في الوقت الذي تدق فيه الولايات المتحدة طبول الحرب من أجل الانتقام ورد الاعتبار لهيبتها، تسعى من جانب آخر لحشد التأييد السياسي اللازم لهذه الحرب وذلك من خلال تكوين تحالف دولي الهدف منه كما تقول مكافحة ومحاربة الارهاب. واذا كانت هناك العديد من الدول وخاصة الاتحاد الأوروبي فضلا عن بعض الدول من هنا وهناك قد أعلنوا ترحيبهم وموافقتهم على هذا التحالف، فإن هناك دولا ما زالت تتحفظ عليه مثل مصر التي أعلنت صراحة رفضها له، وأخرى تواجه بضغوط داخلية تمنعها من الاشتراك فيه وتظل التساؤلات مثارة حول نجاح الولايات المتحدة في الحشد الدولي ضد الارهاب وطبيعة مواقف الدول العربية والاسلامية ازاء الطرح الأمريكي حول هذا التحالف، وهل يعد هذا تحولا في الاستراتيجية الأمريكية، والتوقعات بالنسبة لطبيعة الهجوم المحتمل على أفغانستان ومناطق أخرى لم تتحدد بعد حشد المجتمع الدولي بداية يقول د. محمد السيد سعيد نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ان ما تسعى اليه الولايات المتحدة في الوقت الحالي هو اقامة تحالف دولي على غرار ما حدث ابان عاصفة الصحراء، أي حشد المجتمع الدولي وراء هدف واحد هو محاربة الارهاب ولكن الاختلاف هذه المرة أن هذا الحشد سياسي أكثر من عسكري كما حدث وقت عاصفة الخليج، هذا الحشد السياسي تريده الولايات المتحدة كغطاء للعمليات العسكرية التي تنوي القيام بها ضد حكومة طالبان وغيرها من المناطق الأخرى، أما أن يأخذ هذا التحالف ترجمة عسكرية مباشرة فإن هذا الأمر صعب حدوثه وخاصة أن أي عمليات عسكرية ضد دولة مثل أفغانستان في الغالب ستكون عمليات بائسة فاشلة ومن هنا اذا حدث وتكون هذا التحالف على أساس عسكري فغالبا سينهار سريعا وبعد شهور قليلة وسيكون لذلك مردوده السلبي ويرى د. سعيد أن روسيا جاءتها فرصة ذهبية الآن لكي تساوم الولايات المتحدة على طبيعة موقفها بالنسبة لهذا التحالف وخاصة أنها تعد البوابة الرئيسية لنجاحه، فهي ستحاول الحصول على مكاسب كبيرة من أجل الموافقة عليه مثل أن تتعهد الولايات المتحدة لها بأنها ستتوقف عن اقامة برنامج الدرع الصاروخية وخاصة أنها مستاءة منه ويستطرد: كما أن الروس لن يوافقوا على اقامة هذا إلا اذا تأكدوا أنه سيكون لفترة مؤقتة ولهدف محدد وعندها قد تشارك روسيا فيه بأن تسمح للطائرات الأمريكية باستخدام أجوائها وتقديم بعض التسهيلات العسكرية الأخرى وخاصة أن هذا يحقق لروسيا مصلحة من ناحية أخرى حيث أنها تريد القضاء على حكومة طالبان، فضلا عن أن تورط الأمريكان في هذه المنطقة لاشك أنه سيسعد الروس حتى يذوقوا مرارة ما حدث لهم من قبل، كما أن الجمهوريات الروسية الاسلامية الثلاث طاجكستان وأوزبكستان وكازاخستان لديها مشكلة كبيرة مع طالبان وبالتالي لن تتأخر في تقديم العون للأمريكان ولكن المشكلة تظل في أن روسيا فقط هي التي تستطيع المساعدة بشكل فعلي ولذلك ستحاول الولايات المتحدة جذبها الى هذا التحالف بشتى الطرق حتى لو كلفها ذلك ثمنا كبيرا. ويعتقد د. محمد السيد سعيد أن استعجال الولايات المتحدة للقيام عمل عسكري ضد حكومة طالبان ليس تصرفا حكيما وغالبا ستدفع ثمنا كبيرا له، ولذلك فهناك معارضة شديدة من الفنيين أو الخبراء العسكريين في الادارة الأمريكية لهذا العمل لأن أقصى ما ستستطيع القوات الأمريكية عمله هو القيام بقصف جوي وصاروخي مكثف ضد المواقع الافغانية وكلها جبال ولن تكون الخسائر فادحة كما يريد الأمريكان، كما أنهم لن يستطيعوا أبدا التورط في عملية أكبر مثل الاقدام على انزال بري تقوم به قوات الكوماندوز الأمريكية وخاصة أن هذا أمر مكلف جدا وغير مضمون النجاح وقد يكلف القوات الأمريكية خسائر بشرية كبيرة ومن هنا تصبح أفغانستان مستنقعا للقوات الأمريكية كما كانت من قبل كابوسا للقوات السوفييتية، ولكن مع ذلك يرى د. السعيد أن الضغوط التي يمارسها اليمين المتطرف في الادارة الأمريكية حيث أنه هو الذي يصر على العمليات العسكرية وذلك بهدف الانتقام ولتهدئة ثورة الشعب الأمريكي الهائج والذي شعر أنه طعن طعنة في كرامته وقوته ومن ثم فالتورط الأمريكي قادم رغم أنه كان يمكن للولايات المتحدة التعامل مع هذا الأمر بشئ أكثر حكمة من خلال مؤتمر دولي لمكافحة الارهاب واستراتيجية مستقبلية للتعامل معه، وفيما يتعلق بمواقف الدول الاسلامية والعربية بالنسبة للطرح الأمريكي حول فكرة التحالف الدولي لمواجهة الارهاب يرى د. السعيد أن الولايات المتحدة لا تريد من الدول العربية والاسلامية وخاصة في منطقة الشرق الأوسط أكثر من قيام حكوماتها بالتأمين الثقافي والسياسي العام في المنطقة في حال حدوث العمليات العسكرية في أفغانستان بمعنى تهدئة الخواطر الدينية وخاصة أن افغانستان دولة اسلامية، وهذه مهمة يسيرة على هذه الدول وخاصة في ظل ممارسات حكومة طالبان التي لم تنجح في تكوين صداقات تذكر حتى مع الدول الاسلامية والعربية، أما المشاركة في العمل العسكري فغالبا لا تريد الولايات المتحدة مثل هذا الأمر من دول المنطقة. حملة عسكرية كاملة ومن جانبه يتفق الخبير الاستراتيجي د. عماد جاد مع الرأي الذي يرى في أن الولايات المتحدة تريد من هذا التحالف الذي تسعى لاقامته التأييد السياسي فقط، حيث أنها ستتولى بمفردها الحملة العسكرية كاملة وخاصة أن العمليات العسكرية المتوقعة لن تكون عمليات برية تحتاج قوات كثيرة، ولكنها غالبا ستكون طلعات جوية، فضلا عن القصف الصاروخي من السفن الحربية وحاملات الطائرات المتمركزة في أكثر من منطقة ولكنهم مع ذلك سوف يحتاجون قواعد عسكرية في بعض البلدان المجاورة كما سيطلبون بالتأكيد معلومات من بعض الدول عن المواقع الأفغانية، وحول مواقف الدول العربية والاسلامية من هذا التحالف يرى د. عماد جاد أنه بلاشك هناك دول ستكون حيوية بالنسبة للأمريكان ومنها باكستان ولذلك كانت الرسالة الأمريكية اليها شديدة وواضحة وهي ضرورة المساندة والدخول في التحالف وتسهيل مهمة وعمل القوات الأمريكية ولذلك سارع الجنرال برويز مشرف بعقد اجتماعات مع الأحزاب السياسية ولكن يبدو أنهم لم يوافقوا على المطلب الأمريكي ولذلك فالرجل في مأزق، كما تردد أنهم اتصلوا باليمن للتنسيق كذلك، في حين رفضت مصر الانضمام الى التحالف، وعموما فإن الدول العربية والاسلامية وخاصة في منطقة الشرق الأوسط لن تطلب منهم الولايات المتحدة المشاركة بشكل مباشر في العمليات العسكرية المحتملة ضد حركة طالبان ولكنها قد تحتاج منها بعض المساعدات مثل تقديم التسهيلات العسكرية أو اتاحة الأجواء أمام القوات الجوية الأمريكية، أو تقديم خدمات الامداد والتموين لهذه القوات أو تقديم بعض المعلومات، أما المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية فهذا أمر مستبعد، وفيما يتعلق بتهميش دور الأمم المتحدة في الأمر ومن قبله في أحداث أخرى يقول د. عماد جاد: لا داعي لتحميل الأمر أكثر مما يحتمل، لأنه اذا قامت الولايات المتحدة باحالة الأمر الى مجلس الأمن فأعتقد أنه كان سيعطيها تفويضا كاملا لاتخاذ كل الاجراءات التي تراها ولن تجرؤ أي دولة عضو فيه باستخدام حق الفيتو لاعاقة ذلك، فهذه الدول لم تستطع أن تفعل ذلك وقت أزمة حرب الخليج الثانية فهل تقدر أن تفعل ذلك والدولة التي تم الاعتداء عليها هي الولايات المتحدة نفسها، كما أنه يجب ألا ننسى أن الولايات المتحدة سبق لها التدخل في أحداث أخرى مثل كوسوفو دون اللجوء الى الأمم المتحدة. تأييد سياسي ويرى د. عماد جاد أنه وعلى الرغم من ان التحالف الأوروبي الأمريكي يسير ومنذ فترة باتجاه التفكك بدليل قيام الاتحاد الأوروبي ببلورة سياسة خارجية وأمنية خاصة به ومستقلة عن الولايات المتحدة، إلا أنه في الوضع الحالي وفي ظل هذا الظرف لا يستطيع إلا أن يعلن تأييده لكل الاجراءات الأمريكية لمعالجة ما حدث، وعموما فليس متوقعا أن تشارك قوات من الناتو في العمليات العسكرية المتوقعة لسبب بسيط هو أن مشاركة الناتو قد ينتج عنها بعض الاجراءات التي قد تعطل الولايات المتحدة وخاصة أن كل دولة أوروبية في حال مشاركتها ستريد معرفة كل شئ عن العمليات وطبيعتها ومدى سلامة جنودها الذين سيشاركون فيها، ولذلك فالولايات المتحدة تريد هي أن تقوم بتنفيذ العمليات العسكرية دون مساعدة من أحد إلا اذا كان تأييدا سياسيا ودبلوماسيا، فضلا عن تقديم التسهيلات من الدول المجاورة لأفغانستان، أما بالنسبة لروسيا فهي وإن كانت قد أعلنت دعمها للولايات المتحدة إلا أنها رفضت في الوقت نفسه أن تستخدم القوات الأمريكية الأراضي الروسية وخاصة في الجمهوريات المتاخمة لأفغانستان مثل طاجكستان، وفي النهاية يعتقد د. عماد أن الأفضل من الاسراع بعمل عسكري من جانب الولايات المتحدة هو القيام بتحرك دولي لمواجهة ومكافحة الارهاب وتحت المظلة الدولية ثم يتم البناء عليه من أجل استئصال هذا المرض، وذلك بدلا من الضربات العسكرية التي ستزيد بلاشك العداء للولايات المتحدة. القاهرة ـ مكتب «البيان»: