بعد مرور أسبوع على هجمات الثلاثاء الدامي التي راح ضحيتها الآلاف في نيويورك وواشنطن عادت الحياة تدب في أمريكا واستأنف المواطنون نشاطهم اليومي رغم الجراح الغائرة التي خلفتها التفجيرات في جسد الولايات المتحدة. ومع عودة الروتين اليومى فى واشنطن ونيويورك «المدينتين اللتين شهدتا الانفجارات» كان من الواضح أن المواطن الأمريكى العادى سوف يستغرق وقتا طويلا قبل التغلب على الآثار النفسية والمادية لاصطدام طائرات ركاب فى برجى مركز التجارة العالمى والبنتاجون واستهداف رابعة للبيت الأبيض أو مبنى الكونجرس وهى مشاهد لم تداعب خيال اكثر المتشائمين. ففى واشنطن استمر اغلاق العديد من الطرق المؤدية إلى البيت الأبيض مع تشديد الحراسة على مقر الرئاسة الأمريكى ومنشآت أخرى بالعاصمة هذا فضلا عن اضافة الاجراءات الأمنية والاحتياطات التى لم يعتد عليها سكان واشنطن. وشهدت الأيام الأخيرة تراجعا ملحوظا فى عدد زوار الأماكن السياحية بواشنطن وكذلك عدم الاقبال بدرجة ملحوظة على المراكز التجارية التى كانت تزدحم دوما خاصة خلال يومى العطلة الأسبوعية السبت والأحد. كما تناقص بصورة نسبية عدد رواد المقاهى والمطاعم المنتشرة فى واشنطن والتى تقدم أطعمة كل دول العالم. وكان المشهد أكثر وضوحا فى المقاهى المعروفة بزبائنها من العرب الذين فضل الكثيرون منهم الابتعاد عن مثل تلك الأماكن تحسبا لشن بعض المتعصبين أعمالا تخريبية تستهدفهم وذلك فى اطار حملة الكراهية ضد العرب والمسلمين بالولايات المتحدة منذ الانفجارات. وعلى الرغم من أنه رويدا رويدا بدأت مظاهر الحياة التى تشتهر بها الولايات المتحدة تعود إلى مكانها الطبيعى على الخريطة اليومية الا ان حالة الارتياب والقلق مازالت بادية فى أعين المواطنين الأمريكيين الذين يخشون من تكرار الأعمال التخريبية. فبعد توقف منذ أحداث الثلاثاء عادت أنشطة ومباريات البيسبول التى تعد من أبرز معالم الرياضة والترفيه فى الولايات المتحدة وعلى غير العادة أجريت المباريات فى ظل اجراءات أمنية مشددة. وكالعادة فى تلك الأيام انتشرت الأعلام الأمريكية بصورة كبيرة سواء بين اللاعبين أو الجمهور وسط شعارات مثل أحب نيويورك أو بارك الله فى أمريكا التى أصبحت سمة يومية منذ انفجارات الثلاثاء. وكان منظمو مباريات البيسبول قد قرروا تأجيل 91 مباراة عقب ساعات قليلة من وقوع الأحداث الأخيرة ويعد هذا أكبر عدد من مباريات البيسبول يتم تأجيله منذ الحرب العالمية الأولى. وأحد أبرز الدلائل على الصعوبات التى تنتظر الولايات المتحدة عقب انفجارات الثلاثاء هو تراجع أسعار الأسهم بالبورصة الأمريكية إلى أقل معدل لها فى الأعوام الثلاثة الأخيرة وذلك فى أول يوم تعود فيه بورصة نيويورك للعمل بعد توقف استمر أسبوعا كاملا يعد الأطول منذ الحرب العالمية الأولى. كما تعرض مؤشر داو جونز الصناعى لأسوأ خسارة فى نقطه فى التاريخ بسبب الخسائر فى صناعة الطيران وتقع بورصة نيويورك على مسافة قصيرة من مركزى التجارة العالمى اللذين تعرضا للهجمات الأخيرة الأمر الذى سبب صعوبة واضحة للمتعاملين والعاملين بالبورصة فى الوصول إلى أماكن عملهم. وعرضت وسائل الإعلام الأمريكية الكثير من المشاهد للمتعاملين بالبورصة وهم يرتدون أقنعة واقية بسبب الأتربة والروائح الكريهة المنبعثة من مشهد الدمار فى أهم أحياء نيويورك وهو حى مانهاتن فضلا عن وقف العديد من وسائل المواصلات والتنقل إلى هذا الحى الحيوى فى نيويورك. وعلى الرغم من حالة التردى فى المعاملات أعرب الكثيرون عن ارتياحهم لمجرد العودة إلى العمل بعد فترة التوقف الطويلة خاصة فى ظل الحديث المستمر عن الصعوبات التى سيواجهها الاقتصاد الأمريكى فى الفترة المقبلة. وفى سماء الولايات المتحدة تزايدت أعداد الطائرات التى تقوم برحلات محلية أو دولية من وإلى المدن الأمريكية الا أن الأزمة التى تشهدها الولايات المتحدة منذ الثلاثاء الماضى لم تقتصر على الأثر النفسى والعواقب الأمنية والعسكرية والاضرار بسوق المال بل امتدت إلى صناعة الطيران التى أصيبت فى مقتل. فحسب تعليق الخبراء تنزف شركات الطيران الأمريكية أموالا تقدر بنحو ثلاثمئة مليون دولار يوميا منذ أحداث الثلاثاء الماضى فى صورة خسائر دفعت معظم الشركات إلى البحث عن وسائل لتعويض تلك الخسارة الهائلة. ومن المقرر أن يعقد وزير المواصلات الأمريكى نورمان مينيتا اجتماعا مع رؤساء شركات الطيران خلال الأسبوع الحالى لبحث المشاكل المتعلقة بالهجمات الأخيرة والتى تمكن خلالها منفذو الانفجارات من اختطاف أربعة طائرات. وقد أعلنت شركة كونتيننتال للطيران عن عزمها تقليل رحلاتها بنسبة عشرين فى المئة وحذت حذوها شركات أخرى. وكان من الطبيعى أن يؤدي ذلك إلى اعلان تلك الشركات عن اعتزامها تقليل العمالة بنسبة كبيرة حيث أعلنت شركة تلو الأخرى أنه سوف تستغنى عن الآلاف من الموظفين. ولا يقتصر الأمر على الخسائر التى تعرضت لها شركات الطيران بسبب الحظر على الطيران الذى أعلن عقب هجمات الثلاثاء بل تتخوف تلك الشركات من التأثير النفسى المتوقع أن يدفع الكثيرين إلى عدم السفر جوا. ومن البورصة إلى شركات الطيران إلى الآثار الاجتماعية والنفسية فى المجتمع الأمريكى يبدو أن الآثار المدمرة لهجمات الثلاثاء الماضى سوف تفوق توقعات منفذى الهجمات أنفسهم مما يمثل تحديا حقيقيا أمام الادارة الأمريكية. الوكالات