسكو في عدد من صفقاتها العسكرية المهمة مع دول أخرى لتعويضها عما ستفقده من موارد محتملة من مبيعاتها الشرق أوسطية. واقترح الاسرائيليون اشراك موسكو في صفقة لبيع طائرات الانذار المبكر من طراز «فالكون» ـ المزودة برادارات أمريكية بالغة التطور ـ للهند وذلك على أساس وضع الرادارات فوق طائرات إليوشن روسية، ولم يظهر الامريكيون معارضة لهذا «المنطق» وإن كانوا يدرسون الاقتراح حتى الآن. وكانت واشنطن قد آثارت أزمة كبيرة مع الاسرائيليين عندما علمت بأن تل أبيب تنوي بيع طائرات «فالكون» إلى الصين التي تعتبرها الولايات المتحدة مصدراً لخطر عسكري محتمل. وهكذا انتهى الأمر بقبول موسكو للمقترحات الاسرائيلية، ومن ثم الامتناع عن بيع تكنولوجيا عسكرية بالغة التطور تتصل بأسلحة الدمار الشامل إلى إيران أو سوريا أو ليبيا أو أي مشترين آخرين في الشرق الأوسط. مع قبولها فقط لصفقات الأسلحة التقليدية. واعتبر الاسرائيليون ذلك نجاحاً دبلوماسياً كبيراً. الكعكة الكبيرة أما الأسباب التي تدفع الادارة الأمريكية إلى السعي نحو تحسين علاقاتها مع طهران فإنها متعددة حقاً، إلا أن من بينها ثلاثة أسباب أيضاً تتصدر قائمة دوافع هذا الاتجاه. السبب الأول نفطي، ويتلخص في رغبة الشركات النفطية الأمريكية في دخول مضمار الطاقة في إيران، وهو مضمار سيشهد نحو 20 مليار دولار من الاستثمارات حتى نهاية هذا العقد. انها «كعكة كبيرة»، وليس بوسع الأمريكيين تركها للشركات الأوروبية بسهولة. فضلاً عن هذا فإن معدلات التزايد في الاستهلاك العالمي للنفط الآن تمضي بخطى أسرع من معدلات زيادة الانتاج. ويعني ذلك اننا على موعد مع أزمة لاحقة لابد أن تأتي في لحظة ما. ولابد لمثل هذه الحسابات من أن تجعل الولايات المتحدة ـ صاحبة أكبر اقتصاد في العالم ـ تعد العدة لذلك بالعمل على اكتشاف المزيد من النفط، ورفع الطاقة الانتاجية المتاحة في العالم الآن بسرعة، وكان من المنطقي أن يضعف كل ذلك موقف المتمسكين بفرض عقوبات على دول نفطية أساسية. السبب الثاني هو ان الولايات المتحدة أدركت انه ليس بوسعها الحفاظ على صيغة مستقرة لأمن الخليج ما لم تشتبك في حوار ما مع إيران. ذلك انه لا يمكن اعتبار أحدى القوى الاقليمية المؤثرة في ذلك الاقليم وكأنها «غير موجودة»، أو استعداؤها على نحو يجعلها في حالة استفزاز دائم. من جهة أخرى فإن الولايات المتحدة تحتاج أيضاً إلى كل ما بوسعها أن تحصل عليه لمواصلة حصار العراق وبرنامجه المقلق لتطوير أسلحة للدمار الشامل. السبب الثالث يرجع إلى رغبة واشنطن في دعم الاتجاهات الاصلاحية في إيران ليس لإنها «تحب» الاصلاحيين، ولكن لانها ترى في اهتمامهم بإدخال قدر من الانفتاح إلى إيران إبعاداً لاتجاهات أخرى متشددة قد تفضل ذات يوم أن تتبنى سياسات عسكرية مغامرة تهدد أمن الخليج الذي يعد أهم المناطق الاستراتيجية ذات الصلة بالمصالح الأمريكية في العالم. ويعتقد الأمريكيون ان الوقت قد أزف للتخلي عن سياسة حصار إيران في المحافل الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وذلك لدعم الاتجاه الاصلاحي للأسباب المشار إليها. قانون العقوبات وهكذا، ونظراً لأن اسرائيل كان لديها أسبابها لمنع واشنطن من التقارب مع إيران، ولأن الولايات المتحدة كان لديها أيضا أسبابها للتقدم على طريق هذا التقارب، فإن ذلك الطريق شهد صدامات لا تخلو من الطرافة، كان آخرها الموقف من تجديد قانون العقوبات الايرانية الليبية الذي أصدره الكونجرس الامريكي عام 1996 والذي ينص على معاقبة أي شركة في العالم تستثمر في قطاع الطاقة بأي من البلدان ما يزيد على 40 مليون دولار. تقارير واشنطن تفيد بأن الادارة أجرت اتصالات مكثفة مع اللوبي الاسرائيلي بهدف اقناعه بوقف معارضته لرغبة البيت الأبيض في عدم تجديد القانون، ورغم اعراض البيت الأبيض عن دعوة ياسر عرفات إلى واشنطن، وهو إعراض ناجم جزئياً عن الحاح اللوبي الاسرائيلي على عدم دعوة عرفات، ورغم دعوة شارون ـ في المقابل ـ مرتين للقاء بوش، في سابقة هي الاولى من نوعها خلال هذه الفترة القصيرة، فان اللوبي قرر الا يسحب معارضته لالغاء قانون العقوبات، ذلك ان نجاح الادارة في الغاء العقوبات ـ وهو مطلب ايراني ايضا ـ يعني تخلي اسرائيل عن «قاعدتها الذهبية»، لا دخول إلى الشرق الاوسط، دون ضوء اخضر اسرائيلي، ولا دخول إلى واشنطن ـ من قبل اي دولة في المنطقة ـ بدون موافقة الحكومة الاسرائيلية. كانت هذه القاعدة على درجة من الاهمية لاتسمح بالتخلي عن تطبيقها بسبب اعتبارات «مرحلية» فضلا عن ذلك فان ايران والولايات المتحدة لم يدفعا اي ثمن لاسرائيل مقابل تلك الخطوة المقترحة، وهكذا قرر اللوبي ان يرفض طلب الادارة وذلك بعد اجراء حسابات سياسية معقدة تضع في اعتبارها نتائج ذلك. وحسب الاسرائيليون الموقف على اساس ان هدف جورج بوش الاول الان هو ان يبقى في البيت الابيض لفترة رئاسة ثانية، وانه عدل كثيرا من عشرات القضايا التي تبناها كي لا يوثر سلبا على امكانية تحقيق هذا الهدف، فقد غير موقفه من القاعدة العسكرية في بورتوريكو حتى لا يغضب الناخبين من اصل اسباني، وعدل موقفه من مشروع «وثيقة حقوق المرضى»، التي لها انعكاسات تأمينية كبيرة كي يتجنب اثاره حفيظة الناخبين ممن هم فوق الستين من عمرهم.. وهكذا. ويعني ذلك ان الرئيس الامريكي لن يتمكن الان من الاقدام على خطوة كبيرة قد تهدد موقعه في صفوف الجالية اليهودية ذات الممولين الكبار، وبما لها من دور مؤثر في صياغة مواقف اجهزة الاعلام الامريكية، رأى اللوبي اذن ان مخاطر رفض طلب الادارة تعد مخاطر محدودة لا تبرر تعديل موقفه من القانون، فأبلغ الادارة برفض تخليه عن التجديد لذلك التشريع فترة خمس سنوات اخرى. قامت الادارة في تلك اللحظة بخطوة في اتجاه البحث عن حل وسط، فقد اقترحت تقصير فترة تجديد القانون إلى عامين فحسب، الا ان اللوبي رفض ذلك، فقد كانت حساباته السياسية قد انتهت، وعملية «جمع المعلومات» التي يقوم بها لتقييم الموقف المحتمل للادارة في حالة اصراره على موقفه قد انتهت، ولم يجد اللوبي سببا للقبول بالحل الوسط الذي اقترحه البيت الابيض. وذهب الطرفان إلى ساحة النزال، أي إلى لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، وفي العشرين من يونيو بدأت جلسة اللجنة للنظر في مشروعين بقرارين، الاول يوافق على مد القانون لمدة خمس سنوات، أي مشروع اللوبي الاسرائيلي، والثاني يوافق على مده لمدة سنتين فقط، أي مشروع الادارة، وانته التصويت بهزيمة الادارة 34 إلى 9. ويقول الاسرائيليون انهم «مطمئنون» الان إلى ان مشروعهم سيحظى بأغلبية كاسحة في مجلس النواب عند عرضه على المجلس بكامل هيئته، كما ان لديهم 75 صوتا «مضمونين» في مجلس الشيوخ ذي المقاعد المئة، وهكذا وضع الاسرائيليون «العقدة في المنشار» كما ارادوا بالضبط، وعلى الادارة ان تتعامل مع الوضع على نحو ما هو عليه. فكيف ستتعامل الادارة اذن مع هذا الموقف الصعب؟ أمام الرئيس بوش ونائبه تشيني خيارات محدودة للغاية، وذلك بسبب الفترة الزمنية القصيرة الباقية حتى موعد التصويت النهائي على القانون في اغسطس، فإما القبول بالأمر الواقع، اي القبول بتجديد القانون لمدة خمسة أعوام أخرى مع محاولة توسعة حق الادارة في اعطاء «استثناءات» لبعض الشركات الأمريكية كما فعل الرئيس السابق بيل كلينتون مع بعض الشركات تحت ضغوط مكثفة من الاتحاد الأوروبي، واما تجديد الاتصال باللوبي في محاولة للتفاوض حول الثمن المطلوب مقابل تخلي اللوبي عن معارضته. انه موقف ساخر حقاً .. فحكومة أقوى دول العالم لا تستطيع تمرير قانون صغير يتعلق ببلد بعيد من شأنه ان يخدم مصالح الولايات المتحدة بصورة مباشرة، ولعل لحظة تصويت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب على هذا القانون تكشف لبعض الامريكيين اللذين يعجزون عن رؤية «الجانب الهزلي» فيما يحدث كيف وقعت قرارات وسياسات حكومتهم رهينة لقوة خارجية. فإذا امتنعت الادارة عن دفع الثمن المقترح، أياً كان فإن ذلك لابد أن يقود الى تجديد القانون لمدة خمس سنوات أخرى، وبوسع الادارة وقتها ان تبحث عن سبل خلفية، بعيدة عن الكونجرس الاسرائيلي، كي تتابع تطوير سياسة تعكس أولاً المصالح القومية للولايات المتحدة. وأغلب الظن ان أي مفاوضات بين الادارة واللوبي حول «انقاذ» الحل الوسط ـ أي حل السنتين» لن تؤدي الى ان نتائج تذكر. فقد تبلورت مواقف أغلب أعضاء الكونجرس بعد الجهود المثكفة التي بذلها اللوبي في هذا السياق. فضلاً عن هذا فإن رعب الارهاب الذي عاشه الأمريكيون اعتباراً من يوم الثلاثاء 11 سبتمبر أوجد مناخاً لاتستطيع فيه الادارة ان تتابع سياستها بسهولة. قضية تفجير الخبر وواقع الحال ان اللوبي تلقى دفعة قوية من اعلان قرار الاتهام في قضية تفجير الخبر بالمملكة العربية السعودية في العام 1996، فقد ادانت هيئة محلفين عليا في فيرجينيا 13 مواطناً سعودياً، ولبنانيا واحدا في هذه القضية التي بها ايضا مناورات سياسية لا حصر لها، فقد ارادت الادارة تجنب توجيه الاتهام لعدد من المسئولين الايرانيين في وزارة المخابرات بطهران، وفي الحرس الثوري الايراني، وكانت أجهزة مكتب التحقيقات الفيدرالي قد حصلت بالفعل على أدلة لتوجيه هذا الاتهام للمسئولين، بالاسم، فقد اعترف بعض المتهمين السعوديين بالدور الذي قام به هؤلاء المسئولون في عملية التفجير. رغم ذلك حرصت الادارة على ألا يطالب الادعاء بادراج اسماء المسئولين في قرار الاتهام، ذلك ان توجيه اتهام رسمي لهم يعني ضرورة اعتقالهم حال خروجهم من ايران الى دولة ترتبط باتفاقية لتبادل المطلوبين مع الولايات المتحدة، كما انه سيترك «قضية معلقة» بين البلدين تشبه قضية مطالبة واشنطن بتسليم اثنين من الرعايا الليبيين، بدعوى مشاركتهما في تفجير طائرة أمريكية فوق مدينة لوكيربي الايرلندية. الا ان اغفال الادارة لتوجيه الاتهام للمسئولين الايرانيين لم يمر بهدوء، فقد تبعته عاصفة اثارها اللوبي الاسرائيلي حول «الاشتباه» في ان الادارة حاولت «عرقلة العدالة»، فقيل مثلاً ان مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي اراد ادراج اسماء المسئولين الايرانيين في لائحة الاتهام، وان المدعي العام جون آشكروفت لم يرغب في ذلك لان الادلة لا تقدم أساساً متماسكاً لادانة هؤلاء المسئولين في أي محاكمة مقبلة حسب قول اشكروفت، وهو قول أجمع المحللون الأمريكيون تقريباً على عدم صحته. ستؤدي اذن هذه الجلبة التي احاطت بقضية الخبر الى تعقيد مساعي الادارة الأمريكية لتحسين علاقتها مع طهران، كما ان تجديد قانون العقوبات يعرقل أكثر وأكثر هذه المساعي، ومن المحتمل الآن ان هذه القضية ستتعرض للتأجيل لمدة خمس سنوات أخرى، هذا إذا ما اعيد انتخاب جورج بوش، او ان اللوبي سينجح في تمرير رسالته الى الطرفين بدفع الثمن الذي تريده اسرائيل لقاء تركها واشنطن تطبق سياسة تخدم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية!