لم يفارق المحرر الدبلوماسي لصحيفة «التايمز» اللندنية الحقيقة عندما قال ان أفضل أماكن الاختباء للملاحقين بتهم الارهاب هي أوروبا الغربية بالرغم من حملة التحريض العنصري ضد العرب، التي تسعى بعض الصحف لتطويقها في لندن. وتعود سمعة بريطانيا كملاذ لعناصر نشطة لن تتسامح معها أي حكومات أخرى على الاطلاق إلى القرن 19 على الاقل فكارل ماركس كان يمكنه، على سبيل المثال، أن يجلس للكتابة في سلام وأمن في مكتبه بغرفة القراءة الفسيحة بالمتحف البريطاني بينما كانت الظروف المعيشية في الولايات الالمانية أكثر صعوبة. يذكر أنه لم يكن هناك أي نقص في الاصوات الراديكالية في بريطانيا التي رحبت بالهجمات الارهابية التي وقعت الاسبوع الماضي في الولايات المتحدة. وكان وزير الداخلية البريطاني ديفيد بلانكيت قد تعرض لضغوط لدفعه إلى التصرف ضد هؤلاء الراديكاليين، غير أن الشرطة تمكنت حتى الآن من أن تجعل ردهم يقتصر فقط على مجرد المراقبة. أما دفوع بلانكيت، والتي تردد صداها بصورة روتينية بأقلام المعلقين في الصحافة، فتتمثل في أن هؤلاء الذين أعربوا عن آرائهم ومشاعرهم ليس لهم أي تمثيل وأن اعتقالهم لن يثمر سوى عن تأجيج المشاعر سواء داخل جالياتهم أو بين الراديكاليين. وتكمن السياسة الداخلية البريطانية في محاولة تجاهل هذه العناصر في الوقت الذي تواصل فيه بلا هوادة ملاحقة الارهابيين الذين يعلمون في السر. ومع ذلك، حظي المتشددون من رجال الدين الاسلامي وتصريحاتهم وآرائهم بتغطية واسعة النطاق. ويعتبر أبو حمزة السوري المولد «43 عاما» صاحب الحظ الاوفر مع الصحافة. ويوجد مقر رئيس جمعية «أنصار الشريعة» في مسجد فينسبوري بارك شمال لندن. كان أبو حمزة قد خضع لعملية جراحية في يديه ركبت فيهما أصابع صناعية من المعدن بدلا من أصابعه التي بترت، إلى جانب، فقده إحدى عينيه نتيجة انفجار لغم أرضي في أفغانستان. وتعكس صورته الفوتوغرافية، وهو بلحيته الكثة ذات الخصلات المبرمة وطاقية الرأي صورة مشوشة ومزعجة، ليس على الأقل بالنسبة لأغلبية مسلمي بريطانيا. وفضلا عن صورته تلك، فإن تعليقاته المثيرة أثارت ردود فعل قوية. كان أبو حمزة قد قال عقب الهجمات التي تسببت في انهيار مركز التجارة العالمي وتدمير جزء من مبنى وزارة الدفاع (البنتاجون) «كثير من الناس سيكونون سعداء يقفزون من الفرحة في تلك اللحظة». ووصف الولايات المتحدة بكونها «قوة عظمى مجنونة». من ناحية أخرى، يتم بصورة مشوقة، نشر تفاصيل ماضي أبو حمزة، بما فيها الفترة التي قضاها في العمل كحارس خاص في ملهى استعراضي في حي سوهو الشهير بحاناته ومواخيره الكثيرة بلندن، فضلا عن تفاصيل زواجه من سيدة بريطانية وطلاقه منها بعد ذلك. كما لا ننسى أيضا عمر بكري محمد، وهو مؤسس منظمة «المهاجرون». وكان بكري محمد الذي نصب نفسه شيخا من جانب واحد فقد ولد في سوريا أيضا قبل 43 عاما. وكان قد طرد من المملكة العربية السعودية وطلب اللجوء السياسي في بريطانيا عام 1985. ونقل عن بكري محمد قوله تعليقا على هجمات نيويورك وواشنطن الاخيرة «عندما سمعت أحداث ما جرى في أمريكا شعرت بالسرور في بادئ الأمر». أعتقدت، أن الولايات المتحدة تتعرض لهجوم. كان شيئا مثيرا. وكان قد زعم قبل عشر سنوات مضت بأنه صلى لله ودعاه أن يهيأ شخصا ما يقوم بقتل جون ميجور رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت. وكان بكرى محمد قد دعا المسلمين أيضا إلى قتل اليهود وحث الشواذ إلى إلقاء أنفسهم من فوق مبنى ساعة بج بن. في الوقت نفسه، فإن الظروف الخاصة لبكري محمد تجذب الانتباه أيضا. ويقال إنه يعيش مع أولاده الستة على أموال الضمان الاجتماعي التي تبلغ حوالي 500 دولار تقريبا أسبوعيا، رغم أن أحدث تقارير نقل عنه نفيه ذلك. من جهة أخرى، تعتبر منظمة القاعدة التي يتزعمها ابن لادن واحدة من عدة جماعات لم تحظر الحكومة البريطانية أنشطتها إلا منذ بضعة شهور فقط. وحتى هذا الاجراء، أثار اتهامات بأن حكومة لندن معادية للاسلام. أما خالد فواز «37 عاما» فيوجد في السجن في انتظار تسليمه إلى الولايات المتحدة بتهمة علاقته بحادث تفجير السفارتين الامريكيتين في كل من كينيا وتنزانيا عام 1998، وهو الحادث الذي يرتبط بابن لادن أيضا. ويؤكد فواز براءته وينتظر البت في استئناف رفعه محاموه إلى السلطات القضائية العليا في بريطانيا. ورغم أن الشرطة كانت قد ألقت القبض على عدد آخر من أعوان ابن لادن، فإن التفاصيل في هذا الشأن شحيحة. وفي ظل هذا المناخ المحموم، هناك محاولات حتى من جانب الصحافة الشعبية لاخماد أي مشاعر معادية للاسلام. فمثلا، نشرت صحيفة ذا صن في عنوان رئيسي على صدر صفحتها الاولى في عددها يوم الجمعة الماضي مانشيت تحت عنوان «مأساة أب مسلم فقد ابنته في هجوم نيويورك، لكنه هدفا للكراهية». وقالت هذه الصحيفة البريطانية الشعبية أن سيد علي هذا «68 عاما» تعرض لكراهية عنصرية من جانب متعصبين، بينما لا تزال ابنته ساره «35 عاما» في عداد المفقودين وسط حطام مركز التجارة العالمي في نيويورك. ونشرت الصحيفة صورتي الاب وابنته بالالوان مع الموضوع. من جهتها، تؤكد الصحافة المحافظة بانتظام أن بريطانيا أصبحت «ملاذا آمنا للارهابيين»، إلى جانب نشر عبارتها المتكررة بأن البلاد تعتبر «متساهلة للغاية مع طالبي حق اللجوء». والان أصبح طالبو اللجوء السياسي، ومئات منهم يخاطرون بأرواحهم أثناء عبورهم أسبوعيا القنال الانجليزي، مثار اهتمام كبير للغاية. والسؤال الذي أصبح يتردد في كثير من الاحيان هو: هل يوجد إرهابيون محتملون بين كثير من الافغان الذين يسعون لدخول بريطانيا؟ وكان مانشيت «قائد الشرطة: بريطانيا الهدف القادم للارهاب» قد تصدر الصفحة الاولى لصحيفة ديلي ميل في عدد الجمعة الماضي، وذلك نقلا عن جون ستيفنز، أبرز رجال شرطة لندن ومفوض شرطة العاصمة. وعلل ستيفنز في حديثه مع الديلي ميل أسباب مخاوفه بأن البلاد هي الهدف المقبل إلى التحالف الوثيق لبريطانيا مع الولايات المتحدة. ودعا زعماء المسلمين الذين يتراوح عددهم بين مليون ونصف المليون ومليونين السلطات البريطانية إلى توفير حماية إضافية من الشرطة للمساجد أثناء فترات الصلاة. ولكن ورغم أنه لم تقع حتى الان سوى حفنة من الحوادث القبيحة، فإن المشاعر المعادية للاسلام لم تصل إلى درجة الغليان والانفجار بعد. وتعهد ستيفنز بنشر ألف و500 عنصر إضافة من رجال الشرطة في العاصمة خلال عطلة نهاية الاسبوع، معترفا بأن أوقاتا عصيبة تنتظر كلا من الجالية المسلمة بصفة خاصة والبريطانيين على وجه العموم. د.ب.أ