يخيم الهدوء على غير العادة على سوق وسط مدينة نيوانجلند الصغيرة في ولاية فرمونت الأمريكية، والتي يبلغ تعداد سكانها 37 ألف نسمة، بعد أن كان يزخر بالحركة والنشاط في صباح كل يوم سبت. وقد أغلق مقهى «هالفورسونز ابستريت»، وأشارت لافتة الى «الاحداث المأساوية هذا الاسبوع». ووقفت سيدة عند اللافتة ثم التفتت إلى صديقاتها لتقول «كان عندي شعور بأن هناك هدوء غير عادي،» فبعد مرور أربعة أيام على الهجمات الارهابية التي قضت على أرواح آلاف الناس في واشنطن ونيويورك، لا تزال أصداء الصدمة عميقة في المجتمعات الريفية في جميع أنحاء نيو انجلند وغيرها في مختلف أنحاء أمريكا. وفي برلينجتون، أقيمت محطة تفتيش على نمط محطات التفتيش في المطارات وذلك على ما يبدو بين عشية وضحاها داخل المدخل الرئيسي لمكتب البريد، حيث أوضح ضباط الامن للمواطنين الذين بدت عليهم الدهشة أن جميع الطرود ستخضع منذ الان فصاعدا لفحص دقيق. وأشار أحد السكان إلى البوابات الحديدية التي أقيمت حول مدخل المبنى الفيدرالي من الارض وحتى السقف، معربا عن اعتقاده أنها ستبقى الى الابد وستظل مغلقة. وقال بابتسامة حزينة «إنه أمن مشدد إلى درجة ليس لها مثيل في أي مكان». وأضاف قائلا «وحتى في مدينة بهذا الحجم. هذا شيء فظيع». واكتشف أولئك الذين يرغبون في إرسال بريد مستعجل أن اغلاق المطارات أفسد النظام البريدي. وقال أحد العاملين في البريد «إن البريد لا يتحرك بأقصى سرعة. إنه يتحرك ولكن كله بوسائل النقل البرية». وفي محل الازهار علقت لافتة موجهة للعملاء كتب عليها أن 10 في المئة من المبيعات ستمنح للصليب الاحمر، ولكن لا أحد يشتري. أما النافورة التي تعلو منطقة المشاة فقد أطلق عليها اسم جديد هو «نافورة الأمل». وكتب على لافتة أن القطع النقدية التي ستلقى في النافورة ستمنح إلى «صندوق 11 سبتمبر» لمساعدة مدينة نيويورك. وعبر سكان فرمونت الذين نزح بعضهم من نيويورك هربا من الضجة إلى الهدوء عن ارتياحهم لانهم يعيشون بعيدا عن المدن الكبرى التي يمكن أن تكون محط أنظار الارهابيين وهدفا لضرباتهم. وقالت ريتا لاماونتن التي تعمل طاهية في الجامعة المحلية «أشعر بأني أفضل حالا هنا لانهم يستهدفون المدن. فماذا عساهم يقصفون هنا؟ الابقار؟» ولكنها ليست بمنأى عن آثار الضرب والقصف. فشقيق أحد الطلبة الذين تطهو لهم الطعام كان داخل مركز التجارة العالمي في الطابق 105 وذلك في يوم الهجوم، ولا يزال مفقودا. وقالت «يمكن أن يحدث أي شيء في أي مكان. أشياء غريبة تحدث هنا أيضا. إن المشكلة في الارهاب هي أنك لا تعرف من هو عدوك. ولكن لا أحد يستطيع الهرب دائما ليعيش في الريف كان يمكن أن يكون المرء في الحقل الذي سقطت فيه إحدى الطائرات في غرب بنسلفانيا». بل وحتى المجتمعات المحلية الصغيرة تشعر بآثار الصدمة. فالمسنون يختلطون بالمراهقين عند النافورة وهم يحدقون في الشموع المضاءة التي وضعت في الليلة السابقة لاحياء ليلة صلوات على ارواح الضحايا. وتطل أعلام أمريكية صغيرة من أعلى قبعات البيسبول وتثبت على نوافذ سيارات النقل. وعبر أرشر مايور رجل الامن في مدينة نيوفين الصغيرة في فرمونت عن شعور كثير من السكان عندما تحدث عن رغبة شديدة في أن تتجه مجموعة من الناس جنوبا إلى نيويورك، على بعد أربع إلى خمس ساعات بالسيارة، للمساعدة في البحث عن المفقودين. وقال «هناك شعور عام بالعجز. نود أن نذهب إلى هناك ونشارك في الجهود ولكن ليس الدافع الاكبر لذلك أننا نفكر في امكان انقاذ أشخاص ولكن لنشارك بطريقة ما في الخسارة التي منيت بها أمتنا». وآخرون ينظرون غير مصدقين إلى قوة غريزة البقاء في مدينة بحجم نيويورك، وهي شيء يبدو غير واقعي من المنظور الريفي. وقال ستيفن بيسيت المقيم في ولمينجتون «إن ما يدعو للدهشة الشديدة أن نسمع في كل ساعة وفي كل يوم أن هذا الحدث المدمر والمأساوي وحد المدينة وأنشأ شعورا بالترابط الاجتماعي والاهتمام والرغبة في المساعدة والمشاركة». وأضاف قائلا «كان أشد ما يفزعني كلما أتصور زيارة نيويورك هو أن أوجد في المدينة وفي جيبي عشرة دولارات وفجأة تغلق الجسور والأنفاق فإذا ما تقطعت بك السبل هناك فستبقى هناك إلى الابد». وقال ان أحداث الثلاثاء لا تختلف كثيرا عن هذا الكابوس «وقد لا أذهب إلى هذه المدينة ثانية طيلة حياتي». د.ب.أ
