عصفت أحداث الثلاثاء 11 سبتمبر الجاري بالهيبة الدولية للقوة العظمى الوحيدة في عالمنا المعاصر، وضربت رمز القدرة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية وهو مركز التجارة العالمي في نيويورك، وعنوان القوة العسكرية لها، وهو وزارة الدفاع، وكادت تهاجم البيت الأبيض ذاته أو منتجع كامب ديفيد لولا أن تنبه الطيران الأمريكي إلى ثلاث طائرات مختطفه فأسقطها، وقلل حجم الكارثة الموجعة للمجتمع ولمؤسسات الدولة في الولايات المتحدة، والخسائر المادية والمعنوية التي لم تحدث في الأرض الأمريكية منذ ضرب اليابانيون الاسطول الامريكي في بيرل هاربور في الحرب العالمية الثانية. وبدا واضحا أن القدرة الاقتصادية والقوة العسكرية والتفوق التكنولوجي لا تشكل وحدها ضمانا كافيا لأمن الولايات المتحدة في الداخل ولحماية مصالحها الحيوية في الخارج. وثارت الشكوك العميقة في جدوى التركيز على برنامج الدفاع الصاروخي الذي عارضه الكثير من حلفاء واشنطن وأصدقائها أنفسهم، هذا البرنامج الذي تصر الولايات المتحدة على جر دول عربية وإسرائيل وتركيا للإنضمام إليه وتشكيل درع صاروخية إقليمية في الشرق الأوسط لمواجهة الدول المارقة أو المشاغبة التي تتحدى الهيمنة الأمريكية، وهي كوريا الشمالية، وإيران، والعراق، وكوبا بالدرجة الأولى، ثم يليها السودان وليبيا وسوريا، أي أنها تضم خمس دول عربية وإسلامية، وقد أدت عمليات الثلاثاء الدامي إلى دعم الإتجاهات التي تستعدى الإدارة الأمريكية ضد عدد كبير من الدول العربية والإسلامية في المجتمع الأمريكي، وإتهامهم بدعم الإرهاب المنظم، وتحدي المصالح الأمريكية بل والحضارة الغربية ذاتها. ومع أن الموساد الإسرائيلي قد يكون متورطا في العمليات الإرهابية يوم 11 سبتمبر من خلال صلته بالجماعات اليمينية، والتنظيمات اليهودية الأرثوذكسية، والجمعيات المسيحية الصهيونية، فإن العرب والمسلمين في كثير من أرجاء الولايات المتحدة قد تعرضوا لمشاعر الكراهية، وللاعتداءات التي أودت بحياة 15 أمريكيا من المسلمين وإلى إصابة العشرات منهم حتى يوم الأحد الماضي 16 سبتمبر حين بدأت الإدارة الأمريكية تستجيب لتدخل بعض القادة العرب لوقف هذا الإتجاه العنصري الخطير ضد العروبة والإسلام في الولايات المتحدة. ولقد تابعنا اضطراب الإدارة الأمريكية في السيطرة على الأمن الداخلي بعد تدمير مركز التجارة الدولي، ومركز القيادة والسيطرة والإتصالات والحواسب والمخابرات في قلعة البنتاجون، ورأينا مظاهر إخفاق عديدة في إدارة أعمال الإنقاذ والإخلاء، وبعض صور الفزع من تلقي ضربات إرهابية جديدة، وتأكدنا أن إدارة جورج بوش تتعجل الإنتقام وتبحث عن إستعادة ثقة الشعب الأمريكي، وعن تأييد الحلفاء والأصدقاء الذي لا يقتصر على التعاطف بل يمتد إلى المشاركة في توجيه الضربات العسكرية ضد مدبري عمليات الثلاثاء الدامي، والدول التي تأويهم أو تمولهم أو تتعاطف معهم، بل وضد بعض الدول التي ترفض سياسة الهيمنة الأمريكية أو تهدد مصالح الولايات المتحدة وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وتأكدنا كذلك أن إدارة بوش تتجاهل ضرورة التحقيق في مدى تورط المنظمات الأمريكية في عمليات الثلاثاء مع أن هناك نحو مائتي منظمة مناهضة للحكومة الإتحادية أعضائها في وزارة الدفاع وشركات الطيران والمطارات والمصانع الحربية، وأذكر من هذه المنظمات جيش تحرير الشعب الآري، وهو نازي التوجه ويريد الإنتقام لهزيمة ألمانيا الهتلرية، وكذا حركة حراس الحريات الأمريكية، وجماعة أبناء الحرية في ولاية أريزونا وهي تملك ميليشيا مسلحة تطاردها أجهزة الأمن الأمريكية، ثم لدينا ميليشيا تحرير ولاية ايداهو التي تدعو إلى حرب أهلية جديدة، ومنظمة وار ارويونا التي تطالب بثورة مسلحة ضد الحكومة الإتحادية!! وقد أشار الرئيس المصري حسني مبارك إلى احتمال تورط عناصر أمريكية في العمليات الإرهابية ضد واشنطن ونيويورك، واستبعد قيام تنظيم القاعدة وحدة يمثل هذه العمليات التي تتطلب قدرات تنظيمية وفنية، وتخطيطا وتدريبا مسبقا يتجاوز قدرات أية منظمة إرهابية في العالم الثالث كله، وبل وأغلب أجهزة مخابرات دولة! حرب غير تقليدية اعتبر الرئيس الأمريكي جورج بوش أن الحرب الأولى في القرن 21 الميلادي على وشك أن تبدأ لتخليص العالم كله من الإرهابيين الأشرار، وأن هذه الحرب ستكون ممتدة وطويلة، وتتكون من مراحل عديدة متتالية وأكد بوش ورجاله أن هذه الحرب ستكون غير تقليدية في أسلحتها وفي أسلوب إدارتها، وفي اختيار أهدافها وكان هذا المصطلح خطير الدلالة،ودعت ألمانيا وفرنسا وبعض دول حلف شمال الأطلسي الأخرى إلى رفض استخدام الأسلحة النووية التكتيكية ذات الأعيرة المنخفضة في عملية النسر الجميل القادمة، وأكد الفرنسيون أن الطبيعة الجبلية لأفغانستان لا تبرر اللجوء إلى الخيار النووي، وأن التريث وحسن الاعداد للعملية الإنتقامية والاستقرار على أهدافها يمكن أن يعوض الامتناع عن استخدام أسلحة الدمار الشامل في مراحل النسر الجميل التي ستتوالى عبر شهور طويلة قد تمتد لأكثر من عام كامل. وركزت ألمانيا وفرنسا وأسبانيا على أهمية إعطاء الوقت الكافي لإدارة صراع منخفض الشدة ضد الدول المتورطة في رعاية الإرهاب قبل التحول لحرب تقليدية ساخنة. لكن الاجواء محمومة في المجتمع الأمريكي، حتى أنه عندما طلب الرئيس بوش اعتمادا ماليا إضافيا من الكونجرس، أعطاه الشيوخ والنواب المرتاعون ضعف ما طلب من أموال، وخصصوا له أربعين مليار من الدولارات، نصفها لعلاج الدمار والاغاثة والتعمير والنصف الآخر لرفع كفاءة الأمن الداخلي في الولايات المتحدة ولتمويل عملية النسر الجميل وبدأ خلاف المسئولين الأمريكيين حول توقيت العملية، فمنهم من يتعجل بدءها قبل نهاية فترة الحداد الوطني في الولايات المتحدة يوم 22 سبتمبر الجاري، ومنهم من يطلب الإنتظار حتى تشكيل التحالف المنشود بين الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي وبعض دول العالم الثالث، بينما يطالب دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي صراحة ببدء عملية النسر الجميل بمجرد تحديد العدو المطلوب تدميره دون إنتظار لإئتلاف دولي أو تحالف متعدد الجنسيات. ويطالب كولن باول في تصريحاته المحمومة باستعادة الكرامة الوطنية والهيمنة الدولية للولايات المتحدة بسرعة، وذلك من خلال بدء عملية النسر الجميل ضد الدول التي ترعى الإرهاب بغض النظر عن مدى تورطها في أحداث الثلاثاء الدامي!! والخطير في الأمر أن الرئيس بوش قد أكد أن حربه الطويلة ستوجه بدون رحمه ضد مرتكبي هجمات الثلاثاء الإنتحارية، وضد الدول التي ترعى الإرهاب معا وبغير تردد!! إئتلاف دولي أم تحالف أمريكي رفضت الولايات المتحدة عام 1991 اقتراح عقد مؤتمر دولى لمكافحة الإرهاب تحت علم الأمم المتحدة لصياغة إعلان دولي وإتخاذ قرارات محددة للتصدي لكافة صور الإرهاب في العالم، وكان الرفض الأمريكي نوعا من حماية إسرائيل من العقوبات الدولية المحتملة ضدها بسبب السياسة العنصرية والقمع الوحشي الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. وقد تكرر الموقف الأمريكي بصورة أخرى عندما انسحبت من مؤتمر دوربان لمكافحة التمييز العنصري احتجاجا على موقف أغلب أعضاء المؤتمر من إسرائيل التي تحرم شعب فلسطين من حقوقه الوطنية المشروعة وتشن ضده أخطر صور إرهاب الدولة في التاريخ البشري. ولاتزال الولايات المتحدة تصر على الاكتفاء بتحالف متعدد الجنسيات تقوده وتوجهه وتنفرد بتحديد عملياته الحربية وتوقيتاتها، وتريد تكرار تجربة التحالف متعدد الجنسيات الذي قام عام 1991 بتحرير الكويت وتدمير العراق، ولاتزال الولايات المتحدة وبريطانيا - باسم هذا التحالف الذي تفكك وانفرط عقده - تضربان العراق دون توقف في حرب إبادة حقيقية ضد شعب عربي شقيق! ولا تستجيب الولايات المتحدة حتى الآن لوجهة نظر مصر التي ترى في تشكيل التحالف متعدد الجنسيات تهديدا حقيقيا بإنقسام العالم إلى تكتلات متصارعه، ويستمر بوش في الدعوة إلى إنضمام دول أوروبا الغربية إلى تحالفه المنشود، ويسعى لضم عدد من الدول العربية والإسلامية إليه على الرغم من أن عملية النسر الجميل ستوجه ضد شعوب تنتمي إلى العالمين العربي والإسلامي! وتقوم الولايات المتحدة حاليا باستكمال مجموعتي حاملات طائرات في الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر، وتحشد قواتها الجوية في تركيا وفي قاعدة ديبجوجارسيا في المحيط الهندي وفي بعض دول الخليج العربية التي أبدت استعدادها للإشتراك في التحالف الأمريكي، وفي مقدمتها الكويت، في حين رفضت مصر بحث موضوع التسهيلات العسكرية للنسر الجميل قبل نجاح المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب، وأكدت تأجيل مناورات النجم الساطع في صحراء مصر الغربية. ولاتزال سيناريوهات مراحل عملية النسر الجميل في مرحلة التخطيط، وفي مقدمتها سيناريو الضربات الجوية والصاروخية وفق مبدأ الاشتباك عن بعد ودون الإلتزام بأسلوب الضربات النظيفة التي تراعي تقليل خسائر المدنيين، وهو السيناريو المرجح في المرحلة الأولى للنسر الجميل. أما السيناريو الثاني فيشمل تمهيدا نيرانيا بالقصفات الجوية والصاروخية التي تتلوها معارك برية تنفذها قوات العمليات الخاصة الأمريكية بالتعاون مع المعارضة الأفغانية، وأعمال الإبرار الجوي واسعة النطاق لضرب محطات القوى الكهربائية والمائية ومراكز الإتصالات والأهداف الاقتصادية الحيوية. لكنني أتوقع أن يتأجل السيناريو الثاني شهورا طويلة في ضوء حرص واشنطن على تجنب الخسائر البشرية في قواتها إلى أقصى حد ممكن. ويبقى أن تؤكد أن العالم العربي والإسلامي يملك إذا مارس دورا مؤثرا في ترشيد القرار السياسي الأمريكي في الشهور المقبلة، أن ينقذ دولا عربية وإسلامية من دمار محقق تحركه الصهيونية العالمية، وأن يمنع إنهيار آمال شعوب العالم في التحول إلى نظام دولي جديد يحترم أمان البشر، ويحمي الدول النامية من مطامع وهيمنة القوى العظمى الكبرى. بقلم: لواء أح/ صلاح الدين سليم محمد ـ خبير استراتيجي مصري