تعوّد الأمريكيون ألا تسقط أكثر من طائرة واحدة في العام، ولكن ربما شهدوا عاماً فظيعاً، تسقط فيه طائرتان اثنتان، وذلك نادر جداً على كل حال. ولذلك فعندما شهدوا في صباح الثلاثاء قبل الماضي، سقوط أربع طائرات، كان ذلك مدعاة للذهول الكامل!! سرعان ما تولّد عن الذهول غضب عارم دفع بنحو 94% من الأمريكيين إلى المطالبة برد فعل عقابي قوي على المعتدي ودفع بنحو 80% منهم الى المطالبة بإنفاذ ذلك العقاب الرادع، حتى ولو أدى الى اندلاع حرب لا تعرف مغبّاتها، وأما أشد الناس غضباً فكانوا في الكونجرس، وكان أعضاء الكونجرس قد اضطروا للجلاء عن مبناهم الى مكان خفي، ثم لما عادوا اضطروا للجلاء ثانية بناء على اشتباه في وجود مواد متفجرة بمبنى الكونجرس، ولما عادوا للانعقاد أصدروا قراراً يضاعف حجم المبلغ الذي طالبهم به الرئيس كمخصصات طوارئ ثم خولوه كل سلطات الكونجرس في صياغة حالة الحرب. رمى الكونجرس بذلك الى أن يقود الرئيس إعلان حالة الحرب. والكونجرس معروف بتطرفه و«مثالي» في شئون السياسة الخارجية، لأنه لا يمارسها وانما ينظّر لها، ويحاول أن يقودها إلى حدود «المثاليات» والآمال القصوى، التي هي في العادة لا تتحقق، وربما يؤدي التشبث المبالغ فيه إلى إحباطها، أو إحراز نتائج مخالفة ومناقضة لها. وهكذا أراد الكونجرس أن يفتح كل الاحتمالات، ويعطي الرئيس كل الخيارات ولو كانت تقود الى الانزلاق في حالة حرب تمتد لشهور وسنين. كادت دول العالم تجتمع على إدانة ما حدث. فحتى إيران وكوبا أدانتا ما حدث. وتسارعت أكثر الدول لإبداء العون للمشروع الأمريكي المعلن لمكافحة الإرهاب بشكل ناجز، وبالطبع فإن كل ذلك مما يعضّد إرادة الرئيس الأمريكي، ويدفع به الى إمضاء أعنف ما يستطيع من عقاب، إن كل هذا مما يسهل تصوره، لكن ما لم يسهل حتى للمخططين الأمريكيين هو نوع العقاب، وعلى من سيقع تحديداً. والرئيس الأمريكي في كل تصريحاته استخدم مع كلمات التهديد في تعميم واسع في الموضوع، حيث وجه تهديده لكل أنواع الإرهاب ولم يخصّص أبداً بل وتماشى في ذلك مع قرار الكونجرس الذي أطلق يده في حق الرد على كل من خطط أو ساعد أو أسهم في تنفيذ الهجوم الأخير، وهكذا لم يحدد الرئيس الأمريكي دولة بعينها، انما ذكر أفغانستان كمثال. الهجوم الأول ومداه ولكن مع ذلك فمن المؤكد أن الهجوم الأول سينطلق باتجاه أفغانستان، وانه سيشمل قصفاً جوياً كاسحاً، يتبعه دخول القوات الأرضية بحثاً عن رأس ابن لادن. ولكن حين ينطلق الهجوم فستكون أفغانستان قد خلت تقريباً من السكان، حيث بدأ سكانها بالتسرب فعلاً باتجاه حدودها مع إيران وباكستان. ذلك التسرب القسري سيزيد من معاناة المدنيين الأفغان، ولكنه ربما يقلل أعداد الضحايا. ومن ناحية أخرى فسيعسّر مهمة القوات الأمريكية الغازية في بحثها عن الرأس المطلوب ذلك الرأس الذي عرضت سلطات التحقيق الأمريكية خمسة ملايين دولار للإتيان به، حياً أو ميتاً، ولم يخاطر أحد، رغم إغراء المبلغ الضخم المهول. هذا هو المؤكد بخصوص أفغانستان وهو أقل ما سيتعرض له ذلك القطر القلق، لكن ما لا يمكن استبعاده هو أن يلجأ الجيش الأمريكي لارتكاب العديد من المذابح وجرائم التعذيب وسط الأفغان، على غرار ما فعل في بعض فصول حرب فيتنام بحثاً عن رؤوس الثوار. ولا يمكن استبعاد تطوير الموقف بارتكاب جرائم إبادة واسعة، حال الفشل في العثور على قواعد ابن لادن، وهنا فمن الوارد والمحتمل، أن يلجأ الجيش الأمريكي إلى استخدام أسلحة جرثومية لاستئصال السكان. ومما يعزّز هذا الاحتمال ان القيادة الأمريكية أشارت الى الرئيس الباكستاني، ونقل هو عنها، أن استخدام الأسلحة النووية نفسها تجاه أفغانستان ليس أمراً مستبعداً. لكن مهمات الأمريكان في أفغانستان ليست من السهولة بمكان، فالخطر يكتنف تدخلهم هنالك من كل اتجاه، وكم من جيش أجنبي عبر التاريخ وجد مهالكه ومعاطبه في جبالها التي تشبه جبال القمر، ولا يعرف مسالكها وشعابها سوى أهلها اللصيقون بها.. ولذلك فإن أي قوات أرضية أمريكية لابد أن تكون مهيأة لبذل الضحايا، وذلك أمر قد يستسيغه المزاج العصبي الأمريكي، الذي هو في الذروة العليا من التوتر والغليان حالياً، وهذا مما سيزيد في أمد حرب العصابات على جبال أفغانستان، وهي حرب قد تطول، ولا تطال ابن لادن الذي قد يتمكن من اللّواذ ببعض قواعد أنصاره في نواحي آسيا الوسطى، ويصبح أسطورة أخرى، أين منها أسطورة كارلوس. حرب واسعة النطاق وبالطبع فمن المحتمل جداً أن يلقى ابن لادن حتفه أثناء القصف العشوائي، ومن المحتمل أن تهلكه حرب إبادة شاملة مع من يهلك من أبرياء أفغانستان، الذين سيدفعون ثمناً باهظاً لذلك الاتهام، ولكن احتمال أن ينجو ابن لادن ويموت الآخرون احتمال مقلق جداً يزعج المخططين الأمريكيين الذين سيواجهون حينها ولدهر طويل سؤالاً محرجاً هو: فيم، ولم، حاربوا، ولماذا لم يصيبوا الهدف الأكيد.. هذا الاحتمال السلبي سيدفع بدائرة الحرب للتوسع تباعاً لتشمل أكثر من عشرين قطراً تعتقد المخابرات الأمريكية أن لجماعة «القاعدة» وجوداً بها، وتشمل تلك الأقطار بلاداً عربية، كما تشمل بلاداً سيستغرب الكثيرون لوجود أي ارتباط لابن لادن بها كاثيوبيا واريتريا! وهكذا فسيكون اصطياد ابن لادن أمراً صعباً لا يشبه بحال رحلة القوات الأمريكية لاصطياد نورييجا في بنما. توسيع الحرب إذا ما تم سيحبط خطة أخرى قد تبدو أجدى، وهي خطوة التحالف مع بعض القوى مؤقتاً، من أجل ضرب الإرهاب، ثم الانقلاب على تلك القوى وضربها أخيراً. ففي حالة شن هجوم على إيران لتدمير منشآتها العسكرية والصاروخية، فمن المؤكد أن تفتح إيران حدودها للأفغان، وأن تدعم مجهودهم في حرب العصابات، وإذا تم الغدر بباكستان ووجهت ضربات صاروخية ـ بالتعاون مع الهند وإسرائيل ـ لاستئصال أسلحتها النووية والصاروخية، فسيفسد كل المجهود الأمريكي حيال أفغانستان. هذا الاحتمال كان راجحاً قبل قبول باكستان للمطالب الأمريكية الأربعة، وهو الذي أدى بها لقبول تلك المطالب، ولكن قبول المطالب لا ينفي ذلك الاحتمال نهائياً، لأنه مطلب اسرائيلي قديم، لا يمكن أن ينتفي نهائياً من الأجندة الأمريكية العليا. خلط الأهداف إذا أنجز الجيش الأمريكي أهدافاً كبرى مثل هذه، يكون قد خلط أوراقه بيديه، وحارب أهدافاً كبرى واضحة، عوضاً عن الأهداف الصغرى الخفية، التي شبهها بورتر جوس رئيس لجنة المخابرات بمجلس النواب الأمريكي، والذي سبق له أن عمل ضابطاً بالـ «سي.آي.ايه»، بأنها من صغرها تشبه جراثيم الأمراض المعدية كالطاعون. وهو طاعون لا يمكن لأمريكا أن تكافحه وحدها، مهما كانت قوتها، ولذلك فمن أبلغ الحمق أن تستعدي دولاً أخرى عليها في هذا الحين. أياً ما كان الأمر فإن أمريكا ستنخرط في حرب طويلة المدى، مع أعداء لا تعرفهم على وجه التحديد، وهي حرب لا يمكن التكهن بنهايتها ونتائجها. وإذا كان بوش قد أكد مراراً أن النصر سيكون حليف أمريكا فيها، إلا أنه سيكون نصراً متأخراً ومكلفاً، حيث دعا مواطنيه لعدم التعجل، وعدم التبرم بالتضحيات والخسائر، وهو طبعاً يقصد خسائر الطرف الأمريكي وحسب. ولكن التعجل قد بدأ من الآن. فالكل يريد للحرب أن تبدأ بسرعة، وأن تنتهي بسرعة وأكثر المتسرعين ذوو غرض خاص، فهم يريدون للحرب أن تشتعل مع مشاعر الغضب المشتعل في صدور الشعب الأمريكي الآن، وهي مشاعر قد تبرر للعسكر ارتكاب كل الفظائع ضد الأفغان، إن الحرب ضد الإرهاب هي حرب مشروعة بالتأكيد، ولكن استئصال المدن والقرى بساكنيها المدنيين هو إرهاب من نوع آخر، وسيدفع لاحقاً الى تنامي إرهاب مضاد، وهكذا ستتوالد سلاسل العنف والعنف المضاد بلا انقطاع، وهو أمر ليس في مصلحة أمريكا، ولا في مصلحة العالم الإسلامي في أي حال. بقلم: د. محمد أبو إبراهيم ـ أستاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة