نشر الكاتب المستنير السيد ياسين مقالاً في جريدة «القبس» الكويتية في عددها الصادر يوم الخميس الثالث عشر من شهر سبتمبر الجاري، تناول فيه مأزق النهضة في الفكر العربي، وأشار إلى كتاب أعده الكاتب المعروف محيي الدين صبحي بعنوان «عرب اليوم، صناعة الاوهام القومية»، يتعرض فيه لمسببات الانحطاط التي غلفها المسئولون بشعارات ثورية غوغائية، وخلقوا مناخاً حافلاً بالمصطلحات البراقة الفارغة، مع مقارنة الأحوال بين عصر النهضة «بداية القرن العشرين إلى منتصفه»، وعصر الثورة الذي جاء في منتصف القرن الماضي إلى واقع اليوم. أحدث هذا العصر «عصر الثورة» قطيعة ثقافية وفكرية مع جميع العناصر التي تسهم في رقي المجتمع، حيث ادخل القطيعة مع التسامح والانفتاح والحرية والتعددية. والمساءلة وتدوير السلطة، والانفتاح والاقتباس... وحول المثقفين إلى موظفين وطبالين، هتافة للمشروع الثوري الوهمي.. وقضى على حرية المواطن وسلبه الحقوق الجوهرية، واخذ منه حقه في التفكير والاستنتاج واستسخف آدميته، وعرضه إلى القهر والملاحقة والتنكيل. وأذكر انني اشتريت كتابا بعنوان «العقل العربي/ The Arab Mind»، ألفه أمريكي إسرائيلي، وصدر في نيويورك في السبعينيات وقرأت الكتاب وشعوري بأن محتوياته تتحدث عني وعن اصدقائي في تحليل دراماتيكي للعقل العربي، وزبدة التحليل ان العقل العربي عنيد ومكابر بعيداً عن النهج العلمي في التحليل، ومتعارض بين تعبيراته العلنية واجتهاداته الشخصية.. واذكر ان أحد الاصدقاء من الفلسطينيين المقيمين في نيويورك سألني عن الكتاب وشرحت له استخلاصاتي ووجهة نظري، فاعتذر عن المشاركة في ندوة نظمتها مؤسسة امريكية عن مصداقية الكتاب.. ومع اعترافي بالدور المخرب الذي ادته الانظمة الثورية في رفضها لعناصر النهضة العربية، وكراهيتها لعناصر التنوير والحرية، ودورها أيضاً في المأزق الحضاري الذي يعيشه العالم العربي، إلا ان هناك شيئاً أكثر من التخريب الفوقي للإنسان العربي. ولا اشك بأن الاشارة إلى عناد العقل العربي وجموده وعزوفه عن ممارسة التحفيز الفكري والاجتهاد، وانعدام واقعيته، وضعف تقديره للأمور، هو حقيقة لا يمكن تجاهلها ولا نفيها. وقد تفوق هذا الجمود والتحجر في معالجة القضية العربية الفلسطينية، سواء من زعماء فلسطينيين قبل قيام إسرائيل أو بعدها، ومن مسئولي دول المواجهة، وغير المواجهة، سواء حسني الزعيم، أو جمال عبدالناصر، أو حتى نوري السعيد. ومن يتابع أيضاً تعامل الرئيس عبدالناصر مع الأحداث التي أدت إلى حرب 1967 أو تعامل الرئيس صدام حسين في تطورات غزو الكويت، سيتعرف على العيوب الثقافية والجوهرية التي شكلت الكوابح في منع العقل العربي من التعامل المنطقي مع الأحداث. خلال عملي كسفير للكويت في الامم المتحدة، وقفت على مبادرات قدمتها بعض الدول العربية، تجافي المنطق، وبعيدة عن واقع الامم المتحدة، وليس لها أدنى فرصة في قبولها من المجتمع الدولي، ومع ذلك كان الاصرار الغريب من أصحاب هذه المبادرات على مناطحة الحجر، دون اعتبارات للحقائق السياسية والمصلحية للجموعات الجغرافية في الأمم المتحدة. في عام 1975، كانت المبادرة الفلسطينية ـ السورية ـ العراقية ـ الليبية في طرح مشروع مساواة الصهيونية بالعنصرية، عامل انشقاق داخل الجمعية العامة، عارضة الاوروبيون، والكثير العالم الثالث، لكن أصحاب المبادرة ارادوا الاستفادة من الوضع الاقتصادي العالمي بعد حرب اكتوبر ومن واقع الوضع النفطي في العالم، للدفع بموضوع كان خارج الاهتمامات المباشرة للأمم المتحدة، وقد تسيد الجو المتأزم تلك الدورة حتى نهايتها، ولم تحقق القضية الفلسطينية تقدماً يذكر من تلك الاجواء. في عام 1978، لاحقت وفود العراق، سوريا وفلسطين وليبيا، عضوية مصر في كل من المؤتمر الإسلامي، عدم الانحياز، وربما المجموعة الافريقية.. وكان واضحاً عقم هذه السياسات والمبادرات، وخلوها من تفهم حساسيات الآخرين، وعدم تورعها في احراجهم في قضايا لا تهمهم مطلقاً. سمعت عدداً من الرؤساء الافارقة يناشدون العرب بأن لا يضعوا خلافاتهم على الطاولة الافريقية، وان يبتعدوا عن ادخال قضية فلسطين في أوراق العمل الافريقية، التي تتعامل مع نظام الابرتايد في جنوب افريقيا.. وسمعتهم يدافعون عن حق مصر في تحرير أراضيها، ويشككون في حسن نوايا الآخرين.. منذ سنوات اسقطت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار العنصرية الصهيونية، وصوت مع هذا الاسقاط الدول التي سعت في السبعينيات لتحقيق المشروع، وتقبلت هذه الدول تقلبات الزمن بهدوء تحسد عليه.. في الواحد والثلاثين من أغسطس الماضي، بدأ مؤتمر دوربان في جنوب افريقيا لمكافحة التمييز العنصري تحت رعاية الرئيس مانديلا ومشاركة زعماء افارقة ومنظمات غير حكومية من مختلف بقاع العالم. لم يتردد بعض العرب في العمل على ادخال موضوع مساواة الصهيونية بالعنصرية رغم الادراك المسبق باستحالة قبول مثل هذه المبادرة، ورغم حساسية المؤتمر للدول الافريقية، واهتمامها الكبير بنجاحه، وأصرت الدول العربية على مواصلة التمسك بموقفها، مما دعا الدولة المضيفة «جنوب افريقيا» إلى تعديل صيغة حل وسط اقرها المؤتمر بشأن الشرق الأوسط ومسألة العبودية.. ومع ذلك تقدمت سوريا بطلب في اللحظة الأخيرة حول مادة تقول بأن الاستعمار والاحتلال الأجنبي يشكلان مصدراً للعنصرية وسبباً لها، وشكلاً من اشكالها.. وعندها دعت وزيرة خارجية جنوب افريقيا المشاركين إلى عدم نسف المؤتمر، ووجهت نداء بالحفاظ على النص كما جاء، وخرجت الوفود بشعور من الاستياء من المداخلات التي لاشك ستفجر الاجماع في آخر اللحظات من حياة المؤتمر. ومع الاخفاقات الدبلوماسية المتعاقبة، لابد من التوقف لمعرفة أسبابها الناجمة عن عدم القدرة على التمييز بين الممكن، وبين الصعب، وبين الاوهام، هناك خطوط لكل حالة، لا يستطيع العقل الجامد التعرف على هذه الخطوط، ولذلك يقع في حبائل الاحراج والفشل، ولا يدرك أهميتها للاخرين. في الدول الراقية، لا يستحق الدبلوماسي الذي يعاني من قصور، في نظرته للأمور من تمثيل دولته، وبالطبع لا ينطبق ذلك على الدول التي تبحث عن مكاسب دعائية وتظفر في مصطلحات لفظية براقة.. يقول وزير خارجية ألمانيا بعد الحادث الإرهابي في الولايات المتحدة، بأن العالم تبدل في يوم واحد، وتضيف المستشارة للبيت الأبيض رايس بأن عالم ما قبل الثلاثاء هو عالم مضى، وان عالم اليوم هو عالم ما بعد الثلاثاء.. يخطيء بعض العرب اذا تصوروا ان عالم اليوم هو نفسه على ما كان عليه، فلا نمني أنفسنا بأن الاعتداء على أمريكا سيمر مثل الأحداث الأخرى. الواقع ان المأساة تشكل فاصلاً بين حقبتين، والخطر في ذلك ان لا يتعرف بعض العرب على ملامح المرحلة الراهنة، التي لن تتواجد فيها كوابح مانعة، ولا دوائر حمراء، ستخرج من صفق ومن مارس الشماتة من دائرة الاعتبار، وستهمش من هادن وسكت، وستتعامل بقسوة مع من ردد الاناشيد، ودافع عن ممارسي الكراهية والتطرف، وبحث عن مبررات قتل الأبرياء تحت حجج واهية. المطلوب تحفيز العقل في هذه المرحلة التي نعرف دقتها، وندرك خطورتها على التوجهات السلبية في التفكير العربي.. لا يحتمل المقام تبريرات الأكاديميين، ولا عصبية الاصوليين الذين يهددون ويتوعدون، ان المقام يدعو إلى ان يخرج علماء الدين، ومجموعات المفكرين بموقف جماعي يدين الإرهاب أينما كان ومهما كانت مبرراته، وبصرف النظر عن مرتكبه، وان يكون الصوت الجماعي قوي وصاخب يسمعه اصحاب القرار والرأي في أوروبا والولايات المتحدة، ويقدره العالم الثالث، ويدعو المقام أيضاً إلى التضامن العربي ـ الإسلامي ـ المسيحي ضد كل من يمارس الإرهاب أو من يهدد باللجوء إليه، وان تركز الفضائيات العربية على الإدانة الجماعية وتنقل الأحاسيس الإنسانية العربية ـ الإسلامية إلى بقاع العالم في اطار التضامن مع الشعب الأمريكي المجروح، في موقف يكبر الكرامة الإنسانية ويقدسها. ومن المؤسف ان يخرج الرئيس صدام حسين إلى الاضواء ضد الشعب الأمريكي، مع عدم استغرابي من عدم قدرة الذين لا يطيقون الحرية على الانتصار لها. الشعب الأمريكي غاضب جداً ومواقف التراخي تزيد من غضبه، ومواقف الشماتة تزيده اصراراً على الثأر. عملية الإرهاب بدلت العالم ودفعته نحو المواجهة مع المصادرين للحرية، والمتسلطين على شعوبهم، وإلى المواجهة أيضاً مع الدول القمعية أينما كانت. وبالطبع فإن مواقع الدول القمعية ليست في أوروبا وانما في الشرق الأوسط ومناطق الشعوب المتخلفة. الهجوم على أمريكا هو اعتداء على الحرية والتسامح واحكام القانون والعقلانية، والنبوغ الذي وصل إليه الإنسان في الولايات المتحدة، وهو اعتداء علينا جميعاً، نحن الذين نستمتع باكتشافات الإنسان في تلك القارة العجيبة.