استخدمت اليابان طائرات وطياري الكاميكازا منذ شهر أكتوبر 1944 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية ضد اسطول الحلفاء. وتعني كلمة كاميكازا «الريح الالهية»، وقد اطلقت هذه التسمية على الاعصار الذي دمر اسطول منغوليا الذي هدد اليابان عام 1281. صمم بعض طائرات الكاميكازا خصيصاً لاغراض انتحارية ـ بحيث لا يستطيع الهبوط بعد تحليقه، وحمل رأس الطائرة بأكثر من طن من المتفجرات «نصف وزن الطائرة». كما صممت لها خزانات كبيرة من الوقود، واصطدمت الطائرة بهدفها بسرعة 970 كم في الساعة مولدة طاقة تدميرية هائلة. دمرت مئات هجمات الكاميكازا 40 سفينة حربية واعطبت المئات أثناء الحرب. وفي معركة اوكيناوا خسرت الولايات المتحدة خمسة آلاف جندي بفعل عمليات الكاميكازا الانتحارية، وهو اكبر عدد من الخسائر بالأرواح تتكبده الولايات المتحدة في معركة واحدة في تاريخها. وفي النهاية خسرت اليابان الحرب ونكبت بالقنبلة النووية. فعلت جرأة طياري الكاميكازا وجسارتهم فعلها في نسج خيال الشعوب المضطهدة منذ الحرب العالمية الثانية، مع ان اليابان كانت دولة مضطهدة «بكسر الهاء» واستعمارية ومعتدية على جاراتها ومتعالية عليهم ثقافيا. لم تكن العمليات اليابانية الانتحارية جزءاً استراتيجية انتصار، بل بداية الهزيمة، وتعاملاً يابانياً ثقافياً ـ دينياً مع الهزيمة، بحيث يقضي الواجب ان يتكبد الطرف الآخر اكبر كمية من الخسائر، وبحيث تتضاءل أهمية الحياة الفردية عندما تصل إلى مبتغاها بتنفيذ هذا الواجب. لقد دمرت الطائرات الأمريكية، أو الأمريكية الصنع، بغداد وبلجراد وهانوي وكامبوديا ودريزدن وبيروت ورفح وخان يونس. وقد دمرت يوم الثلاثاء 11/9 أهم رموز القوة والسطوة الأمريكية في مركز التجارة العالمي والبنتاجون، هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية التي «تقصف» فيها مدن ومواقع مدنية أمريكية. فهل أدى هذا «القصف» الكاميكازي إلى «فشة قلب» الشعوب «المقصوفة»، هل هدأ روع المضطهدين بعد هذه الكارثة؟ لم يهدأ بال احد، بل زادت معاناة المدنيين الامريكيين من معاناة المضطهدين في كل مكان في العالم. أولاً لأن المضطهدين بشر لا يبغون الانتحار، بل ينشدون الحياة الحرة الكريمة، وثانياً لانهم يحسون بمعاناة الآخرين. ولا شيء يعوض الانسانية التي فينا عن انكسار الروح الذي ولده مشهد البشر، الافراد، الناس وهم يترددون بين الموت حرقاً وبين التحطم بالقفز من ارتفاع مئات الامتار. لا شيء يعوض الانسانية التي فينا عما تبقى من القلب الذي قفز اليهم ولم يعد إلى مكانه عندما رأيناهم احياء يختارون القفز إلى الموت. نعم هنالك فرق قسري ومفروض وغير عادل، بين الموت الذي يحظى بكاميرا وذلك يحظى بخبر عن عدد القتلى والآخر الذي لا ينال هذا ولا ذلك.. لماذا يؤثر فينا هذا التمييز ويحبطنا؟ لأننا تحولنا رغم التمرد على العولمة، إلى كائنات استهلاكية اعلامية، ولأننا بتنا نتأثر بمعاناة سكان العمارتين التوأم، اكثر مما نتأثر بمعاناة سكان رواندا وبورندي، او نغضب على هذا الواقع، وكأن الكاميرا تمنح فعلاً قيمة للموت، وما قيمة الموت الا مساوية لقيمة الحياة. ولكن عندما نجري الحسابات السياسية بعد هذا الانفعال وهذا الغضب على سرعة التأثر وانعدام العدالة في توزيع الحزن، نجد فعلاً ان موت آلاف الامريكيين يؤثر على العالم وعلى مصيره اكثر مما يؤثر موت مئات الاف الروانديين والبورنديين، وان من يعمل من اجل تغيير هذا العالم ليصبح اكثر عدالة لابد ان يأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار. قد يحظى التعبير الانفعالي ضد هذا التوزيع غير العادل للدموع بتفهم وهنهنة بالرؤوس في برنامج ثرثرة تلفزيوني، ثم يعود العالم إلى مسلكه وعاداته مع نهاية البرنامج. لقد جمعت صيرورة العولمة عملية تضييق الفجوة بين الواقع الأمريكي و«صناعة الاحلام» الهوليوودية مع عملية التمرد الغاضب واليائس على صناعة الكوابيس الأمريكية خارج أمريكا. لماذا صرخ مشاهدو التلفزيون في كافة انحاء العالم صرخة واحدة «لا اصدق ما اراه كأنه فيلم»، و«كأننا في فيلم». لم تبق شركة انتاج سينمائية أمريكية إلا وانتجت فيلماً عن الإرهابيين العرب الاشرار الذين تختلط فيهم الغيبية الدينية بالجشع إلى المال بالخيانة وقتل الاصدقاء الذين يخدمونهم وهم يخطفون طائرة او يخططون لتدمير نيويورك أو لتفجير ناطحة سحاب. ولكن المخططات الجهنمية احبطت دائماً في صناعة الاحلام الأمريكية التي يقفز فيها شفارتزنجر أو رامبو في الطوابق العلوية إلى جناح الطائرة وينتصر على الخاطفين الجبناء. وجد الأمريكيون امامهم جورج بوش الابن صورة مقلوبة عن بطل الأحلام، ومن مخبئه يصف الرئيس الأمريكي عمليات الخطف والتفجير بالجبن. ولا شيء أبعد عن وصف هؤلاء الناس الذين نفذوا الكاميكازا في نيويورك وواشنطن من الجبن. ولكن جورج بوش وتوني بلير، وقد بتنا نعرف شيئاً عن شجاعتهما الفردية، هما اسرى مفاهيم البطولة الامريكية التي تقسم الناس إلى أبطال اخيار وأشرار جبناء. لا «الابطال» اخيار ولا «الاشرار» جبناء ولا الاخيار اخيار ولا الاشرار اشرار ولا الدنيا يسيرها فيلم هوليوودي. لقد تمنينا جميعاً، لأننا قبليون ولأننا نخشى ان يتصرف العالم الأمريكي بشكل قبلي، ألا يكون المنفذون عرباً، وان تكون قضيتهم يابانية «انتقاماً لهيروشيما» أو صربية «انتقاماً لبلجراد» أو أمريكية «انتقاماً لكورش أو لمكفي» أو طلباً لخلاص مسياني توراتي آخر غير خلاصنا. ولكننا أيضاً نخشى الاعتراف اننا شككنا بقدرة عرب، أي عرب، على تنفيذ مثل هذه العمليات المعقدة باحكام واصرار ومثابرة، دون ان تخترقهم المخابرات رغم عددهم الكبير نسبياً ورغم طول المدة اللازمة للتخطيط. لقد ارتسمت في الاذهان صورة للانتحاري الاستشهادي ابن المخيم الذي يقوم بما يقوم به في ساعة يأس أو شهر يأس واحباط في ظروف مسدودة الآفاق، ومن الصعب ان نتخيل من يخطط لموته طيلة اكثر من عام يتدرب خلاله على الطيران. ويدرس المواقع بدقة ويعيش مع فكرة الموت فترة طويلة من الزمن يقوم خلالها بتأدية مهام معقدة، ليست هذه حالة احباط ويأس، ولا الحياة في بوسطن أو ألمانيا حياة في مخيم. نحن نشهد حالة تصميم وعناد ايديولوجيين، وحياة شخصية لأفراد ذوي مهارات وقدرات، كان بالامكان استخدامها في تحقيق نجاح شخصي في مجالات اخرى. ليست هذه حالة انسداد آفاق فردية وانما حالة استغراق كامل في خدمة هدف أو غاية. بهذا المعنى، صدق جورج بوش عندما قال ان الولايات المتحدة تواجه عدواً من نوع جديد.. بامكان عشرين شخصاً من النوع اعلاه ان ينكبوا الولايات المتحدة بما يشبه القنبلة النووية. لقد قتلت قنبلة هيروشيما 40 ألف انسان ونشرت تشوهات جسدية واوراماً سرطانية. اما «القنبلة» التي القيت على مركز التجارة العالمي جنوبي مانهاتن فقد ذهب ضحيتها الالاف كما يبدو، ولابد ان الكاميرا سوف تساعدها على نشر تشوهات روحية واوراماً نفسية. يمني المضطهدون انفسهم ان هذا هو توازن الرعب الجديد مع قوة الغرب العسكرية التدميرية ـ وفي حين ارتكز التوازن بين المنظومتين الدوليتين «حلف وارسو وحلف الناتو» على قوة الردع المتبادل النووية، يحيد هذا التوازن قوة الغرب النووية، ويهدده رغم ذلك بدمار حربي المقاييس. يقف امام حلف الناتو بعد انهيار حلف وارسو خصم لا يملك سلاحاً نووياً، ولا يملك دولة، ولا ينفع معه قصف موقع أو موقعين. فهو خصم متشظ ومنتشر، حتى في المدن الغربية ذاتها، تكمن قوته في مكامن ضعف النظام الرأسمالي ذاته. انه يحول القوة التكنولوجية العاتية التي تبني ناطحات السحاب، وتجعل خطوط الطيران نوعاً من المواصلات الجماهيرية، إلى مقتل تسهل اصابته، ويحول خزانات الوقود إلى قنابل نابالم والطائرات المدنية إلى صواريخ وناطحة السحاب إلى شرك وفخ دونما تخطيط عسكري. هذه أحلام الفقراء وامانيهم. ولكن الضعف ليس قوة إلا من باب الاستعارة، ولا يمكن تحويل القوة إلى ضعف إلا في «معركة» واحدة أو اثنتين، أو في حالات استثنائية، وتبقى القاعدة في الاقتصاد والسياسة ان القوة اقوى من الضعف، هذه بديهية تبدو الحاجة إلى كتابتها أو نصها مصطنعة وسخيفة.