تكتسب العلاقات الخليجية ـ اليمنية أهمية كبيرة بالنظر إلى أبعادها الاستراتيجية والأمنية المتميزة، وعلى الرغم من أن هذه العلاقات حاضرة دائما بما تمثله من أهمية خاصة للطرفين، فإنها عادت إلى بساط البحث مرة أخرى في ضوء حدثين بارزين على ساحة هذه العلاقات، أولهما: قيام المجلس الوطني للثقافة والفنون في الكويت بالتعاون مع مركز دراسات المستقبل بتنظيم ندوة حول مستقبل العلاقات اليمنية الخليجية، وذلك على هامش الأسبوع الثقافي الكويتي في صنعاء. وثانيهما: الزيارة القصيرة التي قام بها وزير الخارجية اليمني للكويت، وهي الزيارة التي تكتسب أهمية خاصة لا سيما وأن الكثير من المراقبين يعولون كثيراً على العلاقات الثنائية الكويتية اليمنية باعتبارها قاطرة العلاقات الخليجية اليمنية. خاصة أن الطرفين أظهرا خلال الفترة الماضية حرصًا على تجاوز المشكلات السابقة. وربما تجدر الإشارة إلى أن أي حديث عن العلاقات اليمنية الخليجية يتطلب بداية الإشارة إلى أهم مبادئ السياسة الخارجية للجانبين باعتبار أن هذه المبادئ هي التي تمثل الركيزة النظرية التي تتأسس عليها العلاقات التي نتناولها بالدراسة والتحليل. خمسة أبعاد ترتكز سياسة اليمن الخارجية في توجهها نحو المجتمع الدولي على مجموعة من المبادئ يمكن من خلالها تفسير وفهم سلوكيات الجمهورية اليمنية تجاه مختلف القضايا الإقليمية والدولية سواء أكانت قضايا تعاونية أم صراعية. وتأخذ مبادئ السياسة الخارجية اليمنية خمسة أبعاد رئيسية، وهي بالترتيب: البعد الوطني، والبعد العربي، والبعد الإسلامي، والبعد الدولي، وأخيراً البعد العام وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى أهم مبادئ السياسة الخارجية اليمنية على النحو التالي: ـ إرساء علاقاتها مع الدول الأخرى على أساس الاحترام المتبادل للسيادة والاستقلال. ـ التزام اليمن بالعمل بميثاق جامعة الدول العربية. ـ دعم وتأييد كل صور التعاون العربي. ـ الدعوة إلى حل الخلافات العربية ـ العربية في إطار البيت العربي الواحد. ـ الالتزام بمبادئ الإسلام باعتبارها المصدر الرئيسي الذي تستمد منه سياسة اليمن الخارجية رؤيتها وسلوكها تجاه العالم الإسلامي وبقية دول العالم. ـ العمل بميثاق الأمم المتحدة. ـ الانتماء إلى دول عدم الانحياز . هذا إضافة إلى جملة من المبادئ العامة التي تتميز بالشمولية ومنها: العمل بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي، والعمل على تثبيت السلام والأمن الدوليين،تأييد الحق والعدل في العالم، وقيام علاقات دولية أساسها الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، وترسيخ مبدأ حل المنازعات بالطرق السلمية، وتطوير التعاون مع مختلف الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، وتطبيق مبدأ التعايش السلمي بين جميع دول العالم. والجدير بالذكر أن اليمن قد أولى اهتماماً خاصاً بالدائرة الإقليمية بالنظر إلى الترابط الوثيق بين أمنها وأمن دول الجوار الجغرافي، ومن ثم وضَع صانع قرار السياسة الخارجية هذا الهدف ضمن قائمة أولوياته. وقد انصرف هذا الهدف بالأساس إلى دول الخليج والجزيرة العربية التي ترتبط مع اليمن بروابط الدين، واللغة، والثقافة، والمصير المشترك. وعلى صعيد منظومة دول مجلس التعاون، تتبلور مجموعة من المبادئ التي تحكم العلاقات الخارجية لدول مجلس التعاون. وقد أوجزت أجهزة مجلس التعاون أسس التعاون في المجال الدولي، والخليجي، والعربي، بيد أن أهم المبادئ التي تساعدنا على فهم علاقات الدول الخليجية باليمن تتبلور فيما يلي: التعايش السلمي بين دول المنطقة على أساس الاحترام المتبادل وصيانة المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشئون الداخلية. إبعاد المنطقة عن ساحة الصراع الدولي والمحاور، ومعارضة التدخل في شئون المنطقة والاعتماد على القوة الذاتية، ومسئولية دول المنطقة وشعوبها عن أمنها واستقرارها. تسوية النزاعات الإقليمية بالطرق السلمية والحوار الهادئ. تطوير العلاقات بين دول المنطقة بما يحقق صيانة الأمن والاستقرار والتفاهم. دعم القوة العربية وتماسكها، وتنقية الأجواء العربية وتحقيق التضامن العربي. وعلى الرغم من أهمية المبادئ والأسس السابقة في تشكيل العلاقات بين اليمن من جانب ودول مجلس التعاون الخليجي من جانب آخر، باعتبارها تقدم الأساس النظري لهذه العلاقات، فإنها لا تكفي بمفردها لبحث العلاقات بين الجانبين، والتي تتحدد بدرجة أكبر في ضوء محددات العلاقات اليمنية الخليجية، وهي المحددات التي يمكن الإشارة إلى أهمها في الآتي: الموقع الجغرافي يعتبر المحدد الجغرافي من أهم محددات العلاقات اليمنية الخليجية، فمن ناحية يشكل اليمن الامتداد الطبيعي لدول مجلس التعاون الخليجي في الجنوب، وبالتالي ليس ثمة حواجز أو فواصل تحول دون النظر إليها مع دول مجلس التعاون الخليجي ككتلة واحدة، ومن ناحية أخرى فإن موقع اليمن على مضيق باب المندب الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، يجعلها تسيطر على أحد أهم خطوط الملاحة التجارية في العالم. كذلك تتمتع اليمن بأحد أعمق الموانئ الطبيعية في العالم حيث يمكنها أن تقدم خدمات للسفن التجارية والعسكرية الضخمة والتي تستطيع دخول الميناء بيسر. البعد الاقتصادي: تصنف اليمن ضمن الدول الأقل نمواً والأكثر فقراً في العالم، إذ لا يزيد دخل الفرد فيها سنوياً على 380 دولاراً حسب تصنيفات البنك الدولي ويقدر عدد الفقراء بحوالي 9 ملايين شخص يقتربون من نصف السكان. وفي هذا الإطار ـ وانطلاقاً من الأبعاد الاقتصادية ـ ترفع اليمن شعار «تحويل الجيرة إلى شراكة»، وهي شراكة مع كل دول الجوار بلا استثناء حيث يرى اليمن أن التطور الحادث في الاقتصاد الدولي من خلال منظمة التجارة العالمية ومن خلال الفلسفة الاقتصادية للاقتصاد المفتوح يعني أن الاقتصاد اليمني ـ بل واقتصاديات المنطقة ـ سيواجه تحديات تتطلب تحقيق شراكة بين دول الجزيرة العربية والخليج بما يمكنها من مواجهة هذه التحديات. وفي الإطار الاقتصادي تستطيع اليمن تقديم الكثير في هذه الشراكة، ويأتي على رأس ما تستطيع اليمن تقديمه: العمالة، فالعمالة اليمنية مثلها مثل العمالة العربية تأتي من نفس المنظومة القيمية الثقافية والاجتماعية والدينية والأخلاقية للمجتمعات الخليجية ومن ثم فإن جلب العمالة من اليمن من شأنه أن يخفف من أعباء الخوف السياسي وأيضًا الخوف الأمني الاجتماعي والأخلاقي. ويرى خبراء الاقتصاد أن العلاقات اليمنية الخليجية يمكن أن يتم تطويرها على قاعدة المشروعات المشتركة وليس على قاعدة المساعدات. وفي هذا السياق فإن اليمن تزخر بالإمكانات الاقتصادية والسياحية الكبيرة، وفي المقابل توجد في دول الخليج مؤسسات اقتصادية واستثمارية وخاصة في القطاع الخاص لديها الخبرات والفوائض المالية وبالتالي فإن مدخل ربط الخليج باليمن لابد أن يبدأ بربط المصالح وصولا إلى صيغة سياسية جديدة. البعد السكاني الديمغرافي والجدير بالذكر أن التقارب بين اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي لم يقتصر فقط على التقارب الجغرافي وإنما تجاوزه إلى التناغم والتناسق السكاني الديمغرافي، حيث ينتمي السكان في اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي إلى ذات الأصول كذلك يجمع هؤلاء وهؤلاء وحدة المعتقد الديني وهو الإسلام، وفي هذا الصدد يشير أحد الباحثين إلى أن الترابط المكاني والسكاني والديني بين اليمن والخليج أفرز جملة من الحقائق يأتي على رأسها ترابط الأمن السياسي والعسكري والاقتصادي والبيئي لكل المنطقة. والجدير بالذكر أن اليمن تدرك جيداً ثقلها السكاني وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء اليمني عبد القادر باجمال عندما قال«إن على الطرفين ـ يقصد اليمني والخليجي ـ إنهاء كثير من المشاكل ومواجهة التحديات من خلال إعادة التوازن السكاني في المنطقة بين السكان الأصليين والوافدين وإدارة الأزمات القائمة أو المحتملة والخروج منها بأقل الخسائر». اطروحات مختلفة يعتبر ملف انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي من أهم ملفات العلاقات بين الطرفين، وكان اليمن قد قدم في وقت مبكر عام 1996 طلبا للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، ولا يزال هذا الطلب أمام مجلس التعاون. والجدير بالذكر أن ثمة أطروحات مختلفة قدمت لشكل انضمام اليمن إلى مجلس التعاون وفي هذا الصدد فقد كان أبرز ما قدم هو دخول اليمن للمجلس بصفة مراقب، على صيغة (1 + 4) إذا لم يكن في الإمكان دخوله كعضو. وبينما لم تبد الدول الخليجية رأيا نهائيا بشأن الانضمام اليمني، فقد عبر الموقف اليمني عن ثقة شديدة ظهرت في تصريحات السفير اليمني في الكويت الذي قال: نؤمن بأن اليمن جزء من هذا النسيج الاجتماعي المترابط ونعتقد أن وجود اليمن داخل المجلس سيمثل قوة وأن عدم دخول اليمن إليه لن يمنعه من أن يظل جزءاً فاعلاً في المنطقة أما وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي، فقد أكد أنه «ثمة نظرة جادة الآن لإيجاد صيغ للعلاقة بين اليمن ومجلس التعاون الخليجي وأن اليمن بانتظار مبادرات المجلس»، كما أعرب عن قناعته بأن «انضمام اليمن إلى المجلس هو تقوية لدور هذا الأخير سواء السياسي أو الاقتصادي وإيجاد قوة إقليمية في عصر العولمة الذي لا يعترف بالدول الصغيرة والمتفرقة». وحول الأهداف التي تتوخى الجمهورية اليمنية تحقيقها من وراء الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، أكد وزير الخارجية اليمني أن بلاده «تراهن على مجلس التعاون الخليجي في انضمامها إليه باعتبار أن اليمن يمثل العمق الاستراتيجي والبشري للمنطقة وبالتالي فإن وجود اليمن هو تعزيز لدور مجلس التعاون الخليجي كما هو تعزيز لوضع الجمهورية اليمنية». كذلك تطمح الجمهورية اليمنية إلى إيجاد صيغة للتعاون الاقتصادي بين دول الخليج واليمن بحيث يمتص هذا التعاون العمالة اليمنية وتنشط من عملية الاستثمار الخليجي في اليمن. خطأ تاريخي وعلى الرغم من غياب رد فعل رسمي خليجي بشأن عضوية اليمن في مجلس التعاون، بيد أن رد الفعل هذا لم يغب عن ساحة المتابعين والمهتمين بالشأن الخليجي، وفي هذا الإطار أكد الدكتور عبد الله النفيسي أن «اليمن لا بد أن تدمج في عملية مجلس التعاون الخليجي تجاوزا للخطأ التاريخي الذي ارتكبته دول الخليج برفضها دخول اليمن في المجلس عام 1981». والجدير بالذكر أن الجمهورية اليمنية نجحت في اتخاذ عدة خطوات من شأنها إحداث تقارب مع الدول الخليجية المجاورة ولعل أهم هذه الخطوات تتمثل في: ـ أولاً: نجاح الجمهورية اليمنية في تسوية معظم الخلافات الحدودية مع الدول المجاورة واعتماد مبدأ «الحوار والتفاوض كوسيلة فعالة لفض النزاعات بين الدول تمشياً مع مبادئ التعايش السلمي التي أعلنتها الأمم المتحدة وأقرتها القوانين الدولية» وتجدر الإشارة إلى أن أهم الخلافات الحدودية التي نجحت اليمن في تسويتها مع الدول الخليجية،هي الخلاف الحدودي اليمني ـ السعودي والخلاف الحدودي اليمني العماني. أما الخلاف الحدودي اليمني ـ السعودي، فقد تم انهاؤه بموجب مذكرة التفاهم بين البلدين عام 1994 وقد جاء هذا الحل بعد ستة وستين عاماً من التوترات والشكوك والأوضاع المحلية والخارجية. وعلى صعيد الخلاف الحدودي اليمني ـ العماني، فقد وضعت فصوله الأخيرة بموجب الاتفاقية الخاصة بترسيم الحدود اليمنية العمانية التي تم التوقيع عليها في صنعاء عام 1992، وذلك بعد مفاوضات ثنائية بين الدولتين استمرت أكثر من ربع قرن بسبب الأوضاع السياسية في الدولتين، إلا أن الطرفين نجحا بواسطة المباحثات الثنائية والحوار ومراعاة المصالح المشتركة والتجاوز عن الاتفاقيات القديمة التي أبرمت أثناء الاستعمار البريطاني لمنطقة جنوب اليمن، والتوصل إلى ترسيم الحدود بصورة واضحة حفاظاً على مصالح شعبيهما واستقرار الأوضاع السياسية في المنطقة. ـ وثانياً: نجاح اليمن في إعادة الدفء إلى العلاقات الكويتية ـ اليمنية، وذلك بعد الموقف اليمني إزاء الغزو العراقي للكويت، ومما لا شك فيه أن الموقف اليمني من أزمة الخليج الثانية أثر تأثيراً كبيراً على علاقات اليمن بدول مجلس التعاون الخليجي، وكان نتيجة لهذا الموقف أن اتخذت هذه الأخيرة إجراءات «ذات طابع عقابي» على حد وصف البعض مثل وقف كل المساعدات الخليجية والقروض المباشرة وغير المباشرة عبر الصناديق العربية والخليجية إلى اليمن والتي كانت تعتبر العمود الفقري لدعم الاقتصاد اليمني الذي لا يرتكز على موارد داخلية ثابتة، وتحجيم الدعم الغربي لا سيما الأمريكي، وخسارة الاقتصاد اليمني لنحو 40 مليون دولار نتيجة وقف المبادلات التجارية مع العراق والكويت، فضلاً عن خسارة الاقتصاد اليمني أيضاً نحو 100 مليون دولار من جراء عدم تصفية وتكرير النفط العراقي والكويتي في مصفاة عدن. توصيات وفي ضوء الإيجابيات التي تشهدها علاقات الطرفين اليمني والخليجي فإن ثمة توصيات من أجل تفعيل العلاقات بين الجانبين والبناء على ما تم بالفعل من إنجازات ومن هذه التوصيات: ـ ضرورة إيجاد نوع آخر من الحوار من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة من العلاقات بين الطرفين وبصفة خاصة بين المثقفين والأكاديميين وتفعيل دورهم في تنسيق التعاون الخليجي خاصة أن هذه العلاقات تمر بمرحلة دقيقة وحساسة للغاية فيها كثير من القضايا المستقبلية التي يجب استثمارها وتوظيفها بشكل كبير من أجل مزيد من توطيد العلاقات والاستجابة لاعتبارات وعوامل الاستقرار الإقليمي. ـ ضرورة أن تحظى اليمن باهتمام قادة ومفكري دول مجلس التعاون الخليجي حتى ولو بصورة تدريجية وفي إطار هذا التدرج يطرح البعض أن يبدأ التعاون بالجوانب الإعلامية والثقافية يليه الجانب الاقتصادي. وثمة أهمية قصوى للتقارب الإعلامي والثقافي بين دول مجلس التعاون الخليجي واليمن خاصة مع الإمكانات المادية والتقنية، وتنوع وسائل الإعلام المختلفة في دول المجلس، الأمر الذي يدفع نحو المطالبة بإبراز الجوانب الإيجابية في اليمن عبر هذه الوسائل الإعلامية المنتشرة محلياً ودولياً إضافة إلى أهمية التنسيق والتشاور الإعلامي والثقافي مع الجمهورية اليمنية. ـ ضرورة أن يحتل التعاون في المجال الاقتصادي موقعه الطبيعي في إطار العلاقات بين البلدين وفي هذا الإطار يشار إلى ضرورة تفعيل التبادل التجاري بين الطرفين عبر المنتجات المحلية وغيرها، فاليمن يعتبر سوقا غير عادية للمنتجات الخليجية المحلية والعكس صحيح أيضا إضافة إلى أهمية الاستثمار في اليمن خاصة مع تدشين المنطقة الحرة في عدن، والتي تتميز بموقعها الجغرافي النادر والذي يجعلها بمنزلة الوسيط بين الشرق والغرب وتتميز أيضاً بقدرتها على ربط اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي بالتجارة الدولية مما يجعلها مركزاً تجارياً مهاما للتصدير إلى الشرق والغرب. الكويت ـ المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية: