قريباً جداً، وربما خلال أيام، وتحديداً عندما يحين بحث آليات وتنفيذ صيغة التشكيل الجدي للحملات العسكرية على قواعد الارهاب الدولي، لابد أن يتسارع نقاش من نوع آخر غير تلك الموجة الطاغية الآن على المسرح الدولي والمتزامنة مع المشاركة العامة في آلام ضحايا التفجيرات الانتحارية في كل من واشنطن ونيويورك وفي ابداء المشاعر «الحضارية» والخليط من المجاملات والمخاوف. تلك الحالة العاطفية البديهية يجب أن تؤدي مشهدها ريثما يخف الانفعال وحجم المأساة ويتم تقبل الصدمة تدريجياً، لتعود مختلف القوى والدول تدريجياً الى حسابات المصالح الخاصة. ولا شك أن التوفيق بين الحسابات سيكون صعباً ان لم يكن مستحيلاً. فالتحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة عام 1990 بقيادة بوش الأب يختلف جذرياً عن التحالف الذي يحلم به الآن جورج بوش الابن. فلا مواصفات القيادة هي ذاتها ولا القضية متشابهة ولا المعسكرات الدولية واضحة ولا العدو، وهو العنصر الأهم ظاهراً. حتى على مستوى البديهيات ما زال تحديد واشنطن للخصم يحتمل التأويل والاختلاف. والى ذلك الحين، فان أي تحالف سيتشكل في ساعة الحقيقة سيبقى مشكوكاً في صدقيته ما لم تقنع اصدقاءها واعداءها على السواء بالدليل القاطع أن أسامة بن لادن هو من يقف وراء العمليات الانتحارية بطريقة مباشرة؟ وبعد قرابة اسبوع على كارثة اليوم المشهود فان التحقيقات الأمريكية والحديث اليومي عن « المشتبه الرئيسي» لا تقابل الا بمزيد من الشكوك في حين أن الإدارة الأمريكية ستكون بعد أيام في مواجهة المزيد من التساؤلات والاستفسارات والضغوطات الداخلية. وكلما مر مزيد من الوقت دون التمكن من تحديد الصورة النهائية للرد، كلما تفرق المعزون من حول القوة العظمى وضعفت ثقة الحلفاء بقرار الحرب «الطويلة المستمرة» ضد الارهاب. بل زاد القلق لدى المشاركين بالقرار في البيت الأبيض. فالوقت أغلى من الماس الآن، انه يعادل رصيد أكثر من 45 عاماً من الزعامة العالمية الثنائية مضافاً إليها أكثر من عشر سنوات من التفرد بزعامة العالم. وكل ذلك مهدد ويستحق مئات مليارات الدولارات وليس أربعين ملياراً فقط. اذن، بعيداً عن الاسباب النفسية والدعائية يستحيل تفسير هذا التسرع وذاك الالتزام الذي قطعه بوش على نفسه اثر الهجمات مباشرة بينما راحت تتعدد فيه « شروط» روسيا والصين مثلاً الدعم عبر تحرك من مجلس الأمن الدولي أو وجهات نظر بعض الحلفاء الاوروبيين. هذه الاسباب قد تدفعه الى التالي دون حاجة لانتظار كامل نتائج التحقيق: أولاً: شن حملات عسكرية موسعة ـ ضاربة ـ وخاطفة باشتراك من يسير فيها بدون كثير نقاش، أي من حلفاء محدودين بريطانيين ووحدات رمزية من حلف الناتو تستعير أجواء بعض الدول القريبة من افغانستان وقواعد محدودة ونائية في بعض هذه الدول مثل باكستان وتركيا دون الزام هذه الدول بمساعدة جلية، وتعتمد هذه الحملات بشكل رئيسي على حاملات الطائرات. ويكون الهدف العسكري الأدنى القبض على كوادر رئيسية من مؤيدي بن لادن وبعض كوادر طالبان وتدمير ثكناتها العسكرية الرئيسية. أما الهدف السياسي فيتمثل بـ: السعي لتحقيق نصر سريع يمتص الصدمة الراهنة ويعيد شيئاً من التوازن النفسي الداخلي للولايات المتحدة على الصعيد الشعبي وقوى الضغط، التقاط الإدارة الأمريكية لانفاسها والتحضير بهدوء لخطة أوسع مدى وأهداف أكثر هل هذا معنى الحرب الطويلة، التمهيد لانهاء نظام طالبان كدولة تعتبرها واشنطن ملجأ للارهاب أو القبض على زمام الامور عبر فرض تسوية مذلة. ومن العناصر التي قد يعتبرها البنتاجون مشجعة على هذا الخيار تجنب خوض حرب واسعة مع أكثر من دولة متهمة بالارهاب في هذا الظرف وتجنب الانتظار الطويل لتشكيل التحالف الدولي العسكري واعفاء الدول المحيطة بافغانستان من التورط الشامل بالحرب.. وقطع الطريق على أي وساطات قد تقوم بها دول عربية واسلامية أو منظمات الأمم المتحدة مع طالبان للوصول الى تسوية تنفس التعطش الأمريكي للانتقام. ثانياً: استعجال صياغة تحالف دولي فاعل يضم أكبر عدد من الدول الأسيوية والأفريقية الى جانب الناتو وعدد من الدول العربية والاسلامية وهو ما يتطلب بالدرجة الأولى قدرة غير عادية على جعل الأمريكيين ينتظرون دون فقد الصبر بواسطة فيتامينات اعلامية ومخابراتية استخدام صناعة الانتظار مثل مسلسل طويل من تسريب فحوى التحقيقات أو ملاحقات متعددة لمطلوبين سابقين وجدد في قضايا تفجيرات الخبر وميناء عدن عدا السفارات وبعض الملفات اللبنانية والفلسطينية السابقة وخطف طائرات.. واذا كان الشق الثاني من هذا السيناريو متيسر بسهولة لدى المخابرات الأمريكية والغربية عموماً فأن الشق الأول محفوف بالفشل والمخاطر على السواء الا اذا كانت واشنطن مستعدة لاشراك الآخرين في بعض خطوات التحقيقات وفي القرار وليس في التنفيذ فقط. وهذا يعني تنازلاً ما على حساب مركزيتها. هذه مجرد نقطة عامة. فمن الشروط الاولى لنجاح هذا التحالف هو أن يكون متيناً أو لا يكون، وأول مستلزماته تحديد لا يقبل أي لبس للهوية السياسية والتنظيمية لمخططي ومنفذي العمليات ـ وليس فقط الهوية الايديولوجية والدلائل التقنية ـ وهذه النقطة الجوهرية ليست فقط حاجة ماسة لتفهم العرب والمسلمين ومن هم في حالهم من الشعوب والأمم، بل ان أقرب الحلفاء لواشنطن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير حرص على توفر «ادلة قاطعة» قبل توجيه التهم وشن أي حرب محدودة أم واسعة، وسواء تعلق ذلك بأفراد أو شبكات أو دول. أما الشرط الثاني الذي ستطلبه الدول الأقطاب وبعض الدول الأوروبية اضافة للدول العربية والاسلامية، فانه يقضي بالتزام الإدارة الأمريكية حدود الرد جغرافياً وعسكرياً بينما تردد بعض دوائرها احتمال معاقبة لائحة من عدد من الدول، وهو أمرغير مستبعد سواء تحت ضغط هاجس التخلص «كلياً»؟ من ما تسميه بؤر الارهاب أو لتصفية حسابات وتوسيع نطاق النفوذ وارضاء سطوتها وغرور تفوقها، ذلك أن الإرهاب بمفهوم الغرب قد لا يوفر من حيث مناطق تواجده معظم الدول، وقد لا يعفي من حيث البيئة الاجتماعية والسياسية قرابة 30 أو 40 دولة. وحتماً لن يكون هناك طرفان يتفقان على تعريف كافة مضامين الارهاب وان اتفقا فسيختلفان على عقوبة كل منها. أو على الجهة التي يعود لها حق اصدار الاحكام أو تنفيذها. وبهذا المعنى فان الحرب الطويلة والمفتوحة التي تلوح بها واشنطن اخافت الحلفاء اكثر مما طمأنتهم، اذ كانت بمثابة اقرار أن الولايات المتحدة لا تملك خياراً آخر غير هذا التصور المرهق والمغمور النتائج والذي لا يحسب لردود الفعل التي سيكون أمامها مدى كاف للظهور بأشكال شتى الهذا استخدم وزير الدفاع الأمريكي الأحد الماضي تعبير ضرب المنشآت الحيوية للدول الراعية للإرهاب؟ والى ماتقدم فإن استباق واشنطن للأمور باتخاذ قرار الحرب الطويلة قبل المشاورة مع الشركاء المحتملين بدا وكأن أي اشتراك فيها هو بمثابة التحاق مما يلحق ضرراً بالغاً بمفاهيم السيادة والديمقراطية داخل النطاق الوطني للدول التي ستلبي النداء دفاعاً عن «العالم المتحضر» في وقت ما زال الغرب الاوروبي ينتهي بالكاد من ايصال اعتذاره للمسلمين والعرب عن الحروب الصليبية ـ التي كانت أيضاً طويلة المدى وحملت شعارات براقة. ومن العناصر الرئيسية الأخرى التي تتحكم بقيام التحالف الواسع أو عدمه ما يتعلق بالحسابات المستقبلية على ارضية الواقع الراهن للعلاقات الدولية. فما تطرحه الولايات المتحدة علناً هو في نهاية المطاف قوات مشتركة دولية بزعامتها وهو مايستحيل بالنسبة للعديد من الدول الكبرى وتحديداً لروسيا والصين، وهو ما يبرر بشكل رئيسي اشتراط مثل هذه الدول الاخراج الشرعي أو الغطاء القانون الدولي عبر مجلس الأمن. وقد يكون ما تقدم كاف للتدليل على المصاعب الجمة، وبعضها جوهري، التي سيواجهها تشكيل تحالف دولي حقيقي. وهي المبررات ذاتها التي تضمن اطلاقاً نجاح المهمة الأمريكية بالسيناريو الطويل الذي تتحدث عنه. ومن الحساسيات والمحاذير بالنسبة لعدد من الدول الكبرى والحلفاء الاوروبيين على حد سواء أن لا شيء يضمن لهم بأن الإدارة الأمريكية التي ستصطحبهم معها الى الحرب وتشركهم بتكاليفها وخسائرها وضحاياها ستلتزم لاحقاً بالارادة الجماعية للتحالف خاصة وأن سجلها طيلة أشهر حكم الرئيس جورج بوش الابن قد حفل بمخالفة هذه الارادة وخاصة تجاه حلفائه في حلف الناتو وغيره من الدول المحسوبة على النفوذ الأمريكي. والواقع أن المواقف المعلنة للآن عن الاستعداد للدعم لا تخرج عن اطار ما تقدم اذا ما تمحصنا فيها بعيداً عن الضوضاء الاعلامية. فالدول التي رحبت بدعوة الإدارة الأمريكية لم تتحدث كلها على وجه التحديد عن الدعم العسكري. كما ان تلك التي تحدثت عن استعدادها للدعم العسكري قرنته بتقديم الادلة القاطعة حتى الحليف الأوروبي الأول بريطانيا وأبقت شكل ومضمون الدعم مطاطاً بين المشاركة الكاملة أو الاعانة أو المساعدة التقنية أو.. ووسط هذا البحر المتلاطم من التفسيرات والمواقف المطاطية فإن السؤال الكبير الذي يجمع بين العدد الأكبر من الخبراء والمحللين هو أي نوع من الحروب هذه التي ستجتث الارهاب فيما الولايات المتحدة جيشت طيلة السنوات الماضية كل أجهزتها الامنية وعملائها وأصدقائها وخصصت خمسة ملايين دولار.. فقط لمن يفيدها بمعلومات عن بن لادن بل دفعت حسب معلوماتنا اموالاً لبعض المحتالين الذين أدعوا معرفة بأماكن وجوده وشنت حروباً من الضغوط ولم تفلح بذلك. وكل هذا يضاعف القلق الذي يراود الآن كل من سيضطر لمشاركة الولايات المتحدة في أي عمليات لمكافحة الارهاب. وخاصة من الدول الاسلامية أو العربية. ولكن الحاح كل هذه التساؤلات والمخاوف لا بد أن يضغط من أجل اسراع عودتنا الى الوعي بعد الصدمة والذهول الذي أصاب البشرية بدون استثناء. ووسط هذا الضباب الذي يحيط بالكل جاء صوت من العقل والقلب مفعماً بالحكمة والتأثير. البابا يوحنا بولس الثاني يدعو الولايات المتحدة الأمريكية الى ضبط النفس. مما يحمل العديد من المؤشرات التي لا تحتاج ايضاحاً. على أن عودة الوعي بعد الصدمة يجب أن تشمل بشكل رئيسي أيضاً العرب والمسلمين بعدما جهروا بتصريحاتهم ومبادراتهم ليبينوا للعالم تضامنهم مع الضحايا وادانتهم للارهاب. ومع ذلك فإن ثمة فرزاً خطيراً يلوح الآن أمام عيوننا المجردة ويطال علاقتنا بباقي الأمم والحضارات وهو ما يحتم علينا تحركاً سريعاً له من الاضاءة مكان آخر. بقلم: الياس البراج ـ كاتب لبناني