بعد مرور عدة ايام على وقوع الهجوم الاجرامي على المدن الأمريكية يمكن صياغة بعض الاستنتاجات الأولية حول ردود الفعل على هذا الحدث المؤلم في كل من الولايات المتحدة والمجتمع الأوروبي والعالم جميعاً، ومما يلفت نظر الرأي العام العالمي الموقف الرسمي الأمريكي من اسباب هذه الاعمال الإرهابية وكيفية معالجتها ويتمثل هذا الموقف غالباً في ترجيح الإدارة الأمريكية لكسب الدعم العالمي لفكرة الحشد الدولي ضد الإرهاب ولكن هذا الحشد ـ وفقاً للرأي السائد والاقتناع الثابت لدى الرئيس الأمريكي لا يعني التضامن العالمي والتعاون بين مختلف الدول في بحث الأسباب المولدة للإرهاب وانما يجب أن يقتصر على اتاحة الولايات المتحدة كافة الفرص والتسهيلات والمساعدة بما يضمن انجاح توجيه ضربة الانتقام على الإرهابيين. ومن الأرجح أن تنجح أمريكا في الحصول على هذا الدعم ـ كما تفهمها الولايات المتحدة نفسها ـ في صيغة التحالف الدولي ضد الإرهاب ومن الدول التي ترد إيجابياً على نداء أمريكا قبل غيرها البلدان الحليفة لها تقليدياً وهي الدول الغربية الأعضاء في الحلف الأطلسي والتي تنسب دائماً إلى (الديمقراطية المعاصرة ) الممثلة للحضارة المعاصرة فيعود مثل هذا التحالف إلى اتفاق هذه الدول مع أمريكا في تقدير ما حدث في الثلاثاء الدامي ففي الحقيقة كان من الممكن أن تشغل اي من هذه الدول مكان أمريكا باعتبارها هدفاً لتلك الهجمات فقد استهدف الإرهابيون الغرب بأسره، أما أمريكا فتعتبر رمزاً للغرب ومحوراً للتضامن الغربي ومحرّكاً لعملية العولمة. فمن البديهي إن الغرب يدعم أمريكا في خططها الخاصة بالضربة الانتقامية على الرغم من وجود بعض التناقضات والخلافات بينها وهذه المشاكل بالعكس قد تساعد على التحالف، لأن الدول الأوروبية تبحث الآن عن وسيلة تمكنها من تقليل التباينات، وبالتالي فالتحالف ضد الإرهاب قد يكون إحدى هذه الوسائل. ومن الأسباب الرئيسية المساعدة على تحالف أمريكا مع الاتحاد الأوروبي ضد الإرهاب واتفاق مصالحهما الاستراتيجية وأهم شيء الاجماع بينهما على معاملة قضية الإرهاب ومعاملة الكارثة الأخيرة باعتبارها تمثل الصراع بين العالم الديمقراطي المتحضر وبين العالم غير المتحضر وغير الديمقراطي وفي رأي كل من أمريكا وأوروبا الغربية تكمن القضية في معاقبة الإرهابيين وليس بصدفة أن الأوساط الرسمية هنا لا تناقش أصول الإرهاب الدولي وأسبابه والمسئولية عن نشره واكتسابه مثل هذه الأبعاد الواسعة في السنوات الأخيرة أو إذا نوقشت هذه الأسئلة فيستقر الرأي على أن بعض الدول الآسيوية والأفريقية هي مسئولة عن الإرهاب في وجه الغرب البريء!! وفي ظل هذه العقلية من الصعب أن نأمل أن أمريكا وحلفاءها في الغرب سوف يسمعون حجج الذين يطالبون باتخاذ قرارات الرد على الهجوم بحذر وممارسة سياسة النظرة البعيدة وضرورة دراسة كافة المترتبات المحتملة على الضربة الانتقامية إلى جانب التعاطف مع أمريكا وشعبها طبعاً ليس ثمة ثقة بأن آذان أمريكا لا تبقى صاغية لمثل هذه النداءات. المهم ألاّ تقتصر ردود فعل الإدارة الأمريكية على الضربات، ولكن احتمال التأثير على موقفها ضعيف لأن الدول الأخرى المعارضة على الرد السريع الأمريكي لا تمتلك امكانيات كافية لذلك ما الذي يمكن أن تعمله؟ أولاً: يجب ألاّ تتدخل هي نفسها في هذه العمليات الانتقامية فقد صرح وزير الدفاع الروسي بأن احتمال اشراك روسيا وحلفائها في آسيا الوسطى ليس قابلاً للنقاش، وثانياً: يجوز استعمال امكانيات المنظمات الدولية لتجنب الرد الأمريكي غير المدروس مثل اقتراح الصين بشأن اتخاذ أي تدابير بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي بذلك ولكن هذه الامكانيات محدودة، وقد لا تنجح في استبعاد الضربات السريعة بمثابة العقاب الجماعي وليس معاقبة المجرمين الحقيقيين. ولكن هذه الجهود الرامية نحو تجنّب عقاب الأبرياء تحت مظلة مكافحة الإرهاب قد تظهر مواقف الدول المتعاطفة مع أمريكا في مأساتها الإنسانية وغير المتفقة معها في ضربات انتقامية غير مدروسة. وفي ظل هذا الموقف تتجلى مواجهة أمريكا والدول الغربية لباقي العالم خاصة اذا أخذنا بعين الاعتبار إن الولايات المتحدة من جديد ترجّح اتخاذ الاجراءات المنفردة إهمالاً لرأي بقية العالم على الرغم من كون مثل هذا الإهمال من الأسباب الباطنة للثلاثاء الدامي! وعلى ضوء ما تقدم يصعب تصوّر كل مترتبات الهجوم الأمريكي المتوقع على قواعد الإرهاب فعلى الصعيد العسكري ليست هنالك ثقة بقدرة الولايات المتحدة على القضاء على جميع هذه القواعد. أما الصعيد السياسي فتحمل الخطة الأمريكية في طياتها عدة مخاوف. وعلى وجه الخصوص قد تدل الصورة الظاهرية أن القضية ـ أي قضية الإرهاب ـ قد حلت بعد تنفيذ خطة ضربات انتقامية، ولكن في الحقيقة ستبقى القضية قائمة وقد تتفاقم بعض أبعادها. وفي كل الأحوال يمكن تصوّر ازدياد شدة مقاومة بعض الأنظمة في الشرق الأوسط والعالم العربي لأمريكا ما قد يؤدي إلى توسيع الإرهاب بدلاً من الحدّ منه فإذا لم يُرد الأمريكان تضحية أرواحهم ويموتوا لحماية مُثلهم ـ الأمر الذي تؤكد عليه العمليات العسكرية في حرب الخليج والبلقان ـ فيوجد في الشرق الأوسط الكثيرون مستعدون للتضحية والاستشهاد لحماية مُثلهم أيضاً. ومن المترتبات المؤسفة المحتملة للهجوم العسكري الأمريكي على الإرهاب ازدياد دور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والقمعية في السياسة الدولية وفي الخلافات الداخلية ذات البعد الدولي الأمر الذي تؤكد عليه الأحداث في يوغسلافيا وجنوب شرق آسيا وأفريقيا وحتى الشيشان في روسيا ويجب أن يلعب رجال السياسة دوراً أساسياً في تسوية هذه الأزمات والخلافات ولكن الواقع يختلف إذ يصبح حلف الناتو أكثر نشاطاً وفعالية من الأمم المتحدة التي تتحوّل أكثر فأكثر إلى المنظمة الهامشية. وعلى ضوء ذلك احتمالات ضربات انتقامية هي مقلقة ومما يزيد هذا القلق أن الكارثة الأخيرة في أمريكا تعطيها الأوراق الجديدة لتأكيد دورها كالقطب الأوحد في العالم. وإلى جانب هذه المترتبات القريبة والبديهية للخطة الأمريكية الخاصة بمعاقبة الإرهابيين قد تظهر بعض النتائج الأخرى المتعلقة بسعي أمريكا نحو الاستفادة من هذه الحماية لتغيير توازن القوى في منطقة الشرق الأوسط لصالحها فعلى سبيل المثال قد تحاول أمريكا التأثير على توازن القوى داخل أفغانستان خاصة بعد اغتيال زعيم التحالف الشمالي أحمد شاه مسعود. أما باكستان فإن الولايات المتحدة تبحث حجة التأثير والضغط عليها ولذلك قد تسعى نحو تحسين العلاقات الأمريكية الهندية لأن الحكومة الهندية تتعاون تعاوناً وثيقاً مع روسيا وقد تستهدف الإدارة الأمريكية تحقيق هذه المهمات الاستراتيجية وراء الهجوم على أفغانستان. وخلاصة القول حول النتائج المترتبة على تنفيذ خطة الإدارة الأمريكية للتحالف الدولي ضد الإرهاب اذ ليس هناك دلائل تبيّن احتمال ادخال أي تعديلات على سياسة أمريكا الخارجية فقد شبّه أحد الصحفيين الروس الولايات المتحدة بالقطار السريع الذي لا يستطيع أن يقف وحتى لا يقدر على تغيير مساره أمام السد القائم في طريق أمامه أو أمام الانفجار الذي دمّر سكك الحديد فيعود مثل هذا المنطق إلى خصوصية العقل الأمريكي ووعي المواطن الأمريكي العادي الذي يطالب الرئيس بوش بالرد السريع المتمثل بالضربة الموجعة الموجهة ضد الإرهاب وعلى ضوء ذلك المنطق للأسف الشديد لن أستغرب إذا سُجلت الكارثة الأخيرة في سجل (جينيس) للأرقام القياسية بسبب كونها أضخم كارثة في تاريخ الإنسانية والتي وقعت نتيجة عمل إرهابي. هناك بعدٌ آخر لموضوع البحث وهو ما يتعلق بحقيقة أو وهمية نظرية صدام الحضارات. فعلى الرغم من مدى احتمال كون هذه الكارثة دليلاً كافياً بصحة هذه النظرية، وأعتقد أن الحضارات لا تتصادم بعضها بالبعض. أما الصدام والاختلافات فيكون في السياسات والمصالح. وعلى ضوء المأساة الأمريكية الأخيرة يمكن الاستنتاج بصدام سياسة الغرب مع وقائع العالم الحالي، كما يمكن الجزم بصدام الحضارات المعاصرة بمشكالها التي تسببها هي نفسها أو بالأمراض التي تهيئ الظروف الملائمة لتطورها وبالأزمات التي تزرعها في مختلف أنحاء العالم غير المتحضر بل تكمن هذه الأزمة في الحضارة المعاصرة العالمية جمعاً. وفي الظروف الحالية في أعقاب الكارثة وإعلان خطة أمريكا لإنشاء التحالف الدولي ضد الإرهاب ينتصب السؤال الطبيعي المنطقي: أين المنظمات الدولية السياسية عالمية وإقليمية وأين دورها في معالجة القضايا التي أكدت على تبلورها الكارثة؟ للأسف الشديد يؤكد حلف الناتو نهجه السابق على الرغم من بعض التغييرات البسيطة مثل اتخاذ القرار بشأن مشاركة كل أعضائه في الدفاع عن أية دولة تعرضت للهجوم الخارجي، أما الأمم المتحدة يبدو أن أمريكا ستستعملها على مدى تعاطفها مع المصالح الأمريكية ودعم خططها بدون شروط ولا قيود ولكن مبادرة فرنسا إلى جانب روسيا وأوكرانيا لعقد الجلسة الطارئة لمجلس الأمن الدولي علامة إيجابية، ولكن المنظمة الدولية بصورة عامة لا تشارك مشاركة فعالة في مناقشة القضية وإيجاد المخرج منها بما يضمن معاقبة المسئولين عن مصرع آلاف الضحايا وفي الوقت نفسه يُسهم في معالجة القضايا الملحّة للعالم الحاضر وما العمل في ظل هذه الظروف؟ لا أعرف الجواب، ولكن ما أعرفه حق المعرفة أن ابتعاد الأمم المتحدة عن حل الأزمات الدولية من الأسباب التي ساعدت على انتشار الإرهاب واجتياحه لكل القارات ولم تحل أية منظمة أخرى محل هيئة الأمم المتحدة في تولي دور تمثيل جميع دول العالم مما يبيّن جلياً أن الحضارة المعاصرة المصاغة والمفصولة بالمعايير الغربية لا تحتاج إلى التعبير عن إرادة جميع الدول التي بعضها متحضرة والبعض الآخر غير متحضر. وعلى ضوء ما تقدم يمكن تصوّر سيناريوهات المستقبل ويمكن التمييز بين اثنين منها، الأول مثالي، والثاني واقعي. فعلى المستوى المثالي قد يحل التعاون العالمي لمعالجة قضايا العالم الأساسية محل التحالف ضد الإرهاب وقد يحل مشروع توحيد العالم في سبيل القيم المشتركة محل تقسيم العالم إلى متحضر وغير متحضر. أما المستوى الواقعي فدار الحديث عنه في سياق هذه المقالة، ولكن التعاطي مع الأمر الواقع لا يعني الاقتناع به. وعلى العموم تؤكد الكارثة الأخيرة أن العالم قد اقترب من الحد الخطر. بقلم: د. ليونيد سيوكيانين ـ محلل سياسي روسي