مس كل هذا الاضطراب الذي أثاره اكتشاف الصواريخ في كوبا أعلى المراتب في السلطة فقط. ولم يلاحظ أي من عملائنا الامريكيين في وزارة الخارجية أو غيرها أي شيء غير طبيعي. أما أنا فلم يكن باستطاعتي أن اشك بأي شيء: لم أكن أعلم شيئاً عن وجود هذه الصواريخ السوفييتية في كوبا. علمت بوجود أزمة في يوم الأحد 21 أكتوبر، فعند الظهر أعلمني صحافي سوفييتي أن الكثير من المراسلين تجمعوا أمام البيت الأبيض حيث اجتمعت الوزارة ورؤساء أركان الجيوش وتوقع الجميع أحداثاً هامة، ولكن لم يكن أحد يعرف ما هي تلك الأحداث، طلبت من الصحافي السوفييتي أن يحاول معرفة المزيد. ثم بعثت ببرقية قصيرة إلى المركز. بعد الظهر عقد السفير دوبرينين اجتماعاً طارئاً. وأعلم الملحق العسكري الحضور بأن القوات المسلحة الأمريكية في جنوب البلاد أصبحت في حالة الطورايء المتقدمة. وتاه الحضور في التخمينات. لم يكن الملحق العسكري أو السفير «هذا على الأقل ما زعماه فيما بعد» على علم بنصب صواريخنا في كوبا ولم تكن الصحافة الأمريكية تشير إلى شيء يسمح بتوقع نشوب نزاع. حتى أننا لم نكن نعلم باجتماعات لجنة مجلس الامن القومي. سكالي على الهاتف في 22 أكتوبر كلف جميع العاملين في السفارة السوفييتية في واشنطن بالاستعلام عن أسباب الاضطراب الغامض في البيت الأبيض. فعلت مثل الآخرين بالوسائل التي بحوزتي. لم أفكر أبداً بأن الأقدار تحتفظ لي بدور خاص جداً في هذه المواجهة النووية الرهيبة بين القوتين العظميين. في صباح يوم 22 أكتوبر جلست في مكتبي في السفارة وفكرت ملياً محاولاً إيجاد اتصال أمريكي قادر على مساعدتي في مهمتي. من الذي قد يكون على علم بما يتم حبكه في المكتب البيضاوي؟ رن جرس الهاتف وقطع علي تفكيري. كان المتصل جون سكالي. كان يدعوني إلى الغداء في مطعم اوكسيدنتال. جاء ذلك في وقته. كان اسمه من ضمن الذين فكرت بهم أولاً. قبلت الدعوة على الفور. سألني سكالي: «الساعة 13 هل يناسبك ذلك؟» كان باستطاعتي الانتظار حتى ذلك الحين. «حسناً» أجاب: «جيد سأراك لاحقاً إذن». كنت أعرف جون سكالي منذ عام ونصف العام. كان معلقاً في مجال السياسة الدولية لدى شبكة اي بي سي. كان يقدم البرنامج الأسبوعي أسئلة وأجوبة الذي كان يتابعه الكثيرون. لم تكن أهم الشخصيات السياسية تكره الظهور في ذلك البرنامج. كان سكالي من بوسطن وكان مقرباً من جماعة كيندي كما كان يعرف الرئيس الامريكي شخصياً. كان أيضاً صديقاً مقرباً من وزير الخارجية دين راسك الذي كان يرافقه في جميع زياراته الرسمية تقريباً. تعرفت عليه في حفل استقبال. كنت أعلم من يكون لأنني رأيته على شاشة التلفزيون. عرفني عليه ميخائيل ساجاتليان مراسل وكالة تاس الذي كان يعمل أيضاً معنا ويعرف الجميع في واشنطن، تحدثنا لحوالي نصف ساعة. وبصفته صحافياً كان سكالي يقوم «بتغطية» البيت الأبيض ووزارة الخارجية والبنتاجون ومجموعة الاستخبارات. كان مهتماً مثلي تماماً بالبقاء على اتصال. كنا منذ ذلك الحين نتقابل بانتظام. كان كل منا يستفيد على طريقته. كنت أنا الاتصال الممتاز في سفارة الاتحاد السوفييتي لصحافي مشهور. كنت أشرح له بعض مظاهر السياسة السوفييتية التي لم تكن معروفة كثيراً. وكان هو يعلمني الكثير عن الحياة والعادات في دهاليز السلطة. كان جون شخصاً مفرطاً في الحيوية ولم يكن من الصعب دائماً الحصول على معلومات منه. كان يكفي تركيز الحديث على الموضوع الذي يهمك وأن تقول له في لحظة معينة: «ولكن هذا ليس صحيحاً!» على الفور كان يغتاظ بلا داع فيبادر إلى القول: «كيف تقول ان هذا ليس صحيحاً؟ أستطيع ان أقول لك أن معلوماتي من مصدر مباشر. عقد الاجتماع يوم الثلاثاء الماضي في الساعة 16 وباستطاعتي أيضاً أن أحدد لك الطابق الذي عقد فيه. إنه الحادي عشر!» مع مرور الزمن أصبحت علاقاتنا حميمة. كان كل منا يهاتف الآخر في منزله وينادي الآخر باسمه المجرد. على الرغم من ذلك كان كل منا يلتزم الحذر. سكالي يعرف حتماً من أكون. وفي الحقيقة كنت قد جئت إلى واشنطن بصفتي مستشاراً هادئاً في السفارة ولكن الأف بي آي « لم أكن اعلم بذلك في ذلك الحين» كان يشك بي. ومن جهتي كنت أشك بأن لجون اتصالات جيدة في الاستخبارات الامريكية ولكن ربما ليس مع السي آي أيه. كان سكالي يلمح غالباً إلى جهاز الاستخبارات الخاص بوزارة الخارجية الأمريكية وهنا بالتحديد كان يحط فحوى حديثنا. كان مطعم أوكسيدنتال يقع في جادة بنسلفانيا بجانب فندق ويلارد.لم يكن مطعماً شديد الفخامة ولكنه كان يحمل طرازاً معيناً وكان زبائنه من كبار الموظفين ورجال الأعمال والمحامين والصحافيين... وإن كان مفرش الطاولة هو الذي يسمح بالتمييز بين المطعم ومحلات الوجبات السريعة فلقد كانت لدى الاوكسيدنتال مفارش بيضاء ومصنوعة من القماش أيضاً. عندما وصلت، كان سكالي قد وصل قبلي وكان يبدو عليه الاضطراب. كان متوسط القامة وأصغر مني سناً بقليل. كان الصلع قد بدأ يغزو رأسه كان الذكاء يشع من عينيه كما كان يملك حيوية سكان الجنوب. انطلق من دون مقدمات في حديث حول عدوانية خروشوف. في فيينا وبدلاً من التفاوض حاول الزعيم الروسي ان يفرض على كيندي رؤيته لمشكلة برلين الغربية. وها هو هنا يهدد الولايات المتحدة بهجوم نووي انطلاقاً من كوبا. أجبت أن واشنطن تسعى جاهدة لإحاطة الاتحاد السوفييتي بشبكة من القواعد العسكرية وأنها ترسل الطائرات التجسسية لتحلق فوق أراضينا وأنها تحاول الآن الإطاحة بحليفنا فيدل كاسترو. وأنه يحق لنا اتخاذ الإجراءات اللازمة لندافع عن أنفسنا ولنضمن أمن الكوبيين. طغى الانفعال على الحديث، بالإضافة إلى أن سكالي كان يبدو على عجلة من أمره. فقبل مغادرة المطعم أخبرني أن الرئيس كيندي سيوجه خطاباً مهماً للامة وسيتحدث فيه عن إجراءات اتخذتها إدارته ضد الاتحاد السوفييتي وكوبا. قبل إلقاء خطابه اتخذ الرئيس كيندي جميع الترتيبات التي تفرض نفسها. تم إعلام حلفاء واشنطن بقراره. استدعي المسؤولون في الكونجرس لحضور اجتماع خاص. انطلقت في البحر أكثر من 300 سفينة تابعة للبحرية ولكن دون أن تتلقى الأوامر «بالحجر». وأرسلت ثلاث كتائب من البحارة لتعزيز القاعدة الأمريكية في جوانتانامو وانتقلت حالة الطوارئ إلى حالة الطواريء المتقدمة بالنسبة لجميع القوات المسلحة. وبعد عدة دقائق فقط من بداية خطاب الرئيس الأمريكي كان باستطاعة قوة نووية أن تضرب الاتحاد السوفييتي بالصواريخ وبعشرين قاذفة استراتيجية. وفي اللحظة التي تحدث فيها الرئيس مع الأمة أقلعت طائرات قتالية تابعة لسلاح الجو باتجاه خليج المكسيك لتكون على مقربة من كوبا إذا حاول كاسترو أن يوجه رداً عسكرياً. أمام الشاشة الصغيرة خلال السبع عشرة دقيقة التي استمر فيها الخطاب التصقت أمريكا بكاملها أمام الشاشة الصغيرة. أعلن كيندي أنه تأكد بطريقة لا تقبل الشك بأن الصواريخ الهجومية تنصب في كوبا وأنها قادرة على توجيه ضربات نووية ضد نصف الكرة الأرضية الغربي بكامله، وبغية منع هذه الاستعدادات الهجومية أمر الرئيس بفرض حجر صارم على جميع شحنات المعدات العسكرية باتجاه المرافئ الكوبية، وبأن تقوم السفن الحربية الأمريكية بإيقاف أية سفينة تتوجه نحو الجزيرة. ومن ناحية أخرى تستمر مراقبة الاستعدادات العسكرية الكوبية وفي الختام يعتبر إطلاق صاروخ نووي من كوبا باتجاه أية دولة أخرى في نصف الكرة الغربي على أنه اعتداء ضد الولايات المتحدة ويسفر عن أعمال انتقامية مناسبة ضد الاتحاد السوفييتي. كانت القوات المسلحة في الولايات المتحدة في حالة تأهب كما عرض على مجلس الأمن في الأمم المتحدة مشروع قرار يطالب بانسحاب الصواريخ السوفييتية وتفكيك منصات الإطلاق. أكد كيندي أن الحجر ليس سوى الخطوة الأولى وأنه اصدر الأوامر للبنتاجون بمواصلة الاستعدادات العسكرية. وتلقى وزير الدفاع الأمر بتشكيل وحدة تدخل مكونة من 250000 من المشاة و90000 بحار ومظلي. قبل بث الخطاب أرسلت نسخة عنه إلى موسكو . خروشوف الذي كان يجهل حتى ذلك الحين بأن الأمريكيين على علم بالموضوع أصيب بثورة غضب لا تنسى. لم تكن موجهة فقط ضد هذا الحجر الذي اعتبره عملاً حربياً. انصب غضبه أيضاً على الجنرالات السوفييت الذين لم يعرفوا كيفية إخفاء عملية نصب الصواريخ. كان أول رد فعل لخروشوف إصدار الأوامر إلى السفن المتوجهة إلى كوبا بعدم التوقف. وكان الثاني توجيه رسالة جافة للغاية إلى كيندي: «بكل نزاهة أقول إن الإجراءات المحددة في بيانكم تشكل تهديداً خطيراً لسلام الشعوب وأمنها. نؤكد من جديد أن الأسلحة الموجودة في كوباً أياً كان نوعها هي فقط لغايات دفاعية. آمل ان تبرهن الولايات المتحدة على التعقل وتعدل عن الأعمال التي باشرتم بها والتي قد يكون لها نتائج خطيرة على السلام العالمي». لم يؤثر رد فعل خروشوف في شيء على الاستعدادات المقررة. ففي 23 أكتوبر نال قرار كيندي موافقة منظمة الدول الأمريكية. وفي مساء اليوم ذاته قامت تسعون سفينة تابعة للبحرية بمحاصرة كوبا على بعد ثمانين ميلاُ بحرياً من سواحلها. كان من المقرر أن يبدأ سريان مفعول الحجر في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي. لم نكن نعلم في ذلك الحين بأنه قد تم نصب 42 صاروخاً مزودة بشحنات نووية في كوبا. كانت الصور الجوية تدل على استمرار العمل ليل نهار. كان من الممكن أن تصبح المنصات قابلة للاستخدام بين ليلة وضحاها. شكلت طائرات يو 2 مصدر استخبارات خطيراً عن الاستعدادات العسكرية لدرجة أن لجنة مجلس الامن القومي قرر أن الجزيرة ستتعرض للقصف على الفور إذا اسقط الكوبيون إحدى هذه الطائرات. في يوم الجمعة 24 أكتوبر وللمرة الأولى في تاريخ أمريكا انتقلت حالة الطورائ في الجيش إلى المرحلة الاكثر تقدما وهي أعلى درجة قبل حالة الحرب. وجرى تبليغ القوات الاستراتيجية الأمريكية في جميع القارات بهذه الأوامر علناً بشكل متعمد لكي يدرك السوفييت جدية النوايا الأمريكية. وأصبح بالإمكان شن هجوم على كوبا أو على الاتحاد السوفييتي في أية لحظة. في المساء وصلت رسالة جديدة من خروشوف إلى البيت الأبيض. كانت اللهجة قاسية: «سيدي الرئيس. انتم لا تصدرون أمراً بالحجر وإنما بالإنذار النهائي وتهددوننا باستخدام القوة إذا لم نرضخ لمطالبكم، لا. لا يمكنني أن أقبل ذلك وأعتقد أنك في أعماق قلبك تعرف بأنني على حق. وأنا على اقتناع بأنك لو كنت مكاني لتصرفت بالطريقة نفسها. بالطبع لن نراقب بسلبية أعمال القرصنة التي ترتكبها السفن الأمريكية في أعالي البحار وسوف نضطر إلى أن نتخذ من جانبنا الإجراءات التي نراها ضرورية وملائمة لحماية حقوقنا. ونحن نملك كل ما يلزم لهذه الغاية». بسرعة كبيرة أصبحت المراسلات بين الزعيمين مكثفة فقررا أن يتراسلا بكلمات واضحة. كان الجو متوتراً لدرجة أن بإمكان أية حادثة في البحر أو في الجو أن تتسبب في حدوث ما لا يمكن إصلاحه. ما الفائدة إذن من إهدار الوقت في كتابة الرسائل بالرموز ومن ثم حل تلك الرموز؟ كان أعضاء لجنة مجلس الامن القومي يعلمون إنهم يسابقون الزمن: فور الانتهاء من بناء المواقع يصبح خطر إطلاق الصواريخ النووية على الولايات المتحدة حقيقياً كما تزداد بالتالي قوة الموقف السوفييتي. كان على واشنطن إذن ان تمنع وبأي ثمن استخدام معدات الهجوم النووي. أصر العديد من المحيطين مباشرة بالرئيس على تنفيذ إنزال فوري في كوبا. كما رأى البعض أن الكرملين يتعمد تأخير الرد على رسائل البيت الأبيض لكسب الوقت إلى أن يصبح بالإمكان استخدام الصواريخ. وكان جون كيندي من جهته ما زال يفضل التوصل إلى حل سلمي. كان من بين أعضاء لجنة مجلس الامن القومي شخص آخر من أنصار الاعتدال: انه روبرت كيندي. كان يتطرق إلى الاعتداء الياباني على بيرل هاربر ويرى أن العالم لن يغفر للولايات المتحدة التدخل المسلح ضد جزيرة صغيرة. وأنه حتى الشعب الأمريكي سيشعر بالندم. سبق وأن أشرت إلى أن شقيق الرئيس كان متواجداً غالباً على طرف القناة شبه الرسمية التي أقامها سالينجر وبولشاكوف. وكانت خيبة أمله كبيرة. في 23 أكتوبر حضر إلى السفارة السوفييتية. لم يستطع ان يمنع نفسه من قول رأي الناس في دوبرينين الذي كذب عليه بشأن الصواريخ المنصوبة في كوبا. اعترض السفير وقال ان معلوماته تشير إلى عدم وجود أسلحة هجومية. وعلى الرغم من ذلك كانت ثقة روبرت كيندي تجاه محاوريه السوفييت ومنهم محاوروه في القناة السرية قد اهتزت بشدة. محاولة فض الاشتباك كانت المجموعة الدولية تحاول الفصل بين الخصوم، ففي 23 أكتوبر اقترح أوثانت الأمين العام للأمم المتحدة هدنة مدتها أسبوعان أو ثلاثة أسابيع: وخلال هذه الفترة يتوقف السوفييت عن تسليم الأسلحة إلى كوبا في حين يوقف الامريكيون الحجر الذي فرضوه. ولكن ذلك لم يكن يحتوي على حل لمشكلة الصواريخ التي كانت قد نصبت. وفي 25 أكتوبر رفض الرئيس كيندي العرض. وفي اليوم نفسه كلف ادلاي ستيفنسون المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة بأن يطالب علناً بتفسيرات من نظيره السوفييتي. رفض فاليريان زورين ان يرد على ذلك. وعندها عرض ستيفنسون صور الاستكشاف المكبرة. لم يكن هناك أي مجال للشك. بعد ظهر ذلك اليوم قام مكون مدير السي آي أيه بإعلام لجنة مجلس الامن القومي بأن بعض الصواريخ المنتشرة في كوبا أصبحت جاهزة للاستخدام. وارتفعت حدة التوتر. كان الكوبيون على استعداد للرد على الاعتداء، فبالإضافة إلى جيشهم كان مليون متطوع يتابعون تدريبات عسكرية. وصرح قادة الوحدات السوفييتية المتمركزة في الجزيرة أن رجالهم البالغ عددهم 43000 سيشاركون في الدفاع. اعتباراً من 26 أكتوبر زاد كيندي من وحدة الضغوط، ففي كل ساعتين كانت الطائرات المقاتلة تحلق فوق الجزيرة على ارتفاع منخفض. وفي جنوب شرق الولايات المتحدة كانت القاذفات الاستراتيجية ب 52 التي تحمل القنابل النووية تقوم بدوريات متواصلة في الاجواء وفور عودة إحداها للهبوط كانت واحدة غيرها تقلع على الفور. أثناء ذلك كان المواطنون الامريكيون يخزنون المواد الغذائية. ولجأ الكثيرون الى داخل البلاد.