محاولة جديدة قامت بها سوريا مؤخرًا، خلال زيارة وزير الري السوري طه الأطرش لأنقرة في الحادي والعشرين من أغسطس الماضي، لتحريك ملف المياه مع تركيا، مستغلة في ذلك التحسن المتنامي في العلاقات الثنائية بين الطرفين، غير أن أنقرة لم تقدم أي جديد لتسوية الخلاف القائم بين الدولتين والمتعلق باقتسام مياه نهر الفرات، حيث دأبت على تكرار إجابات دبلوماسية ردًا على المطالب السورية. غير أنه يجب الإشارة إلى أن تلك المواقف السورية أو التركية ترجع إلى الستينيات من القرن الماضي حينما بدأ الحديث عن اقتسام مياه نهري دجلة والفرات بين العراق وتركيا وسوريا، وفي هذا السياق فإن أي محاولة لتفهم المطالب السورية وردود الأفعال التركية عليها، تقتضي الرجوع إلى معرفة جذور الخلاف بين الدولتين، ووجهة نظر كل دولة، بالإضافة إلى موقف القانون الدولي من المسألة، ثم كيفية تعامل الأطراف مع الخلاف، وأخيرًا نعرض للزيارة التي قام بها وزير الري السوري لأنقرة مع محاولة استشراف الوضع في المستقبل. جذور الخلاف يدور الخلاف بين سوريا وتركيا حول كيفية اقتسام مياه نهر الفرات، وقبل استعراض وجهة نظر كل دولة قد يكون من المفيد التعريف بنهر الفرات الذي تدور حول مياهه الخلاف. يبلغ طول نهر الفرات حوالي 2726 كيلو مترًا منها حوالي 900كيلو متر في الأراضي التركية، وأكثر من 1000 كيلو متر داخل الأراضي السورية، وحوالي 826 كيلو متر داخل الأراضي العراقية، وينبع النهر من الهضبة الأرمينية شرق جبال الأناضول في تركيا، ويتألف من رافدين رئيسيين هما: مرادصو ويبلغ طوله 650 كيلو مترا، وفرات صو وطوله 470 كيلو مترا، ويلتقيان في حوض فلسطية الذي تتجمع فيه مياه الرافدين إلى مياه أخرى غزيرة ليتكون منها الفرات الذي يمر في سوريا والعراق ليصب في الخليج. وتعود المشكلة لبداية الستينيات في القرن الماضي حين قررت كل من سوريا وتركيا وضع برنامج مشترك لاستغلال مياه نهر الفرات ببناء السدود عليه، ولم يشترك العراق في البرنامج بسبب الأوضاع الداخلية آنذاك فكان أن قامت تركيا ببناء سد كيبان، في حين قامت سوريا ببناء سد الطبقة، وفي عام 1980 تم التوقيع على اتفاق بين تركيا والعراق على تشكيل لجنة فنية مهمتها وضع خطة للتقسيم العادل لمياه نهر الفرات بين الدولتين إضافة إلى سوريا التي انضمت للاتفاق أيضًا، غير أن تلك اللجان لم تنجح في إنجاز مهمتها بسبب غموض الموقف التركي، ومنذ ذلك الوقت شرعت الدولة التركية في استغلال مياه الفرات على هواها بسبب تضارب المصالح والخلافات السياسية بين العراق وسوريا من جهة وسوريا وتركيا من جهة أخرى. ومما أثار كل من سوريا والعراق قيام تركيا ببناء سلسلة من المشروعات المائية على النهر دون التشاور معها .. حيث نفذت تركيا مشروعا مائيا كبيرا في جنوب شرق الأناضول عُرف باسم «جاب» ويتألف من و 21 سدا و17 محطة لتوليد الطاقة الكهربائية بتكلفة 18مليار دولار، ومن أهم السدود المقامة من هذا المشروع سد أتاتورك الذي يعد خامس سد في العالم من حيث الحجم يبلغ ارتفاعه 169 مترًا عن مستوى النهر، كما يبلغ ارتفاع هيكل السد 125 مترًا، ومساحة بحيرته 817 كيلو مترًا وسعتها 48مليار متر مكعب من المياه. وترى سوريا أن من شأن مشاريع المياه التركية أن تؤدي إلى تخفيض مياه الفرات الداخلة في الأراضي السورية من حوالي 28.5-32.5مليار متر مكعب إلى 11-13.5مليار متر مكعب وهو الأمر الذي سيؤدي إلى تدني الإنتاج الزراعي وعرقلة المخطط السوري في توسيع الرقعة الزراعية في الأراضي القابلة للزراعة والبالغة 20314 مليون دونم، وسيؤدي انخفاض منسوب المياه إلى انخفاض إنتاج الطاقة الكهربائية من محطات السدود، كما أن المشروعات التركية ستؤدي إلى تزايد الاحتياطات التركية من المياه، بحيث تصل إلى أكثر من 50% من واردات النهر السنوية، وهو ما سيؤدي إلى مشكلة بيئية معقدة لسوريا والعراق معًا، حيث أن المياه العائدة من الحقول المروية في تركيا، ستفسد حتمًا مياه الفرات التي ستذهب إلى سوريا والعراق بسبب الأسمدة والمبيدات المتراكمة فيها. اسرائيل تدخل على الخط ويمكن إدراك جدية المخاوف السورية في ضوء حقيقة الأوضاع الجغرافية لسوريا، حيث تغطي الصحراء حوالي 70% من أراضي سوريا التي تتعرض لشح متفاقم منذ ثلاث سنوات يؤثر على منسوب الأنهار وخزانات المياه الجوفية، وقد ترجمت هذه الأزمة في دمشق في صورة نظام صارم لتنقية المياه يعتمد على قطعها بين 21.18 ساعة يوميًا، فالعاصمة التي يسكنها أربعة ملايين شخص تحتاج إلى 750 ألف متر مكعب من المياه يوميًا، لكنها لا تحصل إلا على 317 ألف متر مكعب، وبصفة عامة فقد تفاقمت أزمة المياه مع ازدياد عدد السكان فالسوريون ازداد عددهم من ستة ملايين في عام 1970 إلى 17 مليونا حاليًا وتتوقع الجهات الرسمية أن يبلغ عددهم 24 مليونًا بحلول عام 2010، علاوة على ذلك فقد بلغ العجز المائي نتيجة سنوات الجفاف السابقة نحو 4بلايين متر مكعب سنويًا، وحسب إحصائيات سورية أخيرة فإن البلاد بحاجة ماسة لرفع استخداماتها لمياه الفرات من4.4مليار مترا مكعب في السنة إلى ما يقدر بحوالي 13 مليار متر مكعب حاليًا. ومما زاد من حجم الخلاف وجعل السوريين ومعهم العراقيين يشعرون أن تركيا تحاول تسييس ورقة المياه هو دخول إسرائيل على الخط .. فقد أشارت معلومات إلى أنه تم توقيع اتفاق بين تركيا وإسرائيل يوم 19يونيو2000 تقوم بمقتضاه الأولى بتزويد الثانية بـ50 مليون متر مكعب سنويًا لمدة تتراوح بين 15-20عامًا، وسيتم نقل المياه بواسطة ناقلات عملاقة سعتها 250 ألف طن أو عبر بالونات ضخمة سعة كل منها مليون و800 ألف متر مكعب تسحبها سفن إسرائيلية إلى ميناء عسقلان جنوب تل أبيب حيث سيجري ضخها في شبكات المياه الإسرائيلية علاوة على ذلك فقد توافرت معلومات عن عزم تركيا بيع مياه نهر منفجات إلى إسرائيل حيث تم الاتفاق على كل شيء ولم يبق إلا الاتفاق على السعر فقط. تستند كل دولة في موقفها من عملية تقسيم المياه على بعض الحجج والأسانيد نشير إليها فيما يلي: 1 ـ وجهة النظر التركية: ترى تركيا أن نهر الفرات-كذلك دجلة- هو نهر عابر للحدود، بل أن الإدارة المختصة بالنهرين في وزارة الخارجية التركية تسمى بإدارة المياه العابرة للحدود، وتبرر أنقرة هذا الموقف على أساس أن نهر الفرات ينبع من تركيا التي تزوده بنسبة 88.7% من كميات التدفق التي تبلغ حوالي 31.48 مليار متر مكعب، أما سوريا فإنها تزود النهر بنسبة 11.3% من كميات التدفق وتبلغ حوالي أربعة ملايين متر مكعب فقط، بينما تبلغ مساهمة العراق في تدفق النهر صفرًا. والنتيجة المترتبة على وجهة النظر التركية السابقة هي اعتبار مياه نهر الفرات ـ وكذلك دجلة ـ المتدفقة من روافده في الأراضي التركية مياهًا تركية خالصة، أو موردًا قوميًا تركيًا، وليس ثروة مشتركة مع كل من سوريا والعراق، ومن ثم تخضع هذه المياه إلى حقوق السيادة التركية المطلقة، أو كما عبر الرئيس التركي السابق سليمان ديميريل عندما كان رئيسًا للوزراء بقوله «إذا كان هذا المورد الطبيعي للمياه في بلادنا .. فلنا الحق المطلق في استعماله بالطريقة المناسبة لنا، وليس لسوريا أو العراق أي حقوق في المياه التي تنبع من تركيا»، ويشير المحللون إلى أنه يترتب على التمسك بالسيادة المطلقة على منابع الفرات ودجلة ليس فقط إنكار الحقوق المكتسبة لكل من سوريا والعراق ولكن أيضًا إقرار حق تركيا في الانفراد باستخدام هذه المياه إلى حد تخزينها وبيعها وحرمان السوريين والعراقيين منها. وانطلاقًا من هذا التصور يرى البعض أن تركيا سعت إلى استغلال مياه نهر الفرات بإنشاء خزانات وسدود عملاقة ومشروعات كبيرة للري خلافًا لقواعد القانون الدولي في تقاسم المياه وتوزيعها بين الأطراف المستفيدة بما يحقق العدالة للجميع. فضلا عن اعتبار تركيا نهري دجلة والفرات، أنهارا عابرة للحدود فإن تركيا تنادي منذ فترة طويلة بالتعامل مع النهرين كحوض مائي واحد انطلاقًا من اتحادهما عند بلدة القرنة العراقية ليشكلا معا شط العرب، إلى جانب ذلك تدعو تركيا أيضًا إلى إدخال نهر العاصي ضمن أي اتفاق حيث أنه ينبع من لبنان ويصب في تركيا مرورًا بسوريا، وقد أكدت أنقرة أن سوريا قامت باستغلال مياه هذا النهر دون التشاور المسبق معها ودون التوصل لاتفاق. 2 ـ وجهة النظر السورية تقوم وجهة النظر السورية على الإقرار بحق كل دولة من الدول الثلاث-تركيا وسوريا والعراق- باستثمار حصتها من المياه بما يتفق مع مصالحها الوطنية، وأن يكون لكل بلد الحق في وضع الآليات المناسبة لمشروعاته المائية شريطة أن يلتزم كل طرف بحصته في ضوء حقيقة أن مياه الفرات ليست كافية لجميع المشروعات المائية، كما ترفض سوريا وجهة النظر التركية القائلة بأن نهر الفرات تركي يمر بحدود الغير، وتؤكد أنه نهر دولي تنطبق عليه مبادئ القانون الدولي المعترف بها دوليًا والمتعلقة بشروط التقاسم واستغلال المياه. 3 ـ موقف القانون الدولي يشير خبراء القانون الدولي إلى أن نظرية النهر العابر للحدود قضى عليها تمامًا مشروع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية، وهي اتفاقية إطارية وقعت بالأحرف الأولى عام 1997، وسوف تدخل حيز التنفيذ عندما تصدق عليها 35 دولة عضوا في الأمم المتحدة، وقد اعتبرت هذه الاتفاقية كل مجرى مائي يمر في دولتين أو أكثر، أو بين دولتين أو أكثر مجرى مائي دولي، ولم تستخدم الاتفاقية قط تعبير نهر عابر للحدود. علاوة على ذلك وفيما يخص المطلب السوري باستمرار ما جاء في بروتوكول عام 1987، فقد صرح رئيس هيئة مياه الدولة في تركيا للوفد السوري أن بلاده لم تقدم أي التزام دائم بخصوص تمرير كمية معينة من مياه الفرات إلى سوريا مشيرًا إلى أن ما يصل سوريا من هذه المياه وصل أحيانًا إلى 840 مترا مكعبا/ الثانية وهبط في شهور عديدة لأقل من 300 متر مكعب/ الثانية. ويرى البعض أن المواقف التركية تشير إلى حالة من التهرب من قبل المسئولين الأتراك في مواجهة الملف المائي مع سوريا والعراق، ومما يؤكد هذا الطرح ما ذكرته صحيفة «صباح» التركية في شهر يناير الماضي من أن وزارة الخارجية التركية أشارت في تقرير لها إلى أن «العراق وسوريا لا يمكنهما إعداد بنية تحتية حديثة للاستغلال العملي الأفضل للمياه» في إشارة إلى اتهام البلدين بالإسراف في استغلال المياه وصعوبة الاتفاق معهما على صيغة عملية لتقسيم مياه الفرات، وهي الحجة التي تلجأ إليها أنقرة دومًا للتهرب من التوقيع على اتفاقية نهائية لتقسيم المياه. أخيرًا يمكن القول أن الخلاف السوري التركي حول المياه مازال قائمًا ولم تتخذ فيه أي خطوات جديدة بما يقلل من حجم الخلاف بين الدولتين.. فمازالت سوريا تطالب بتوقيع معاهدة نهائية تضمن حصولها على حقوقها المائية من نهر الفرات، ومازالت تطالب أيضًا بالتزام تركيا ببروتوكول 1987، وقد برزت وجهتا نظر حول مستقبل ذلك الخلاف، فهناك فريق يرى أن زيارة الوزير السوري لأنقرة وتفقده لمشروع «جاب» الذي طالما كان محل انتقاد سوريا إنما يعني إمكانية حدوث تقارب في وجهتي نظر البلدين لاسيما في ظل تحسن العلاقات الثنائية بين الدولتين، وعلى الجانب الآخر يرى فريق ثان أن استمرار تركيا على موقفها ربما يرشح علاقات البلدين لمرحلة أخرى من الفتور التي قد تتحول لمرحلة جديدة من التوتر، خاصة إذا ما تردد الأتراك في فهم وتفسير المشاعر والسياسات السورية. دمشق ـ المركز الدبلوماسي: