لقد أحدث الانفجار الدموي الذي وقع بمبنى التجارة العالمي بنيويورك في الحادي عشر من سبتمبر الحالي انفجاراً عاطفياً عارماً وسط الشعب الأمريكي، وأيقظ شعوراً قوياً من الحزن والغضب، وأبرز ما يُشبه الإجماع الوطني على ضرورة شن حرب انتقامية شاملة ـ بلغت ما تبلغ التكلفة في الأموال والأرواح. ولم ينحصر ذلك الانفجار العاطفي في الأعداد الهائلة من الأعلام التي رفعت على السيارات والمنازل والطرقات، أو الصلوات العامة التي شارك فيها الآلاف، أو الأناشيد الوطنية في المدارس، وحملات التبرع بالدم والمال، وانما امتد الطوفان إلى سائر الأجهزة التشريعية والتنفيذية والعسكرية والأمنية ـ إذ استطاعت إدارة الرئيس بوش في ساعات معدودة أن تنال تفويضاً من الكونجرس بشن الحرب، وأن تنال موافقة على أكثر مما طالبت به من مبالغ مالية، وأن تنال تأييداً دولياً من حلفائها الأوروبيين وغيرهم لم يسبق له مثيل. وتحوّل الرئيس بوش ـ في لحظة ـ من رئيس مغمور ومطعون في شرعيته يتوارى من الإعلام، إلى رئيس ضخم يقود أكبر دولة عسكرية في العالم، ويخطط لأكبر حملة عسكرية يمكن أن تعدل مسارات السياسة الدولية والاقتصاد العالمي لسنوات عديدة. ولكن بعد كل هذا الزخم يبقى سؤالان عريضان: من هو العدو؟ وما هي طبيعة المعركة العسكرية التي تتجهز الإدارة الأمريكية للقيام بها؟ في محاولات الإجابة عن هذين السؤالين، يبرز اتجاهان أساسيان في الساحة السياسية والإعلامية والعسكرية: الاتجاه الأول: اتجاه الحرب الحاسمة، يقول دعاة هذا الاتجاه إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر مرتبطة بأسامة بن لادن، وبشبكة الإرهاب التي يديرها، وإنها ناتجة عن كراهية لكل ما تمثله الولايات المتحدة من حُريات وانفتاح وازدهار اقتصادي، وإنه بالتالي يجب على الولايات المتحدة أن تدافع عن قيّمها وأمنها، ولن يكون ذلك إلا بشن حرب استئصالية شاملة تطال شبكة الإرهاب التي يديرها ابن لادن، وتطال الأنظمة التي تدعمه وتؤويه. الاتجاه الثاني: اتجاه التأني والمراجعة، يقول دعاة هذا الاتجاه إنه لا توجد حتى الآن أدلة مادية شافية تثبت تورط ابن لادن في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولكن على افتراض وجود مثل هذه الأدلة، فلا يزال هناك سؤال عن الأسباب الموضوعية التي تجعل مثل هذه العمليات الإرهابية تصوّب نحو الولايات المتحدة على وجه الخصوص. ولا يكفي هنا أن يقال إن السبب الأساسي هو كراهية ما تمثله أمريكا من الحرية والازدهار الاقتصادي، إذ من الممكن أيضاً أن تكون الكراهية منصوبة للوجه الأمريكي الآخر ـ الذي يظهر في مساندتها المستمرة لإسرائيل، واستغلالها المستمر لموارد النفط في العالم الإسلامي والعربي، وإعراضها المستمر عن حالة البؤس والفقر والمرض التي تعج بها معسكرات اللاجئين في فلسطين وأفغانستان وباكستان وإيران ـ حيث يتحوّل البؤس إلى تطرف ديني، ويتحوّل التطرف الديني إلى صورة الإرهاب الذي تراه الآن الولايات المتحدة في أراضيها. فإذا ظهر أن الكراهية ليست هي الدافع الوحيد، فقد يظهر أيضاً أن إرسال الطلعات الجوية إلى أفغانستان وإمطارها بكميات من الصواريخ لن يحل مشكلة الإرهاب ولن يوفر الأمن إلى المواطن الأمريكي، حتى ولو أفلح في القضاء على ابن لادن، وفي امتصاص موجة الغضب وشهوة الانتقام التي يعانيها الشعب الأمريكي في لحظة المأساة. وبالطبع، فإن هذين الاتجاهين غير متساويين في الوزن. بل إن الاتجاه الأول ـ الداعي للحرب والساعي إليها ـ كاد أن يكون هو التيار الوحيد في الأسبوع الأول للأزمة، وذلك بفعل الصدمة النفسية، وحجم الخسائر البشرية والمادية، وبفعل العاطفة الوطنية التي فجرتها المأساة. ولكن سرعان ما بدأ الاستراتيجيون ومستشارو الأمن والدفاع يقترحون على الرئيس بوش تغييراً في خطابه العام، وتحوّلاً من الحديث المستمر عن الحرب والانتقام إلى الحديث عن الصبر والتضحية والنفَس الطويل وذلك حتى لا يتوهم الجمهور أن بإمكان الرئيس أن يأمر بضربة خاطفة فيقضي على العدو. وبناءً على مثل هذه الرؤية ذهب الرئيس يقرأ على المواطنين من منتجع كامب ديفيد الشهير بياناً قصيراً يقول فيه: «إن الانتصار على الإرهاب لن يتم في معركة واحدة وانما يحتاج إلى سلسلة من العمليات الحاسمة ضد التنظيمات الإرهابية وضد أولئك الذين يؤونها ويقدمون لها المساعدات... إننا نخطط لحملة واسعة المدى وطويلة النفَس حتى نتمكن من تأمين بلادنا واستئصال شأفة الإرهاب...». وهذا توجه يُفارق الخط الأول قليلاً، ولكنه لا يتخلى عن خيار الحرب، وهو يعني أموراً كثيرة على كافة الأصعدة: الداخلية والخارجية. فهو يقصد على المستوى الداخلي أن ينقل المواطن الأمريكي من المرحلة الراهنة التي تسود فيها شهوة الانتقام والثأر العاجل إلى مرحلة الصبر والاستعداد لتضحيات كثيرة في مجال الحريات الشخصية والمصالح الاقتصادية. وقد بات من الراجح أن تعدّل كثير من القوانين لتعطي صلاحيات واسعة لأجهزة الأمن والمخابرات، وأن تعدّل الخطط الاقتصادية لتتواءم مع متطلبات المرحلة الأمنية الجديدة، وقد يصبّ كل ذلك في اتجاه تعزيز الشخصية القيادية للرئيس، ووضعه في مقام الرئيس روزفلت أو كنيدي. أما على المستوى الخارجي فقد يقصد به تأسيس مبدأ جديد في العلاقات الدولية يعاد فيه تقسيم العالم إلى من هم في خانة الصداقة لأمريكا والتعاون معها في معركتها الرّاهنة، ومن هم في خانة القوى الداعمة للإرهاب. وهذا يعني بصورة علمية أن على الدول العربية الصديقة أن تعدّل سياساتها وفقاً للمبدأ الجديد حيث ينبغي عليها أن تتحرك إيجاباً في اتجاه تخفيض منابع الإرهاب، وتقديم المعلومات، وتسهيل عمليات الملاحقة التي تجريها الأجهزة الأمريكية. ويعني هذا تحديداً أن على باكستان أن تستجيب بصورة عاجلة للمطالب الأمريكية الثلاثة: إغلاق الحدود مع أفغانستان، والسماح للقوات الأمريكية باستخدام الأجواء (وربما الأراضي) الباكستانية، وتقديم المعلومات اللازمة عن شبكة أو شبكات الإرهاب في المنطقة. ولكن على افتراض أن كل هذا قد تحقق ـ فقدمت الدول الصديقة ما هو مطلوب منها، ووافقت الدول المجاورة (باكستان) على استضافة القوات الجوية الأمريكية، وأن هذه القوات قامت بالفعل بقصف أفغانستان، فهل سيكون لهذه الضربات الجوية أثر؟ وما هي المنشآت الاستراتيجية أو غير الاستراتيجية التي يمكن تدميرها في أفغانستان؟! أما فيما يتعلق بإنزال قوات للمشاة، فإن العديد من المراقبين يستبعد أن تكرر أمريكا تجربة فاشلة وقع فيها الاتحاد السوفييتي حينما قام بغزو أفغانستان ولم يخرج منها إلا وقد تقطعت أوصاله وتحول من الاتحاد السوفييتي العظيم إلى مجرد روسيا. لم يبق إذن إلا العودة إلى الاتجاه الثاني في التفكير ـ اتجاه التأني والمراجعة الذي أشرنا إليه آنفاً. ويقول أصحاب هذا الاتجاه: إن الولايات المتحدة أنفقت ما يقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار في تسليح وتجهيز المجاهدين الأفغان في حربها ضد الروس في الفترة من 1979 إلى 1989، ولكن ما أن تمّ انسحاب القوات الروسية من أفغانستان، وإلا وقد انسحبت أمريكا ـ تاركة أعداداً هائلة من الأسلحة بأيدي المجاهدين الأفغان، غير عابئة بالحروب الأهلية التي دخلوا فيها، وبالدمار النفسي والمادي الذي تعرض له الشعب الأفغاني. ويقول أصحاب هذا الاتجاه: إن الأرض لم تنشق فجأة فتخرج عنها حركة طالبان، ولكن حركة طالبان أثرٌ من آثار السياسة الأمريكية، تولّدت في المدارس الدينية المقامة في معسكرات النازحين وفي أعقاب الفوضى الأمنية والسياسية على إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، فإذا سارت هذه الحركة في اتجاه التطرف الديني، والتقت أهدافها مع أهداف ابن لادن، وسارا معاً في الاتجاه المعادي لأمريكا فإن ذلك وضعٌ لن تحسمه المعارك العسكرية، أليس من الأجدى لأمريكا بعد أن تقرّ بأخطائها التاريخية في المنطقة، أن تقوم بمراجعة شاملة لاستراتيجيتها، بدلاً من التستر بعبارة: «نحن مستهدفون لأننا نمثل أبهى طاؤوس للحرية والفرص في العالم؟». بقلم: د. التيجاني عبدالقادر ـ فرجينيا ـ الولايات المتحدة