اكتفت المجموعة الاوروبية بتقديم الاعتذار الادبي للدول الافريقية التي تضررت من تجارة الرق التي رافقت فجر الثورة الصناعية الغربية، وبتفكير مادي نفعي صرف جدد المتحدث باسم وزير الخارجية البلجيكي لويس مايكل، صيغة الاعتذار الفضفاضة، الخالية الوفاض، من أي التزام قانوني او مادي غربي، حيال القارة الافريقية. نسيان الهولوكوست وهكذا ستطوى صفحة موضوع الرق بعد ان اثارت جدالاً وسجالاً لعدة عقود بين المفكرين والسياسيين الذين كانوا يطمحون ان يخضعوا الكبرياء الغربي، او ان يبتزوه، كما ابتزه الصهيونيون الذين استدروا منه التعويضات والتبرعات وموقف العطف والدعم، لقاء حادث الهولوكوست، الذي ابقوه حياً في الذاكرة الغربية وظلوا ينعشونه تباعاً ببرامج الاعلام، والتعليم، ومشاهد المتاحف الضخمة التي تحمل آثاره الدامية. ولم يكن تاريخ الرق الافريقي بأقل مأساوية وفجائعية، ولا اقل آثاراً على المدى الطويل، من آثار حادث الهولوكوست، بل كان «هولوكوستا» مزدوجاً لان الاوروبيين الذين غزوا امريكا «قالوا انهم اكتشفوها!» قاموا بابادة سكانها ممن سموهم بالهنود الحمر، واقتلعوا الافارقة من قارتهم وزرعوهم هناك، ليكونوا الآلات المستخدمة في تعمير الارض، بعد ان استعصى تطويع الهنود الحمر لذلك الغرض. وفي فترة ما اصبح ثلث سكان الجنوب الامريكي من السود وحتى اليوم فإن اكبر دولة في العالم، من حيث عدد مواطنيها السود توجد في امريكا، لا في افريقيا، وهي البرازيل وكفى بذلك دليلا على حجم ذلك الاقتلاع التاريخي للسود من قارتهم الأم. لم تكن افريقيا متخلفة كثيرا عن اوروبا، التي كانت قد بدأت للتو ثورتها الصناعية، حيث كانت هناك ممالك وامارات اسلامية متطورة على سواحل افريقيا الغربية ومما يذكر ان سكان تلك السواحل كانوا قد اكتشفوا امريكا قبل ان يكتشفها الاسبان وقد اثبت البحث التاريخي تلك الحقيقة حديثا، ولكن لان افريقيا لم تدخل عصر الثورة الصناعية، فإنها لم تستفد اي فائدة تذكر من اكتشافها لأمريكا، ولم تحس بأي حاجة تدعوها للتعامل الاقتصادي مع ذلك الصقع البعيد، وبقيت مكتفية بحالة الرغد الهانيء التي عاشتها، وكما يذكر المؤرخ فروبنيوس فإن التجار الاوروبيين الذين كانوا يزورون غرب افريقيا خلال العصور الوسطى، كانوا لا يكفون عن ابداء مشاعر الدهشة لما رأوا من دول عظيمة، منظمة تنظيماً جيداً، وملوكا اقوياء، وصناعات غنية، وقوم متحضرين متعلمين اثرياء، يلبسون الملابس الناصعة، وملابس الحرير، ويتجولون في شوارع معتنى بها جيدا، تمتد على جانبيها الاشجار والحقول لعدة فراسخ! كانت اكثر تلك الممالك اسلامية الطابع، كانت لغتها العليا هي العربية، وازدهرت فيها مختلف الاداب والعلوم والفنون تشهد على ذلك اطلال جامعة تميوكتو العتيقة بمالي، كما تشهد عليها اثار السود المسترقين التي اكتشفت حديثاً بأمريكا، وهي الكتابات العربية التي سجلوا فيها سيرهم الذاتية، والمصاحف التي اما خطوها بأيديهم، او استوردوها حيث كانوا يدفعون لشراء المصحف الواحد، اجرة عام كامل من العمل الشاق. اكتسح الاوروبيون تلك الممالك بالسلاح الناري واحتلوا بنيتها العضلية وباعوها للامريكيين الذين استمرأوا تلك التجارة الخسيسة، لاكثر من قرن بعدما تخلى عنها الاوروبيون، لقد خسرت افريقيا نحوا من عشرين مليونا من اقوى افرادها العاملين، لقى نصفهم حتفهم اثناء الطريق ولقيت اعداد اخرى حتفها اثناء معاناتها ظروف العمل الشاق في البرد الصقيعي الذي لم يتعودوه من قبل، لولا ان اخترع هويتني آلة حلج القطن في 1793 لربما جنحت امريكا الى اجتلاب معظم سكان الساحل الافريقي الغربي، ليعملوا في حقول الجنوب الامريكي لزرع القطن، ثم لحلجه يدويا! ان الاثر الاقتصادي الايجابي الذي احدثه المسترقون الافارقة بأمريكا يمكن حسابه على انه اثر سلبي طرأ على اوطانهم التي انتهبوا وسبوا منها، وهذه هي النقطة التي يضغط عليها المفكرون الافارقة، وهي النقطة التي يفرغ من مغباتها الاوروبيون والامريكيون، فحجم التعويض عن ذلك الاثر السلبي الذي طرأ بافريقيا ينبغي ان يكون بحجم الاثر الايجابي الذي نجم هناك، وذلك تعويض عادل إلا انه باهظ حقا، وحق له ان يفزع الغربيين ويروعهم، ويدفع بهم الى موقف المراوغة والمخاتلة الدبلوماسية بمؤتمر «دوربان» ولولا ان مؤرخيهم انفسهم شهدوا بتلك الحقائق الفادحة، لربما تجرأ هؤلاء على نكرانها، ومسحها من سجلات الاحداث. وتعويضات محلية وفي حالة الاقرار بدفع التعويضات فلن تكون القارة الافريقية وحدها هي المستفيدة من التعويضات، اذ سينفتح الباب على مصراعيه لكل سود القارتين الامريكتين ليطالبوا بالتعويضات. وهؤلاء هم افضل تأهيلاً واقتداراً للمطالبة بحقوقهم، بحكم انهم مواطنون يستطيعون رفع الدعاوى مباشرة على حكوماتهم، وتعضيد تلك الدعاوى بحيثيات عديدة بالمظالم التي لحقت بهم وبأجدادهم على مدى اربعمئة عام، فمن بيع غير قانوني، الى استخدام بالسخرة، الى قهر بدني وتعريض كلي للمخاطر، الى تعميد قسري في الدين الى سلب للحقوق المدنية كمنع استخدام اللغات الاصلية، ومنع التملك، ومنع الزواج، ومنع التنقل، والى غير ذلك من المظالم التي استمرت حتى بعد تحرير الرقيق. ولعل ابلغ تلك المظالم اتجاه غلاة البيض الى تعقيم نساء السود، بقصد افناء الجنس الاسود في امريكا، مثلما أُفني الهنود الحمر بنشر جراثيم الامراض المهلكة عمداً في اوساطهم. وقد عمل العنصريون البيض بكل ما في وسعهم لتعطيل نصوص الدستور التي اعتقت الارقاء السود، وتعويض تطبيق قرارات المحكمة العليا التي منعت تطبيقات التفرقة العنصرية، لاسيما بساحات المدارس والجامعات، اما عتاة اصحاب العمل والرأسماليين فقد استطاعوا امتصاص دماء العمال السود، حيث لم يكن العامل الاسود ينال اكثر من نصف اجر العامل الابيض، لقاء اداء نفس العمل، ولم يكن خريج الجامعة الاسود ينال اكثر من نصف أجر خريج الجامعة الابيض، بل كان خريج المدارس الابيض، ينال قرابة ضعف خريج الجامعة الاسود! واكثر من ذلك فقد تواطأت شركات الاستغلال الرأسمالي الابيض على انتهاش اجور السود الضئيلة وكمثال لذلك فإن المراكز التجارية التي افتتحتها تلك الشركات في احياء السود كانت اسعارها تزيد كثيرا عن الاسعار التي تبيع بها في احياء البيض وهي احياء لم يكن يسمح للسود بأن يغشوها هنا بينما كانت المساكن التي تؤجرها تلك الشركات للسود من اردأ انواع المساكن في امريكا، ولكن اسعار ايجارها مع ذلك كانت اعلى بكثير من اسعار ايجار المساكن في احياء البيض. لقد الغى الرق منذ 136 عاماً في الولايات المتحدة ولكن اثاره السلبية لاتزال ماثلة في شكل عوائق كثيرة، تحول بين السود وبين النجاح والنهوض في اثر البيض، وقد اعطت الحكومة الامريكية على استحياء امتيازات كثيرة للسود، ولكنها لا تكفي لردم الهوة بين واقع المواطنين البيض والسود، وسيظل السود يطالبون دوماً بمزيد من الامتيازات على سبيل التعويض ولن تبرح عيونهم شاخصة على المبادرات الدبلوماسية الدولية كمؤتمر دوربان ليتخذونها سنداً لمطالباتهم، ومتى ما وجدوا فيها سنداً قانونياً ملزماً، تمكنوا به من استنزاف الاقتصاد الامريكي الذي يعتقدون ان دعائمه الاولى قامت على اساس مكين من تضحيات اجدادهم. لكل هذه الحيثيات الخطرة، استماتت الدول الغربية في مؤتمر دوربان في سبيل حجب اي مطالبات مادية تعويضا على ممارسات تجارة الرق البغيضة، التي اكتفى البيان الختامي بوصفها بأنها كانت جريمة ضد الانسانية ولكنها مع ذلك جريمة لا تستحق ان ترفع الى محاكمة جزائية وانما الى محكمة التاريخ الادبية وحسب. حتى هنا يمكن ان يقال ان القارة الافريقية سجلت نصراً باستخلاصها لذلك الاعتراف الكبير. واذا كانت الدول الغربية تنفر من مسألة الالزام، فلتتجه دول القارة الافريقية الى استخدام لغة الدبلوماسية الناعمة في مطالباتها، أي اللجوء الى المناشدة من غير الزام او اكراه وفي الدورة المقبلة لمؤتمر مناهضة العنصرية، يمكن للدول الافريقية المعنية ان تتكاتف في سبيل بلورة برامج دبلوماسية معينة للفوز ببعض برامج تنموية تمولها الدول الغربية التي اقرت بممارستها التاريخية لتجارة الرق، وبالمناسبة فقد اثبتت الابحاث الاخيرة ان تجارة الرق التاريخية لم تنحصر في سوق افريقيا فقط، وانما شملت ايضا اقساما واسعة من شمال غرب القارة.. وتجارة الرق التاريخية لم تكن اصلاً منحصرة في البشر السود، فلطالما استرق الصينيون بواسطة اليابانيين، ولطالما استرق «السلاف» بواسطة الاوروبيين وكلمة slave الدالة على المعنى، انما استمدت اساسا من اسم ذلك الشعب. د. محمد وقيع الله