يشكل الحادي عشر من سبتمبر الجاري (2001) منعطفا تاريخيا، ليس بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية فحسب، وإنما للعالم اجمع ولكل المفاهيم والتوازنات الدولية في حقبة ما بعد الحرب الباردة. فالهجمات الانتحارية غير المسبوقة التي تعرضت لها كل من نيويورك وواشنطن، كانت استثنائية في كل شيء تقريبا.. التخطيط الدقيق الذي استفاد من معلومات وصفت بأنها «سرية وحساسة»، نوع المواقع المستهدفة، الوسيلة المستخدمة، الجرأة والدقة في التنفيذ، وأخيرا الحجم الهائل للخسائر الانسانية والمادية التي نجمت عن هذه العمليات. ورغم الدمار الهائل الذي احدثته هذه الهجمات، والهزة النفسية والمعنوية التي خلفتها، الا انها تتيح فرصة كبيرة لصناع القرار في الولايات المتحدة ليعيدوا النظر في الكثير من المفاهيم والمواقف التي حكمت السياسة الامريكية سنوات طويلة. فقد حظيت امريكا للمرة الاولى، بتعاطف دولي شمل حتى اولئك الذين تضعهم امريكا في خانة الاعداء والارهاب،. حكومات وتنظيمات. كما لقيت تجاوبا كبيرا من مختلف دول العالم في دعوتها لمكافحة الارهاب والقضاء عليه. غير ان اتجاهات التحقيق وتصريحات بعض كبار المسئولين الامريكيين بمن فيهم الرئيس بوش، لا توحي بأن امريكا قد استوعبت الدرس وأخذت العبرة، حتى الآن على الاقل. حيث انحصرت الاتهامات في المسلمين والعرب، وكذلك بعض التهديدات الرسمية والاعلامية. وبذلك فإن الولايات المتحدة لا تظلم المسلمين والعرب وتجني عليهم فحسب، وإنما تظلم، نفسها ايضا بالسير في اتجاه مضلل وقد يكون معاكسا كليا للطريق المؤدي الى الفاعلين الحقيقيين. ولا يخفى على أي احد ان استهداف مركز التجارة العالمي، ورمز العولمة الاقتصادية في نيويورك، ليس اعتباطا او عفويا. وكذلك استهداف قلعة الاستراتيجية الامريكية ورمز قوتها العسكرية، مبنى وزارة الدفاع «البنتاجون» ولا حتى التوقيت الذي يصادف ذكرى الحرب العالمية الثانية واجبار اليابانيين على الاستسلام، فضلا عن الامكانيات التنظيمية والاستخباراتية التي يمثلها عمل بهذا الحجم والمستوى من التدمير ودقة التنفيذ، وهو ما لا يتحقق الا لجهات امريكية، او لأجهزة الاستخبارات الاسرائيلية المتغلغلة في النسيج الامني والسياسي والاستراتيجي الامريكي. وعلى اي حال، وبغض النظر عمن يكون الفاعل الحقيقي لهذه الهجمات الرهيبة، فإن النتائج والتداعيات لن تقل عن مستوى حرب عالمية ثالثة، ستكون باكورة حروب العولمة.. ولكن من الصعب توقع انها ستكون الأخيرة! عبدالله اسحاق