اعتبر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي «اف .بي .آي» نبيل المرابح الذي اعتقله مؤخراً كنز معلومات لكنه أقر بمعضلة كبيرة تواجهه تتمثل في فك لغز شخصية المرابح المزدوجة، حيث قيل في المرة الأولى انه كويتي قبل ان يتبيّن انه مولود في الكويت لأب سوري وأم فلسطينية فيما توجه الشك لوجود شخصية أخرى للمرابح نفسه . وكشفت دائرة الهجرة الكندية ان المرابح كان طلب اللجوء السياسي في كندا بزعم انه ملاحق من السلطات السورية . يومها رفضوا طلبه فظل متأرجح المصير لأشهر من المماطلات القضائية، حتى صدر أمر بعد 8 أشهر باعادته الى البلاد التي جاء منها . لكنه لم يمثل أمام قاضي ضاحية ويلاند بمدينة تورونتو في ولاية أونتاريو الكندية، حيث كانوا يبتون قضائيا في أمره هناك، ليبلغه بالقرار الحزين، فاختفى المرابح عن الكنديين من وقتها، ولم يعد يظهر له أي أثر، سوى اسمه المدرج الى الآن في لائحة بالفارين من العدالة الكندية . شهور مرت، وظهر المرابح في الولايات المتحدة، مقيما ببوسطن مع فتاة تزوجها في 1996 عندما كانت بعمر 23 سنة، وفق ما ذكره ل ـ «الشرق الأوسط» أحد أنسبائه في شيكاغو، طالبا عدم ذكر اسمه، وقال إنها نفسها التي تحدثت قبل 3 أيام لمحطة تلفزيونية بشيكاغو، من دون أن تفصح عن اسمها، حين ذكرت أنها لم تعد زوجته منذ طلبت الطلاق عبر المحاكم قبل 3 سنوات، مشيرة في المقابلة القصيرة أنه حدثها في احدى المرات عن أيام قضاها في أفغانستان «وعرض عليّ صورا له هناك مع بعض الأفغان» وفق تعبيرها . وكان المرابح يعمل سائقا لدى شركة «بوسطن كاب» لتاكسيات الأجرة في بوسطن، التي واجه فيها أول مشكلة له بالولايات المتحدة، أوصلته الى المحاكم: في مايو العام الماضي ضرب فلسطينيا كان يشاركه غرفة استأجرها بالمدينة بجهاز «روموت كونترول» للتحكم بالتلفزيون عن بعد، اثر خلاف دب بينهما في الغرفة، وتطور بعد نوبة هستيريا حملته على طعن عنق حبيب عرفات، الذي يصغره بسنتين، بسكين مطبخ كان على منضدة وسط الغرفة، وفق ما قاله المطعون في الرقبة للشرطة . وذكر عرفات ما أوضح الكثير من شخصية المرابح، حين قال انه بدأ يصرخ به وهو ينزف دما بعد الطعن: «لو لم تكن هذه البلاد اسمها أمريكا، لقتلتك يا ابن ال ..» وفق الوارد في شكوى تقدم بها عرفات، وعلى أثرها طلبوا المرابح للمثول أمام محكمة في ديسمبر الماضي، ادانته بعد جلستين بالسجن 6 أشهر مع وقف التنفيذ، وحددت له موعدا بعد 3 أشهر، أي في مارس الماضي، ليستمع الى موجبات وحيثيات الحكم، الذي خشي أن تكون له توابع، ومنها الطرد من البلاد في ما بعد، فتجاهل الاشعار ولم يمثل أمام أحد، وراح يعيش في الظل بالولايات المتحدة . ولأن اسمه مدرج في لائحة المطلوبين لدى «إف .بي .آي» فقد سعوا وراءه بعد تفجيرات واشنطن ونيويورك الثلاثاء قبل الماضي، كواحد من الملاحقين، خصوصا أن لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي معلومات غير أكيدة عن علاقة له سابقة بأنصار لابن لادن في الأردن، فتوجهوا صباح الاثنين الماضي الى شقة من غرفة واحدة كان قد استأجرها في ضاحية بشمال ديترويت بعد الوصول اليها من بوسطن منتصف الشهر الماضي، حيث أقام بضعة أيام عند عمه، هشام جواد المرابح، قبل استئجارها مع 3 شبان من الجزائر والمغرب، اتفق معهم أن يساهم الواحد منهم معه بمبلغ 200 دولار شهريا من ايجارها. وفي الشقة التي داهمها رجال «إف .بي .آي» عثروا على الشبان الثلاثة مقيمين في البلاد بوثائق وتأشيرات دخول مزورة، ومعهم في الغرفة ما يثير الفضول: رسومات وخرائط، منها واحدة تفصيلية عن مطار ديترويت، وثانية لقاعدة أمريكية في تركيا، وثالثة عن مطار عاليه الأردني بعمّان، مع صور لوزير الخارجية الأمريكي، كولن باول، كبيرة . الا أن المرابح لم يكن معهم هناك، لأنه ترك الشقة .طبعاً، اعتقلوا الشبان الثلاثة المقيمين في الشقة، وهم: أحمد حنان، البالغ عمره 33 سنة، وكريم كبريتي، الذي يصغره بعشر سنوات، وفاروق علي حمود، الأصغر من الكبريتي بعامين، وراحوا يستخرجون منهم معلومات، لم يتضح منها الى الآن سوى أن المرابح كان جوالا في السنوات الخمس الأخيرة بالتسلل، خارجا من الولايات المتحدة الى كندا، وبالعكس، وبمهارة فائقة في كل مرة، الى أن وقع في الفخ في يونيو الماضي، حين عثر عليه حرس الحدود الأمريكي عند جسر «لويستون» الشهير على الحدود مع كندا، وهو مختبئ داخل شاحنة كانت تقل جرارا زراعيا، ينوي التسلل كعادته الى الأراضي الأمريكية، وهو مزود بجواز سفر كندي مزور وبطاقة هوية كندية مزورة أيضا، فأعادوه من هناك ثانية الى الكنديين. وهناك حقق معه رجل أمن، وضم لملفه لدى دائرة الهجرة الكندية ما جرى بينهما من حوار أثناء التحقيق، وفيه ذكر أن المرابح صرخ به في لحظة هستيريا وغضب: «اذهب الى الجحيم يا ابن ال .. دعني أموت في الزنزانة اذا أردت، فهذا أفضل لي» ولا يهمني، أو أعيدوني الى السودان يا أبناء ال ..» في اشارة دلت على أنه جاء في 1994 الى كندا من الخرطوم، التي كان ابن لادن مقيما فيها ذلك الوقت، قبل أن يغادرها في 1995 الى أفغانستان «حيث من المعتقد أنه تلقى تدريبات في معسكر لابن لادن بالسودان، أو في أفغانستان في ما بعد» كما نقلت وكالة أسوشييتد برس عن مصدر أردني قبل 3 أيام . وظل المرابح معتقلا لأسبوعين في كندا حين أعاده الأمريكيون اليها بعد محاولته التسلل، وأعلن خلالهما الاضراب مرة عن الطعام ثم تراجع بعد يومين حين تدخل خال له، اسمه أحمد شهاب، كان يسكن في مدينة تورونتو بولاية أونتاريو، ودفع كفالة مصرفية في يوليو الماضي قيمتها 7 آلاف و 500 دولار، فأطلقوا سراحه الى حين البت في أمره، مشروطا بأن يمثل أمام دائرة الهجرة مرة في الشهر وأن يبقى مقيما عند الخال الذي يعمل أحيانا إمام مسجد ويملك محلا للقرطاسيات . الا أنه اختفى منذ أول موعد مثول أمام دائرة الهجرة، فأصدروا مذكرة باعتقاله، وعلى أثرها ثار غضب ستوكويل داي، زعيم حزب الرابطة الكندية، بسبب اطلاق السلطات سراح رجل بمثل هذه السوابق، وكرر ثورته منذ يومين حين أعلن أنه يملك معلومات أكيدة، لم يفصح عن مصدرها، عن علاقة للمرابح باثنين على الأقل من القائمين بالتفجيرات «وكان معه رقما هاتفيهما في الولايات المتحدة، كما أن اسمه ورد أثناء محاكمة مرتبطين مع بن لادن في الأردن قبل عام» على حد تعبيره أمام مجلس النواب الكندي، في اشارة منه الى رائد حجازي، السجين في الأردن الآن بعد ادانته بالتخطيط لتفجير فندق يقيم فيه سياح أمريكيون واسرائيليون مطلع العام الماضي بعمان، طبقا لاعترافات حجازي، المتضمنة اعترافه بأنه تلقى تدريبات على صنع القنابل في معسكرات لابن لادن بأفغانستان . ويطابق ما قاله ستوكويل داي مع توصلت اليه تحقيقات «إف .بي .آي» من أن حجازي استخدم في فترة ما رقم الهاتف نفسه الذي كان يستخدمه انتحاري في التفجيرات الأخيرة، وهو حمزة الغامدي، الى جانب الكشف عن معاملات مالية سابقة للمرابح، وكذلك لحجازي، مع اثنين من خاطفي الطائرات الأربع، هما أحمد الغامدي وسطام السقامي، مما حمل «إف .بي .آي» على السعي وراء المرابح، حتى اعتقاله في المحل الذي يملكه الفلسطيني، وليد البيتوني، ببوربانك في ولاية اللينوي . أما جيران المرابح، الذي حصل على 5 رخص قيادة من 3 ولايات أمريكية في 13 شهرا، أولها من ميتشيجان في 11 سبتمبر العام الماضي، أي قبل سنة تماما من تفجيرات واشنطن ونيويورك، واحداها من فلوريدا قبل عامين، وآخرها قبل 3 أشهر تسمح له بقيادة شاحنات وتراكتورات متوسطة، محملة حتى بمواد خطرة، طبقا لسجلات مصلحة المرور في ميتشيجان، فيقولون إنه ظهر لهم في اليوم التالي من التفجيرات «وقد حلق لحيته التي اعتدنا على رؤيتها تدلت الى حدود حنجرته تقريبا» وفق ما بثته القناة الخامسة من محطة «إن .بي .سي» التلفزيونية في شيكاغو، نقلا عن جار له، اسمه سيف مسلم، يسكن في شقة مقابلة للتي كان يسكنها المرابح في بوربانك . فوق ذلك كله، فان متحدثا باسم «إف .بي .آي» ذكر للمحطة التلفزيونية نفسها بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي ليس متأكدا تماما مما اذا كان المرابح هو نفسه المشتبه في ارتباطه بجماعة ابن لادن في الأردن أم لا «مع أننا نملك بصمات أصابعه منذ المحاكمة في ديترويت، اذ يبدو أن هناك شخصاً آخر يحمل الاسم نفسه، ولا نعرف عنوانه ولا نملك للأسف بصماته أيضا . لكن المرابح الموجود لدينا هو كنز معلومات كبير لنا، في ما لو كان هو الذي نشتبه فيه ونبحث عنه» كما قال . الوكالات