يرقد نحو خمسة آلاف شخص تحت جبال من الانقاض كانت تمثل يوما مركز التجارة العالمي. ولكن إلى جانب هذا العدد المهول من القتلى، ظهرت ضحية أخرى: فقد حدثت انتكاسة في إيمان الانسان بالتكنولوجيا وهي التي مثلت منذ زمن الضوء الساطع لامل الحضارة الحديثة في مستقبل أفضل، وكانت تبشر بتحسين مستوى الحياة وحمياتها. وكما كتب مورين دود وهو كاتب عمود في صحيفة نيويورك تايمز، «لقد هزنا إدراك أنه في الوقت الذي يمكن أن تنفذ فيه الصواريخ الذكية التي رأيناها في «عاصفة الصحراء» من خلال المداخن، فإنها لا يمكن أن تحمينا من حفنة من الرجال يحملون سكاكين بلاستيك وقاطعات ورق مقوى». أما خبراء الاستراتيجية العسكرية فلديهم لفظ غامض يطلقونه على هذا النوع من انعدام التوازن، فهم يصفونه بأنه «الحرب اللامتساوية» ويقولون أنها تظهر بسرعة باعتبارها الشكل المهيمن للصراع في القرن الحادي والعشرين. ويصور هذا اللفظ وضعا يقوم فيه أعداء الثروة والحداثة الغربية بالبحث عن أضعف النقاط في أي ثقافة ثم يهاجمونها، ليس باستخدام أسلحة تكنولوجية فائقة التقدم بل باستخدام خليط قاتل من المكر والشر والشجاعة والتخطيط والعزيمة يلغي التفوق التكنولوجي للغرب أو حتى يستخدمه ضد مبتكريه. وبالنسبة لاولئك الذين لديهم نزوع للتأمل في التاريخ، فإن خطوط المعركة قد تشبه تلك التي كانت قائمة بين روما القديمة و «البرابرة» ولسنا بحاجة لمن يذكرنا بمن الذي انتصر في ذلك الصراع. فالتكنولوجيا في صورة أجهزة وأدوات عالية التقنية وتمثل رموزا للثروة الغربية، تساعد أيضا في تغذية السخط الكوني ضد أكثر الدول ثراء في عالم يعيش فيه المليارات من البشر في فقر مدقع ولا يجدون الرعاية الطبية الاساسية أو مياه الشرب النقية. وهكذا، فقد كان من المثير للسخرية أن يستفيد المهاجمون من الكثير من أشكال التكنولوجيا ـ بدءا من أساليب البناء التي جعلت من الممكن بناء برجين يبلغ ارتفاع كل منهما 110 طوابق ويمكنهما استيعاب 50 ألف شخص، إلى جعل الطائرات قادرة على حمل أكثر من عشرة آلاف لتر من الوقود يمكن أن تتحول إلى قنابل ضخمة طائرة. وقد ضاعف من بشاعة الهجمات شكل آخر من أشكال التكنولوجيا، وهي وسائل الاعلام الحديثة التي نقلت صور ارتطام الطائرات وكرات النار الهائلة وتهاوي الابراج إلى المشاهدين في كل مكان وحملت معها إحساسا مخيفا بالرعب. إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة النظم الاقتصادية الحديثة المترابطة بشدة والاسواق الالكترونية وتدفق العملات الدولية، زادت من التداعيات الاقتصادية الدولية للهجمات. كما أن أوجه قصور التكنولوجيا تمتد إلى الحرب التي توعدت واشنطن بشنها على الشبكات الارهابية التي تزعم أنها تقف وراء الهجمات. فمن غير المرجح أن تكون كل حاملات الطائرات وصواريخ كروز وقاذفات الشبح في العالم كافية لتعقب واستئصال شبكات إرهابية خفية يمكنها بسهولة أن تختفي في أعماق السلاسل الجبلية الوعرة مثلما تختفي في المدن المترامية الاطراف التي انتشرت في العالم خلال العقود الاخيرة. وقد لاحظ خبراء الاستخبارات كيف أن الاعتماد على أدوات التنصت ذات التكنولوجيا المتقدمة باعتبارها دعامة عمليات جمع الاستخبارات في أمريكا على حساب الجواسيس الاكفاء بصورتهم القديمة، كان سببا رئيسيا في أن أجهزة الاستخبارات الامريكية بوغتت تماما بالهجمات التي وقعت الاسبوع الماضي. وهم يدعون الان إلى العودة إلى الاستخبارات البشرية وإلى نظام المخبرين البغيض أخلاقيا كشروط أساسية لمعركة مطولة ضد الارهاب. وحتى في الوقت الحاضر والعالم يدرك الاخطار التي يمثلها الارهاب، فإن القدرة على اتخاذ إجراءات تكنولوجية مضادة فعالة يعد محدودا للغاية. فيمكن تحسين الامن في المطارات بإضافة أجهزة تفتيش أفضل مثل الماكينات الكاشفة (سكانر) لتفتيش المتاع وأجهزة تحديد الهوية عن طريق البيولوجيا الاحصائية أو تكنولوجيات تحديد الملامح المرتبطة بقاعدة بيانات تضم صورا للمشتبه فيهم. غير أن أيا من هذه الانظمة لن يكون مضمونا بنسبة مئة في المئة. فكل منها سيستلزم الاشراف عليه من قبل أفراد مدربين جيدا ويحصلون على رواتب جيدة بدلا من الموظفين الذين يحصلون على الحد الادني من الاجور والذين يقومون على تأمين المطارات حاليا. وستنطوي كل تلك النظم على منغصات وتآكل للحريات المدنية الاساسية بصورة تجعل من مجرد تبنيها انتصارا للهجمات ذات التكنولوجيا المتدنية. د.ب.ا