ثلاثون عاما قضاها الرئيس الاريتري أسياسي أفورقي في ميدان القتال في سبيل استقلال بلاده عن هيمنة كانت فرضتها جارتها الكبيرة أثيوبيا عليها. لكن أفورقي الذي استطاعت جبهته بالتعاون مع صديقه القديم وخصمه اللدود حاليا ميليس زيناوي رئيس الحكومة الاثيوبية، تحقيق انتصارات مدوية على بقايا جيش الكولونيل مانجستو هيلاماريام، في عام 1993، استقل ببلده، وبدأ معها مرحلة جديدة تم خلالها تثبيت كيان الدولة وبناء هياكلها انطلاقاً من نقطة الصفر، ومع كل ذلك ظل الرئيس الاريتري آسياسي أفورقي شخصية مثيرة للجدل، فخلال سنوات قليلة من الاستقلال دخلت بلاده في العديد من المشكلات مع جيرانها، فمن اليمن التي احتلت منها جزيرة حنيش الى ان استعادتها صنعاء بقرار من محكمة العدل الدولية الى الدخول في مشكلات مع السودان والصومال، ثم الانغماس في الحرب الطاحنة التي استمرت على مدى ثلاث جولات مروعة مع الجارة الكبيرة والمستعمرة السابقة اثيوبيا الى ان انتهت تلك الحرب بتوقيع اتفاق الجزائر في بداية العام الحالي. في هذا الحوار الذي أجري في العاصمة الاريترية أسمرة مع الرئيس الاريتري محاولة للاقتراب من الأفكار الاريترية المطروحة حالياً، والبحث عن اجابات للاسئلة التي تدور في المنطقة العربية حول سياسات الرئيس أفورقي ومستقبل اريتريا. ـ هل اريتريا عربية أم افريقية، ما هوية دولتكم تحديداً؟ ـ يصعب على الانسان ان يتحدث عن هوية معينة على اعتبار ان المواصفات لأي هوية يجب أن يكون فيها مسلمات حتى يمكن للانسان أن يعتمد عليها حتى يحدد الهوية. القضية في اعتقادي هي مزيج من اتجاهات أو اعتبارات سياسية أكثر من أي شيء آخر، والسؤال الذي يطرح نفسه دائماً هو: هل هي اعتبارات عرقية التي تؤخذ في تحديد هوية أي شعب أو مجموعة من السكان، هل هي اللغة التي تحدد هوية الانسان وجماعات اجتماعية في أي موقع؟ هل هو التاريخ أو الثقافة الذي يحدد الهوية؟ هل روابط اقتصادية أو مصالح استراتيجية وغيرها هي التي تحدد هوية الانسان والشعوب؟ هل الموقع الجغرافي هو الذي حدد هوية لأي من كان؟ من الغريب انني دائماً أقول ان الخيارات السياسية هي خيارات مفتوحة لأي انسان، هوية الانسان هي من منشئه ومن عرقه ومن تاريخه ومن ثقافته، وإذا كانت هذه المعايير هي المحددة لأي هوية، فاريتريا جغرافيا تقع في منطقة تضم سلالات من مجتمعات أو فئات اجتماعية موجودة قد تقع هنا أو هناك في اختلاط لأعراق وثقافات فئوية في كثير من الأمور. ونحن دائماً نقول اننا اريتريون قبل كل شيء، لان اريتريا كبلد وكبقعة جغرافية هي التي تحدد في نهاية الأمر، قد تكون هناك قبائل افريقية موجودة في هذا البلد، قد تكون هناك قبائل عربية قد تكون هناك قبائل عريقة موجودة من زمن في هذا المكان، ان هناك اختلاطاً بين المجتمعات، وهناك فئات لدينا، إذ ان لدينا مالا يقل عن تسع لغات أو لهجات في هذا البلد، وهناك أشياء كثيرة تؤخذ في الاعتبار، والطيب في الأمر انه حتى القبائل والعشائر تعرف من أين منشؤها وعلاقتها بالمجتمعات قبل قرون في هذا الموقع الجغرافي. هذه الأمور لايمكن أن تتغير، يعني الواقع هو واقع، فأنا لايمكن أن أغير لوني، ولا يمكن أن أغير من الجينات الخاصة بأعراقي، ولا يمكن أن أغير من الثقافة التي ورثتها الأجيال بالتواصل، بمعنى ان هناك أشياء موروثة لا يمكن أن تتغير، مهما كان اختياري ومهما أردت، لايمكن أن يغير الانسان المواصفات أو المعايير لتحديد هوية بيته أو هوية شعبه، القضية هي قضية سياسية في اعتقادي، وهنا أريد أن أقول ان القضية السياسية عمرها لايتجاوز 50 عاما أو أقل ويمكن أن تمتد على قرن بأكمله، وهي مرتبطة بسياسات في المنطقة العربية، ومنذ البداية منذ أيام الكفاح المسلح اخترنا ألا ندخل في المتاهات السياسية المتعلقة بالأجناس والأعراق والهوية، ورفضنا ان يسألنا أي انسان عن هويتنا، وأي انسان لايحق له أن يشكك في هويتنا ويتساءل من أين أتينا إلى هذه التربة وإلى هذا البلد وكل هذه الأمور في اعتقادي هي اساءة للانسان، هويتك ليست هي بطاقة شخصية تخرجها كي تمرر شيئاً أو تعيش في موقع معين .. اطلاقاً. ان الخيارات السياسية كما قلت هي خيارات مفتوحة، وهنا أسأل هل شعوب موريتانيا أقرب لشعوب الجزيرة أم الشعوب الموجودة في آخر الدنيا هي الأقرب الى العروبة، التي هي في اعتقادي في نهاية الأمر تعني الجزيرة، وحتى الجزيرة جاءت من شعوب من عدة مواقع واختلطت بهذه الشعوب، واعتمدت وأخذت الثقافات التي كانت موجودة في المنطقة، أي اننا نستطيع القول انها مركز العروبة كهوية إذا أخذت الأعراق والثقافات بالاعتبار، لكن الخيارات السياسية موجودة ولا يمكن أن يدعي أي أحد انه عربي أكثر من غيره، يعني ان هناك فئات معينة يمكن أن تنتمي للعروبة دون أن تكون هناك مواصفات متكاملة أو غيرها، فالأمر في اعتقادي أنا ان نضالات هذا الشعب وتاريخه ومجيئه ككيان سياسي خياراته للانضمام الى هذه المجموعة أو تلك المجموعة مفتوحة، فالقارة الافريقية حدودها معروفة، وفيها جزء عربي شمال شرق وهناك جزء افريقي افارقة قد تكون اشكالهم أقرب الى العرب، كذلك العرب ايضا لهم خياراتهم، واذا كان هو: هل هناك انتماء عربي أكثر أم افريقي أكثر؟ آخذين في الاعتبار مصالح استراتيجية سياسية واقتصادية وأمنية، فانني أرد قائلاً اننا جزء من هذه المنطقة سواء أبينا أم رضينا لا يمكن أن يأتي أي انسان باختياره ويدخلنا الى هذه المنطقة أو يخرجنا منها، وباعتقادي ان الاسئلة المطروحة هي هل نحن جزء من منظمة الوحدة الافريقية أم لنا شيء في الجامعة العربية أو أي منظمة أخرى، إن هذه المسألة متروكة لخيارات سياسية لها ظروفها ومسبباتها واستطيع هنا القول ان هذا الخيار مفتوح لنا ولكن ليس خيار الهوية، فخيارات سياسية وأمنية واقتصادية هي العامل الذي يحدد انضمامنا لهذه المجموعة أو تلك. العرب وإسرائيل ـ كيف تقيمون العلاقات العربيبة الاريترية حاليا؟ ـ العلاقات العربية الاريترية متميزة ، واستطيع أن أقول انها قد تكون أقوى من العلاقات العربية العربية، علاقاتنا هي مع الدول العربية والشعوب ، و هي ما تفرضها عدة اشياء من ضمنها الموقع الجغرافي، الثقافي، التاريخي، كما تفرضها المصالح . والحمدلله فعلاقاتنا مع كل الشعوب والدول العربية ممتازة جدا. ـ من هنا أود سؤالكم عن مردود علاقتكم مع إسرئيل ... هل يوازي هذا المردود حجم الضجة التي أثيرت حوله ؟ ـ الغريب في الامر هو ان هذه الضجة لم يكن لها أي مبرر ، وإنما يفاجأ الانسان بأشياء، لايريد حتى التعليق عليها، بعد 91 و93 جرى استفتاء واصبحت اريتريا دولة مستقلة لاعتبارات سياسية وأخرى مرتبطة بالعلاقات في القرن الافريقي وخاصة اثيوبيا واريتريا وبعض البلدان ، لم يكن هناك أي سبب يجعلنا نقول ان علاقات دبلوماسية يجب ان نقوم بمعايير معينة ، امريكا من أكبر الدول التي ساهمت في طمس هذه القضية الاريترية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واستمرت في المساهمة في طمس هذه القضية، ولكن اريتريا المستقلة اختارت ان تقيم علاقات مستقلة مع أمريكا وكثير من الدول التي كانت لها مواقف ضد حق شعبنا في تقرير مصيره، واسرائيل كانت من ضمن تلك الدول وهناك اعتبارات جيو ـ بوليتيكية أو سياسية، قلنا اننا في منطقة حساسة واننا شعب صغير ذو امكانات محدودة، نستطيع أن نعيش في وئام، في علاقات مفتوحة دون النظر للمبادئ والانتماءات وكانت العلاقات مجرد علاقات دبلوماسية لا أكثر ولا أقل. وقد تكون هناك علاقات تعاون لاسرائيل مع بعض الدول العربية وبعض القوى السياسية العربية قد تكون أقوى، يعني مجرد وجود سفارة هناك أما نحن فليس لنا سفارة هناك، وبعد ذلك نسمع عمن يقول ان لدينا قواعد اسرائيلية وعلاقات أمنية، وان هناك وجوداً عسكرياً اسرائيليا، وكلها اختلاقات وأنا لا أدري لماذا؟ وبين حين وآخر هناك حملات سياسية موجهة بشكل أو بآخر، ودون أي سبب باعتقادي. اننا نعيش في القرن الحادي والعشرين وفي ظروف سياسية موجودة في العالم العربي وفي العالم وخاصة في منطقتنا، ان علاقاتنا تحددها اعتبارات سياسية ومصالح مرتبطة بالأمن والاستقرار ولا يجوز لأي انسان ان يأتي ويقول ان هذه العلاقات يجب أن تحدد بمواصفات معينة، لايمكن أن نكون نحن ملكيين أكثر من الملوك في هذه القضية، ولنا تجربتنا السياسية من السبعينيات الى الثمانينيات حتى التسعينيات، وهذا الخيار هو خيار سياسي لاعتبارات معينة، لا تتعارض مع موقفنا مع القضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية، ان موقفنا معروف من زمن ولم يتغير شيء من هذا الأمر، وما يهمنا هو ان لدينا مواقف ومبادئ وآراء، العلاقات الدبلوماسية غير المصالح التي تربطنا بالشعوب العربية وبالمصالح العربية، والضجة حول العلاقات الاريترية الاسرائيلية مبالغ فيه، وقد لا تكون معبرة عن الحقيقة الموجودة فعلاً، ان هذا الأمر أصبح بالنسبة لنا مألوف، والمزايدات ايضا أصبحت مألوفة هنا، وفهمنا للواقع يجعلنا نقول ان علينا أن نكون متريثين والا ننزعج بأي ضجة تثار حول هذا الأمر للأسف الشديد، ان الانسان في الشارع العربي يفهم الأمور بشكل مغلوط عندما تأتي صحيفة تقول ان هناك قواعد اسرائيلية في الجزر الاريترية، ومن يعتمد على قراءاته للأمور من خلال الصحف، يتكون لديه انطباع غير صحيح لكن الزمن كفيل بإيضاح الأمور للشارع العربي فيما يتعلق بموقف اريتريا تجاه القضايا العربية حول العلاقات الدبلوماسية بين اريتريا واسرائيل. علاقات معقدة ـ ولكنكم أدخلتم أنفسكم في صراعات مع جيرانكم .. خاصة في السنوات القليلة التي مرت على استقلال بلادكم .. ألم يكن من الأجدر تنمية اريتريا لا استنزافها في حروب؟ ـ ان هذا ايضا من الاشياء التي اعتبرها مجرد ضجة سياسية وتشويه للحقائق، ومهما كان فان الحقيقة تظهر في نهاية الأمر، الحديث كان قد زاد كثيراً حول الأزمة التي كانت بيننا وبين اليمن والتي حسمت بوسائل قانونية، لأنه لم يكن هناك حدود، ولم يكن هناك شيء وللأسف الشديد الحديث عن تلك الاحداث بعد زمن قد لايكون أمراً مقبولاً، الا انه لايوجد أي مبرر لما حدث مع اليمن ف دون أن تكون هناك خلفية لهذه المشكلة، إذ انه لم يحدث ان دخلت اليمن في نزاع مع الأنظمة التي كانت تحكم اريتريا سواء كان نظام هيلاسلاسي أو نظام منجستو، لماذا ظهرت المشكلة بعد استقلال اريتريا التي كانت ذات حجم أصغر وامكانات أقل وأضعف وبحاجة الى استقرار وأمن في المنطقة، هل يعقل أن يكون لاريتريا دوافع للدخول في مشكلة مع اليمن، لم يكن هناك أبداً حاجة لذلك، والحقائق التاريخية برهنت على انه لم يكن هناك سبب لهذه للمشكلة، فمسببات هذه المشكلة معروفة، والمشكلة السودانية معروفة ايضا للعالم، والحكومة التي أتت عام 1989، والأجندة التي قامت بفتحها سواء أكانت الأجندة المحلية أو الدولية أو الاقليمية لم تكن مقبولة، السودان دخل في مشكلة مع مصر في محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك، ودخل في مشاكل مع كافة الجيران، ان التوجه السياسي لم يكن صحيحا، وآثار ردود أفعال في المنطقة وخارج المنطقة، ودول بعينها اتخذت مواقف تجاه هذا النظام ودول قطعت العلاقات معه، ونحن بحكم موقعنا الجغرافي أصبحنا ضحية لهذه الأجندة أو هذه التوجهات التي اتخذتها الحكومة في الخرطوم. الآن الأمور تغيرت، ومسببات هذه المشكلة اتضحت للجميع، لم تكن اريتريا السبب في تعقيد العلاقات الاريترية السودانية اطلاقا، اليوم لدينا هذه الأزمة مع النظام الموجود في أديس أبابا، ومسببات هذه المشكلة ايضا معروفة، ونأمل ان يتكفل الزمن بإيضاح كافة الأمور، وبمجيء قوات حفظ السلام والاتفاقات التي وقعت، نحن على أبواب تحديد مسببات هذه المشكلة وايجاد حل نهائي لها، وآمل ان تجيء ظروف ستبرهن للعالم على ان اريتريا لم تكن سبباً في هذه المشكلة اطلاقا، بل كانت ضحية للغزو ضحية لطموحات توسعية ضيقة داخل اثيوبيا وهذه الأزمة كانت موجودة منذ خمس سنوات وانفجرت والاسباب معروفة للجميع ان المشكلة كانت اعلامية بالنسبة لنا، قد تكون امكاناتنا محدودة في خوض حروب اعلامية والسابقة التي خلقت تصورا خاطئاً لمسببات المشكلة، الآن بالتأكيد واضحة للجميع، ومع توقيع اتفاقية نهائية لحل هذه المشكلة الأمر سيتأكد ان مسبباتها تكمن في التوجه السياسي للنظام في اثيوبيا. للقارئ من بعيد مع التشويش الاعلامي ومع الضجة قناعات غير مبنية على حقائق، لكن المثابرة والتريث في نهاية الأمر سوف يبرهنان هذه المسألة وليس هناك عجلة لدينا، قد نكون بالفعل قد خسرنا المعركة الاعلامية لكن هذه الاخفاقات في المعركة الاعلامية «تعني ان نكون السبب في خلق الأزمة الحدودية مع اثيوبيا، وأنا لا أريد أن أدخل في التفاصيل، ولكن اريتريا ليس لديها أي مصلحة، اريتريا دولة صغيرة، ولا يمكن أن تعيش في نزاعات أو وضع سياسي أو مناخ غير مستقر، بالعكس فهي في حاجة الى استقرار وأمن وعلاقات مع الجوار مبنية على احترام متبادل وتعايش كشرط أساسي للبقاء خاصة للدول الصغيرة ولا يمكن أن يكون لدينا طموحات جغرافية ولا طموحات سياسية، ولا نريد أن نوسع من رقعة الأرض فلنا كفاية منها، ولا عندنا مصالح اقتصادية تدفعنا للدخول في نزاع مع الدول المجاورة، ولا يوجد أي مبرر ولا أي سبب لذلك، فالتشويه موجود، والزمن كفيل ويمكن أن تكون الأمور اختلطت مع بعض القضايا الأخرى، والناس يحاولون ان يستغلوها ويمزجوا بين قضية وأخرى، الا ان المؤكد باقون ان الزمن كفيل ببرهنة كل الحقائق ودحض كل ما يقال ضد اريتريا بشكل سلبي سواء أكان إعلامياً أم سياسياً. الوساطة والثقة ـ كيف تصنف علاقتكم مع السودان التي تتوتر أحياناً ثم تنفرج .. كيف يمكن اعادة بناء جسور الثقة بينكم؟ ـ المشكلة ان قناعاتنا ومن قبل التحرير، اننا لايمكن أن نعيش في مناخ سياسي اقليمي غير مستقر، ومساعينا لتوطيد العلاقات بعد نهاية الحرب مع اثيوبيا كانت بناءة بكل المعايير، وعلاقتنا مع الدول المجاورة الأخرى كانت كذلك. ان المشكلة الداخلية السودانية، ناتجة عن اشياء موروثة سياسيا بعد استقلال السودان في عام 1956، وتعقيدات السياسة في الجنوب وفي الشمال ومتطلبات عسكرية وديمقراطية تشارك فيها أحزاب سياسية الا انه في عام 1989 جاءت مشكلة سياسية للسودانيين قبل أي شيء، وواصلنا مساعينا مع الأخوة السودانيين لايجاد حل لهذه المشكلة خاصة بعد تجربة مالا يقل على عشر سنوات ورأينا ان المناخ الآن مناسب، والحكومة استفادت من تجربة تلك السنوات، ورأينا ان الاخفاقات في تطبيق أجندة معينة محليا غير مقبولة عند الشعب السوداني، فهذا الشعب لديه قياداته، يريد أن يعيش في استقرار دون فرض أي قوة سياسية معينة لايديولوجية أو توجه معين، قلنا ان التجربة كانت مفيدة جداً للشعب السوداني والمعارضة استفادت ايضا من هذه التجربة، نحن نعتبر انفسنا شركاء للشعب السوداني بمعنى الكلمة، ومصلحتنا ان يستقر السودان، فالسودان بلد حجمه كبير، وثروات السودان قد تكون أكبر من أي دولة افريقية، وتأثير السودان الجغرافي وعلاقاته في الاقليم مسألة أساسية، وبعد تجربة عشر سنين رأينا ضرورة ان يكون هناك حل لهذه المشكلة، الخيار العسكري ليس هو الخيار الاستراتيجي، فهذا الخيار العسكري جُرب، والآن الأحداث السياسية والتطورات تفرض ان يكون هناك حل لهذه المشكلة. وقلنا نشارك الاخوة السودانيين دون أن نكون وسطاء، دون ان نبدأ مساعي مثل المبادرات المقدمة من دول «الايجاد» وتلك المقدمة من مصر وليبيا، ومبادرات أخرى ايضا موجودة، ولكن مع كل ذلك قلنا نساهم بالقدر المستطاع في مشاركة الاخوة السودانيين في حل هذه المشكلة، وكان هناك استعداد ولا نقول جدية، لأن الجدية قد تحتاج الى زمن والى خطوات عملية في سبيل ايجاد حل سياسي شامل، قلنا انه يجب ان تكون هناك فرصة للقاء المباشر بين السودانيين لأن حل قضايا السودان أولاً قبل أي شيء هو شأن سوداني، وكانت هناك ايجابيات في بداية الأمر الا انه مع كل ذلك حدث وانا موجود في الخرطوم قبل نهاية عام 2000 ان بدأت الحملات العسكرية للحكومة ضد المعارضة في المنطقة الشرقية وفي منطقة «همشكوريب» وغيرها، وقلنا انه لم يكن هناك أي ضرورة لهذه الحملة العسكرية التي قد تؤثر سلبا على أي مسعى لايجاد حل لهذه المشكلة، فهذا يتعارض مع التطمينات التي كانت موجودة والاعلانات والاستعداد من قبل الحكومة للدخول في حوار مباشر وقد تأثرت المباحثات بهذه العمليات. في اعتقادنا انه اذا كانت هناك جدية وارادة لايجاد حل لهذه المشكلة فإن العمل العسكري ليس هو الوسيلة المثلى للحل، سواء من جانب الحكومة أو من جانب المعارضة، والاتهامات المتبادلة حول المعارك التي تدور في المنطقة الشرقية أو المناطق الأخرى في السودان ليس لها أي جدوى في اعتقادي، فالجلوس واللقاء المباشر لتناول القضايا السياسية وحلها هو الأسلم، لكن الخيارات للحكومة موجودة وكذلك فإن الخيارات للمعارضة ايضا موجودة، ونحن مع عدم قناعاتنا بتلك الخيارات، فان نتائج تلك الخيارات تتحملها الجهة التي تسببت في تأزيم الأمور بالقيام بعمليات عسكرية، وفي اعتقادي فإن الحكومة لم تكن موفقة في بدء حملات في الوقت الذي كان هناك في رأيي فرصة للدخول في لقاء مباشر وايجاد حل سريع للأزمة السياسية داخل السودان. الحل في الصومال ـ المشكلة الصومالية دخلت في نفق مظلم، وفي وقت تتصاعد فيه الاتهامات لاثيوبيا، فإن هناك إشارات تلمح الى ان العلاقات بينكم ومقديشيو تعاني من عدم الثقة؟ ـ علاقاتنا ايضا بالصومال تعود الى عقود، وكانت تلك العلاقات مع كل القوى السياسية مفتوحة، رغم التعقيدات السياسية في ذلك البلد والمشاكل التي انشغل بها طيلة عشرة أعوام، ولم يكن لنا موقف اطلاقاً لا مع عيديد، ولا غيره، حتى جاءت المبادرة لدولة جيبوتي، وانا حضرت الاحتفال تدشين أو للمباركة التي اقيمت هناك. ولكن السؤال الواقعي الذي يطرح نفسه هل هو هذا هو الحل؟ هل نستطيع القول ان هذا الحل نهائي بالنسبة لمشاكل الصومال؟ نحن أوضحنا موقفنا للأخ عبدالقاسم صلاد، فنحن مع أي مبادرة تؤدي الى ايجاد حل نهائي لمشكلة الصومال أي خطوة ايجابية أو أي مبادرة في اعتقادنا تصب في حل نهائي واعادة الوفاق بين الصوماليين، ولكن لم يكن هناك أي اعتقاد بأن هذا هو الحل النهائي. نحن مع قاسم صلاد ونرفض كل القوى السياسية الأخرى، لأن هناك واقعاً سياسياً موجوداً، تجاهل هذا الواقع ومحاولة فرض شيء دون الأخذ في الاعتبار مواقف كثير من القوى السياسية سواء أكنت في أرض الصومال أو ما يسمى بجوبالاند أو ما يسمى ببونت لاند، هناك قضايا معقدة في مقديشيو، وهناك جيوش سياسية ما زالت موجودة، ولم يساهم المؤتمر الذي عقد في جيبوتي في حلها، لقد قلنا ان هذه الخطوة يجب ان تليها خطوات وان تكون هناك محاولة لدعم الصوماليين وايجاد مخرج وحل نهائي لهذه المشكلة طوال المرحلة الانتقالية التي من خلالها انتخب عبدالقاسم صلاد حيث كانت ايجابية بالنسبة لنا، وهذا لايعني اننا مع عبدالقاسم ضد كل الناس، ضد عيديد أو ضد عقال أو ضد عبدالله يوسف أو أي قائد صومالي له دعم معين كبير أو صغير، المهم أن تكون هناك مساع جادة وبناءة لايجاد حل عادل للمشكلة وهذا هو موقفنا منذ زمن، يجب ألا يكون لنا موقف مع عيديد حتى لو كان للانسان موقف معين مع قوى سياسية ضد قوى سياسية أخرى، فيجب ان تكون مبررة في اعتقادنا مما كانت مصالح أي قوى خارجية أو توجه خارجي نحو الصومال، إذا ما أخذ بالاعتبار انه لا يوجد أي مبرر لأي قوى سياسية ان تكون مع أو ضد، مبنية على أساس الانقسامات القبلية أو العرقية في الصومال، لا أحد لديه قرابة أو بعد من القبائل الموجودة في الصومال، عدم الاستقرار في الصومال أصبح له تأثيرات سلبية على المنطقة، يجب ان يكون هناك توجه بناء لمساعدة الصوماليين للمصالحة واعادة الهيبة للدولة الصومالية والشعب الصومالي، والمسألة لايمكن أن تقاس بموقف سياسي مع أو ضد، وإذا كان الناس يعتقدون ان هذا هو الحل النهائي، نأمل أن يكون هذا هو الحل، لكن الواقع غير ذلك وما تريده القوى السياسية الصومالية غير الواقع، وفي اعتقادي انه يجب ان تستمر المساعي، وان تكون هناك محاولات جادة لاتخاذ خطوات للدخول في الصراعات القبلية والصراعات العرقية داخل الصومال ومساعدة طرف معين ضد طرف آخر لن تأتي بأي حل، بل على العكس سوف تساهم في تعقيدات أكثر. التعددية السياسية ـ وماذا عن الأوضاع الداخلية في ظل تصاعد الأصوات المطالبة بالتعددية السياسية .. هل حان الوقت لفتح الباب المغلق أمام الأحزاب؟ ـ هذه القضايا حسمت منذ ما قبل التحرير، ما كان في هذه الفترة يعقل لأي قوى سياسية ان تقول ان التعددية هي أفضل خيار لمستقبل اريتريا والتعددية أصبحت مبدئياً مقبولة، منذ منتصف الثمانينيات وأقر هذا المبدأ في مؤتمر 1987، وقلنا ان التعددية لاخيار لها، يعني النظام الحزبي الواحد، نظام قوة سياسية واحدة غير سليم، وهذا بالتأكيد يؤدي الى عدم الاستقرار والبلبلة في أي بلد، مساهمة كل القوى السياسية في حدود القانون هو الشكل الموضوعي، ايضا في هذه الفترة كما أتذكر، كانت هناك نقاشات حول النظام الاقتصادي الحاكم في البلد، أو الاقتصاد المزيج هو المقبول يجب أن يكون المنهج للتوجه الاقتصادي، وهذا هو المعتمد الآن، وفي مراحل تاريخية موجودة لدى كل الشعوب، حتى البلدان المتطورة وصلت الى ما وصلت اليه بعد تجاوز مراحل، ونحن لايمكن أن نقفز كل هذه المراحل ونأتي بخيار مثالي يطبق في واقع غير ناضج وغير مستو لدرجة تجعلنا نقول معها ان اليوم لدينا أحزاب سياسية عريقة لها تجربة ولها تصور ولها جذور في هذا المجتمع، نحن بلد صغير بلد أخذ استقلاله في عام 1993 بشكل رسمي. ان المسألة سياسية والعملية مستمرة، ولكن لدينا قناعة ثابتة بأن يكون هناك تعددية. دون التعددية لايمكن أن يكون هناك ازدهار اقتصادي ولا استقرار سياسي، لكن هذا لا يعني أن تكون الأمور مفتوحة وان تكون غير منسجمة مع الواقع ومع التطورات، أما النظام الاقتصادي فلا يوجد شيء اسمه نظام اقتصادي مفتوح أو نظام اقتصادي يعتمد على قوانين السوق، نحن بلد صغير في مراحل متأخرة من التطور الاقتصادي، اليوم النزاعات الاقتصادية بين أوروبا وأمريكا، وبين الشركات الأوروبية والأمريكية، السياسات الاقتصادية المعتمدة في دول أوروبا وفي أمريكا، حتى دول آسيا، تؤكد انه لا يوجد شيء اسمه سياسات اقتصادية حرة مطلقة، دون أن تكون هناك مساهمات للحكومة أو قوانين تفرض على السوق تنظيما معينا أو مواصفات معينة، فالمبادئ موجودة والقناعات موجودة والوعي السياسي موجود ولكن الزمن هو الكفيل بالتطوير في كل المجالات، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار. ونحن في بداية المسيرة ولا يمكن أن نقفز ونقول والله نحن مثل أمريكا ومثل أوروبا وبلدان شرق آسيا، ونعتمد السياسات التي طبقت هناك دون الأخذ في الاعتبار واقعنا وقدراتنا. أسمرة ـ حوار: زكريا عبدالجواد