منذ بدء الحديث عن ضربة أمريكية محتملة على عدد من المواقع التي يعتقد ان الجماعات الاسلامية المتطرفة تتحصن فيها على خلفية الهجوم الذي استهدف مدينتي نيويورك وواشنطن برز معسكر «حطاط» ، القديم في محافظة أبين جنوب اليمن كأحد المواقع التي قد تستهدفها الضربات لأن جماعة الجهاد كانت تتخذه لتأهيل وتدريب عناصرها. وبعيداً عما إذا كان الموقع سيدرج فعلاً في قائمة الأهداف الأمريكية أم لا، إلا أن المكان لايزال يحتفظ بدلالة كرمز للتمرد واحتضان الثأرين منذ مطلع السبعينيات وحتى اليوم، إذ كان مركزاً لتدريب كوادر المنظمات الثورية اليسارية في العالم قبل أن يتحول إلى مأوى حصين للاسلاميين. والمعسكر الذي أنشيء في منطقة جبلية وعرة يطلق عليها جبال المراقشة ولا تبعد عن مدينة عدن أكثر من مئة كيلومتر ظل ومنذ استقلال جنوب البلاد ملجأ للمتمردين على الأنظمة داخل البلاد وخارجها. فقد احتضن أتباع الزعيم الصيني «ماو» اثر قرار الجبهة القومية في مطلع السبعينيات اعتماد النهج الماركسي أساساً للحكم قبل أن يتحول في عام 1974 إلى معسكر نموذجي يأمه عشاق الثورة الفلاحية العمالية في شتى بقاع العالم، فوجد هناك أفراد من الجيش الأحمر الياباني ومن منظمة «ايتا» الاسبانية إلي جانب مناضلين من أمريكا الجنوبية كالشهير كارلوس أو كوادر مقاتلي الثورة الفلسطينية بقيادة وديع حداد. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي ومغادرة هؤلاء معاقلهم وهيمانهم في البلدان خوفاً من الملاحقة أو في لحظة انكسار كانت المنطقة موعودة مرة أخرى بثائرين من طراز جديد، فقد تحولت تلك المعاقل مع الوحدة اليمنية إلى مركز متقدم للجماعات الاسلامية والعائدين من أفغانستان خصوصاً تنظيم جيش ابين عدن الاسلامي الذي دعم من الشطر الشمالي سابقاً بهدف ضرب نظام الحكم الماركسي في الجنوب وبمباركة أمريكية. وإذا استخدمت هذه الجماعات في الصراع السياسي بين حزبي الاشتراكي والمؤتمر الشعبي فقد كان ظاهراً ضلوع أفرادها في حملة الاغتيالات التي طالت ناشطي الحزب قبل أن تدخل كطرف في حرب صيف 1994 التي انتهت بإزاحة الاشتراكي وضرب قوته العسكرية وتحول التحالف إلى مواجهة. وإذ مثلت حادثة اختطاف السواح الأجانب نهاية عام 1998 حالة الفراق البين بين السلطة والجماعة الاسلامية فإنها أعاد معكسر «حطاط» إلى الواجهة وحولته إلى محور للاتصالات بين المحتضنين من أفراد التنظيم وقيادات الدولة والتي أفضت بعد ذلك إلى الاتفاق الشهير الذي باركه الرئيس علي عبدالله صالح وتم بموجبه استيعاب عدد كبير من عناصر جماعة الجهاد في مؤسسات الدولة وترتيب أوضاعهم الوظيفية أملاً في البدء بحياة جديدة. ولما كان الاتفاق ينص على اخلاء معسكر «حطاط» ووقف كل الأنشطة السياسية فإن الجدل تفاعل داخل قواعد التنظيم التي اتهمت القيادة بالخيانة والتنكر للمباديء. وحتى حادثة الهجوم على المدمرة الأمريكية «كول» في ميناء عدن كان بمقدور المسئولين المباهاة بقدرتهم على احتواء الجماعات الاسلامية وترويضها بدلاً من التصادم معها. إلا أن ما حصل في خميس الثاني عشر من ذلك الشهر واليوم الذي يليه حين هاجم استشهاديون المدمرة «كول» وقام آخران بالهجوم على مبنى السفارة البريطانية بصنعاء أعاد الحديث عن فاعلية ما تم الاتفاق عليه خاصة وان معظم المتورطين في الحادثين هم ممن تم احتواؤهم داخل أجهزة الدولة.