تسعى أمريكا لحشد تحالف دولي يضفي على حربها ضد الارهاب شرعية دولية، لكنها تواجه تبايناً في وجهات نظر ومواقف العديد من الدول، ليس في المناطق العربية والاسلامية فحسب، بل ايضا في دول الاتحاد الأوروبي، والتي يعتبر معظمها اعضاء في حلف شمال الاطلسي، الذي منح أمريكا مؤخرا شيكا على بياض بتفعيل البند رقم «5» من وثيقة الناتو، الا ان ذلك وحده لا يكفي فهناك واحدة من الدول الكبرى «الصين» احد الاعضاء الخمسة في مجلس الأمن، تلك الدولة التي تعارض الرد العسكري الأمريكي، في غياب الشرعية الدولية. حول مدى نجاح أمريكا في تجنيد التحالف الدولي معها للوقوف ضد الارهاب، بضربة عسكرية تحظى بتأييد عالمي.. النتائج المتوقعة، وغيرها من القضايا ذات الارتباط. اجرى «الملف السياسي» في هولندا حواراً مع: خبير شئون الارهاب الدكتور ميرل دي كورت فيما يلي نصه: ـ لأي مدى يمكن نجاح أمريكا في حشدها الدولي ضد الارهاب؟ ـ فرضت منظومة لعبة السياسة على أمريكا طريقا كان لابد ان تسلكه وهو تعميم قضية الارهاب، وتؤكد للعالم انها قضية دولية عامة يمكن ان تطول اي بلد في العالم، وذلك لحشد التأييد والتعاطف الدولي معها في أية خطوة تتخذها، وقد بادر وزير خارجية أمريكا «كولن باول» الى بسط يده للعالم في طلب الحشد الدولي والتحالف مع أمريكا في أي قرار تتخذه ضد الارهاب، وفي البداية وعقب الضربات الارهابية بساعات كان العالم كله تقريبا يجمع ويؤيد أمريكا في أي قرار انتقامي يمكن ان تتخذه في هذا الاطار، لكن في الايام التي تلت الاحداث وبعد ان هدأت عاصفة المشاعر العالمية نسبيا، وتحولت لتحكيم العقل وتقييم الموقف عامة سياسيا، تغيرت مواقف العديد من الدول ـ خاصة العربية والاسلامية ـ الى اعلان الدعم المشروط، بتقديم واشنطن لأدلة قاطعة تثبت هوية الجهة أو الدولة أو الجماعة التي نفذت العملية الارهابية مباشرة. ـ هل ستتمكن أمريكا في ضرب اماكن خلايا الارهاب في العالم؟ ـ قد يكون لدى أمريكا ـ كما تزعم أجهزة استخباراتها ـ خرائط تفصيلية بمعسكرات تدريب الارهابيين في بقاع العالم، لكن يجمع المراقبون العسكريون في أوروبا ان العمليات العسكرية التي سترتكبها او تقوم بها امريكا لن تكون نظيفة تماما، اي سيتم خلالها ايضا المخاطرة بحدوث خسائر بشرية كبيرة في الدول التي سيتم مهاجمتها، والتي تتمسك امريكا بتصنيفها في قائمة الدول راعية الارهاب، كما سيتم ايضا التضحية بأرواح مئات من الجنود الامريكان انفسهم لتنفيذ هذه الضربات. والخطأ العسكري في تنفيذ امريكا لأية ضربات امر وارد بنسبة كبيرة، ويؤكد ذلك الاخطاء البشرية والمذابح التي ارتكبتها امريكا في الهجمات العسكرية في حرب كوسوفو، حيث كانت لدى القوات الامريكية خرائط دقيقة وموضحة بالنقاط والمراكز العسكرية اليوغسلافية المطلوب ضربها، لكن كثيرا من الضربات خابت، لتستهدف المدنيين وايضا بعض فلول اللاجئين الهاربين من الموت. ـ ولكن هل هناك بديل يمكن ان تلجأ له امريكا عن الضربات العسكرية المحتملة؟ ـ هناك بديل اكيد ستلجأ له أمريكا، وهو قيام قوات الكوماندوز الامريكية في الانتشار في بقاع معينة للقيام بعمليات اغتيال او اختطاف او قبض على عناصر بعينها، وبقيام عناصر تابعة للمخابرات بمساعدتها في القضاء على الارهابيين، وهو الاسلوب الذي سيكون اقرب للتنفيذ بالنسبة لاسلوب الولايات المتحدة الامريكية، ولعلنا مؤخرا سمعنا ان امريكا بالفعل تحاول اللجوء الى اسلوب من هذا النوع، بطلبها صلاحيات سياسية وشعبية بالسماح لعملاء المخابرات الامريكية في العالم بالقيام بعمليات اغتيال للارهابيين، واعطاء الضوء الاخضر لعملاء المخابرات بحرية التحرك لتنفيذ هذه العمليات، وهو اسلوب قد يجد معارضة من المجتمع الدولي والذي سيرفض مبدأ تنفيذ الاغتيالات لتسببه في اقلاق الامن الداخلي لأية دولة، ولأنه بالتالي اسلوب ارهابي، ولا يمكن محاربة الارهاب بالارهاب، لذلك أؤكد رفض المجتمع الدولي المتحضر للمطلب الذي تسعى امريكا لتنفيذه. ـ ما هو موقف الدول العربية والاسلامية تجاه فكرة تحالف دولي ضد ضرب الارهاب؟ ـ يبدو لنا ان موقف الدول الاسلامية من التحالف ضد الارهاب واضح، ويؤيد محاسبة مرتكبي الحوادث الارهابية، وطبعا نحن في الغرب لنا مفاهيم وتفسيرات للارهاب تختلف عن مضمون هذا المعنى عن بعض الدول العربية والاسلامية، وهي قضية تباين في وجهات النظر تلعب دورا في تحديد المواقف السياسية، في ظل المناخ الدولي الملبد، والذي تتداخل فيه المصالح وتختلط الاوراق على كافة المستويات سياسيا وعسكريا واقتصاديا، ففي الوقت الذي ترى فيه معظم دول العالم الاسلامي ان يشمل التحالف كل دول العالم وليس دول بعينها ضد اخرى، نرى بعض حكومات دول اسلامية اخرى ترضخ للطلبات الامريكية، وتمنح حكومة واشنطن شيكا على بياض اذا صدق الوصف ولا يمكن اغفال ان بعضا من هذا البعض من حكومات هذه الدول ترفض علنا التعاون المطلق مع امريكا، لكن تدفعها مخاوفها ومصالحها لدعم امريكا سرا، ونجد ان كل من مصر والسعودية قد اعلنتا تبريرا منطقيا سياسيا، تمثل في توخي الحذر الا يتسبب التحالف مع امريكا في مزيد من الانقسامات والخلافات في العالم. ـ هل سينجح الاتحاد الأوروبي في التوفيق بين الحفاظ على مصالحه وتقديم الدعم لأمريكا؟ ـ اتضحت عقب الساعات الأولى مباشرة معالم تباين دول الاتحاد الأوروبي فيما بينها، ومن ناحية ثانية مع أمريكا، وقد اتسمت اختلافات وجهات النظر الأوروبية بتحفظات ومطالب، تمثلت بعضها في ضرورة تعزيز العمل العسكري الذي تنوي أمريكا القيام به، بتأييد الشرعية الدولية في إطار الأمم المتحدة، ووجوب توخي الدقة في تحديد هوية الجناة، وعدم اطلاق تهم عشوائية وشن ضربات تؤدي لتفاقم العمليات واتساع دوائر الصراعات والحروب، بهذه المبررات صنعت معظم دول الاتحاد الأوروبي ستاراً أخفت وراءه مصالحها الحقيقية مع العالم العربي الإسلامي، أما مدى نجاحها فهذا يتوقف نسبياً على صدق وجدية حكومات الدول الإسلامية والعربية ـ التي تشير لها أمريكا باتهامات انها تدعم أو تأوي الارهاب ـ في قضايا محددة: ـ سرعة القبض على العناصر الإرهابية التي تطالب بها أمريكا، ووضع إطار قانوني واضح لتقديمهم للعدالة الدولية للمحاكمة، تحت إشراف ومراقبة القانون الدولي. ـ وقف تقديم الدعم المالي للجماعات والمنظمات المشبوهة والمتطرفة. ـ إضافة مواد قانونية صريحة للدساتير في الدول الإسلامية، بملاحقة ومعاقبة كل من يخطط لعمل إرهابي، أو ينفذ جريمة إرهابية سواء بالفعل أو المشاركة المادية أو المعنوية. ما ذكرته في النقاط السابقة يأتي بمثابة أوراق سياسية قوية، تقدمها الدول الإسلامية لأوروبا تضمن لها التوازن في مواقفها من إعطاء أمريكا صكاً مفتوحاً وبدون شروط لعمل عسكري، ضد دولة إسلامية قد تكون ليس لها ذنب في جريمة تدمير المباني الأمريكي في واشنطن ونيويورك. ـ تحدثت عن مطالب أوروبية بتأييد الشرعية الدولية لعمل عسكري أمريكي، فهل ستنفذ واشنطن ذلك؟ وهل من الممكن حدوث ضغوط دولية لتحقيق هذا الهدف؟ ـ أعتقد أن أمريكا ستهرب دبلوماسياً من اللجوء لمجلس الأمن الدولي، وذلك لمعرفتها مسبقاً أن الصين طالبت بالفعل أن يكون أي رد أمريكي في إطار الأمم المتحدة، وقد تستغرق عملية بحث تنفيذ ذلك وقتاً طويلاً، لا يتناسب ورغبة أمريكا في سرعة عمل عسكري انتقامي، تمتص به غضب الرأي العام الأمريكي، ومن ناحية لا تقل أهمية الثأر لكرامتها ورد اعتبارها كدولة قوية أمام العالم، وستكتفي أمريكا بموافقة أعضاء حلف شمال الأطلسي على تفعيل المادة (5) من وثيقة حلف الناتو، والتي تنص على أن حلف شمال الأطلسي يعتبر الاعتداء على الولايات المتحدة الأمريكية، أو على أية دولة من أعضاءه أو أمريكا الشمالية، اعتداءً على الحلف كله، يفرض التحالف والدفاع، وقد حدث ذلك بالفعل في اجتماع قمة الناتو في اليوم التالي لسلسلة الهجمات الإرهابية على أمريكا. ـ ماذا تتوقع من نتائج فيما لو ضربت أمريكا أفغانستان بالفعل؟ بدون شك ستزداد حدة كراهية العرب والمسلمين بصفة خاصة لامريكا، وحتى لو قضت القوات العسكرية الامريكية نهائيا على معاقل الارهابيين في افغانستان، ومراكز التدريب العسكرية للنشطاء في بلاد عربية، لن تنتهي القضية عند هذا الحد، ولن تقضي بذلك على الارهاب فمن السهولة قتل اجساد الارهابيين، وضرب وتدمير بيوتهم ومصالحهم، لكن لا يمكن بأية حال من الاحوال القضاء على الفكر العدائي لامريكا، وانهاء الكراهية بالحرب، لذلك ستكون نتائج الضربة العسكرية لافغانستان او غيرها نصرا عسكريا لامريكا، لكنه نصرا محدودا قصير المدى، سرعان ما سيتحول لتفاقم وزيادة الاعمال الارهابية في العالم، ليس ضد امريكا فحسب بل من الممكن ان يطال نيرانه دول التحالف في الغرب، فسياسة محاربة العنف محكوم عليها بالفشل قبل ولادتها. أجرى الحوار في هولندا: د. سعيد السبكي