لم تكن مشاهد من فيلم للخيال العلمي، ولم تكن كائنات فضائية هي التي أقدمت على الفعل، وإنما كانت وقائع حقيقية قام ببطولتها أشخاص من لحم ودم دفعوا العالم لأن يحبس أنفاسه ترقبا لعدة ساعات يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2001، ورغم إدانة الرموز الرسمية في بلدان العالم كله أعمال الإرهاب عموما، والدعوة إلى سرعة الكشف عن الفاعلين، إلا أن السؤال: من الفاعل ينبغي أن يسبقه سؤالان آخران هما: لماذا الفعل؟ ومن المستفيد؟ ولعل البحث عن إجابات لهذه الأسئلة سيضع الولايات المتحدة أمام حقيقة مرة تجنبت كثيرا الالتفات إليها: أن غرور القوة ـ الذي دفعها إلى التطلع دائما إلى مواصلة بسط هيمنتها على شتى بقاع العالم ـ أنساها الالتفات إلى أولئك الذين داست أعناقهم بوحشية في طريقها لتكريس الهيمنة، كما أسفر عن التراخي الأمني الداخلي الذي مارسته أجهزتها. ومن هنا يتضح أن قوى عديدة تطلعت طويلا إلى يوم تتجرع فيه الهيبة الأمريكية مرارة الهوان مثلما تجرعته شعوب كثيرة في أوروبا، وأفريقيا، وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، بل وداخل الولايات المتحدة نفسها. الأمر الذي جعل دماء الهيبة الأمريكية، النازفة بفعل حوادث ذلك اليوم المشهود، تتفرق بين قبائل عدة. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن يوم الثلاثاء الدامي ربما مثل انعطافة تاريحية نحو تحقيق نبوءة العديد من المحللين أواخر القرن الماضي، ومنهم المفكر الأمريكي بول كيندي الذي تنبأ في كتابه المهم: «صعود وسقوط القوى العظمى» بانهيار الاتحاد السوفييتي ثم، وفي وقت لاحق، انهيار تفرد الولايات المتحدة بالسيطرة على العالم كقوة عظمى وحيدة تمهيدا لتحول العالم إلى عهد التعددية القطبية. ولاشك أن الانفجارت التي وقعت جميعها خلال أقل من ساعة واحدة سيكون لها تداعياتها طويلة الأجل على كل من الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة وخارجها، فسيضطر صناع السياسة الأمريكية بالقطع إلى إعادة النظر في العديد من سياساتهم، كما أن الإحساس الحقيقي بعدم الأمان الذي شهدته المدن الأمريكية سيؤثر على تحركات رؤوس الأموال وعلى الدولار وأسعار النفط لفترة من الوقت ليست بالقصيرة،. وسيحتاج الرأي العام الأمريكي الذي لم يشهد حربا على أرضه منذ الحرب الأهلية قبل نحو قرن ونصف القرن ـ والذي ظل طويلا يشعر بالأمان اعتمادا على أن بلاده قارة بعيدة يفصلها محيطان عن بؤر الاضطراب في العالم ـ إلى مرور فترة طويلة قبل أن يسترد الإحساس بالأمان والثقة في قادته. وربما تكمن الخطورة في احتمال إقدام هؤلاء القادة على عمل انتقامي متهور بهدف تقديم كبش فداء لامتصاص صدمة الرأي العام الداخلي وحفظ ما تبقى من ماء الوجه على الصعيد الخارجي. ولكن أيا ما كانت الأسباب والنتائج، فالأمر المؤكد أن العالم لن يعود أبدا مثلما كان عليه قبل ذلك الثلاثاء. إكرام يوسف