وسط الغبار الذري السياسي المتصاعد من أنقاض مركز التجارة العالمي في نيويورك، تثور تساؤلات مريرة حول انهيار كامل وأشد وطأة يبدو أنه عطل نظام الامن القومي الامريكي وقت هجمات الثلاثاء الانتحارية. والادهى من ذلك هو فشل جهاز المخابرات، الذي تبلغ ميزانيته عدة مليارات من الدولارات. فطالما تباهى وتفاخر هذا الجهاز بمدى تعقيده وتطوره وقدرته على التقاط المحادثات الهاتفية في سائر أنحاء العالم وعلى تصوير أي شئ بكاميرات الاقمار الصناعية، حتى الرسوم على رابطة العنق، وبقاعدة معلومات بنظام الكمبيوتر بمقدورها مضاهاة الملايين من التفاصيل المعلومات وتحليلها واستخلاص النتائج في أجزاء من الثانية. إذن كيف يمكن تصور أن مؤامرة بهذه الدرجة من التعقيد والتنظيم وشارك فيها مثل هذا العدد من المنفذين يمكن أن تغيب عن أنظار مثل هذا الجهاز، رغم امكاناته ووسائل استشعاراته المتعددة والممتدة في كل مكان. ويقول المسئولون الحاليون والسابقون في الحكومة الامريكية الذين يتعاملون مع المعلومات المجمعة عن طريق أجهزة الاستخبارات أن الفشل لا يكمن في عدم جمع المعلومات ولكن يكمن في تحليل وترجمة هذه المعلومات بعد وصولها إلى واشنطن. ولا مراء في هذا. فجميع تقارير وكالة المخابرات المركزية الامريكية (سي.آي.إيه) ووكالة مخابرات الدفاع (دي.آي.إيه) ووكالة الامن القومي(إن.إس.إيه) ومكتب التحقيقات الفدرالي (إف.بي.آي) تصب في واشنطن، حيث يتمركز من بيدهم تمحيص تلك المعلومات وربطها ببعضها البعض. وفي هذه الحلقة الحيوية من النظام الاستخباراتي، يقوم مسئولون بوزارتي الخارجية والدفاع (البنتاجون) ووكالة المخابرات المركزية الامريكية بتحليل المعلومات الخام ثم إرسالها إلى المطبخ السياسي. وفي هذا المطبخ السياسي حسبما يقول مسئولون على مستو عال، يمكن أن يبدأ تشويه المعلومات وتحريفها ولو مع غياب كامل لاي سوء نية. فالمحترفون في الاقسام المختلفة قد لا يريدون أن يتهموا بالموافقة على طول الخط والتعاطف الزائد مع المعلومات التي ترد من تلك الدول التي تقع في دائرة اختصاصهم. ولذلك ،كما يقول هؤلاء المسئولون، يبدأون في التخفيف من حدة هذه المعلومات بقصد إرضاء رؤسائهم. ويقول مساعد سابق لوزير الخارجية، طلب عدم الكشف عن هويته،أن الهوة بين المعلومات الخام والتقارير الداخلية تزداد اتساعا على كل درجة في الطريق إلى أن تصل هذه المعلومات إلى البيت الابيض والكونجرس. وهناك نزعة بيروقراطية في إعطاء الزعماء السياسيين ما يريدون سماعه. ويسوق المسئول السابق إدارة كلينتون كمثال. فالرئيس السابق بيل كلينتون اضطلع بدور نشط في الشرق الاوسط، غير أنه كان يميل بشدة مع إسرائيل ويتعاطف معها. وفي مفاوضات كامب ديفيد الثانية في يوليو عام 2000، حذر خبراء المخابرات وزارة الخارجية من أن الزعماء الفلسطينيين ليس أمامهم مجال يذكر للتفاوض حول موضوع السيادة على القدس. غير أنه من الواضح أن تلك التحذيرات لم تصل أبدا إلى البيت الابيض أو أن كلينتون قد قلل من شأنها ببساطة من منطلق تحيزه لاسرائيل. وانهارت المفاوضات، واتهم كلينتون الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بأنه هو المسئول عن انهيارها. وانتاب العالم العربي غضبا عارما إزاء عدم تفهم كلينتون للموقف الفلسطيني. ويقول المسئول الامريكي السابق أن نفس هذه العملية حدثت مرات ومرات في الشرق الاوسط. وقال ان ثمة تحذيرات محددة تم حجبها في صيف عام 2000 حيث كانت تتعلق بتنامي الغضب ومشاعر العداء لامريكا في العالم العربي بسبب المصادمات بين الاسرائيليين والفلسطينيين. ولم يتم على الاطلاق مضاهاة التحذيرات، لا العام منها ولا الخاص، واستخلاص النتائج الضرورية. وكانت النتيجة هي قيام بعض الارهابيين وهم يستقلون قاربا من الفايبر جلاس بنسف المدمرة الامركية كول مما أسفر عن مقتل 19 بحارا أمريكيا في أكتوبر الماضي. وجاء هذا الحادث بمثابة مفاجأة للبيت الابيض. ويبدو أن الازمة الحالية حدثت بسبب نفس الشيء. فقد وردت تحذيرات من الشرق الاوسط وأفغانستان، بما في ذلك شريط الفيديو لاسامه بن لادن والذي أذيع على نطاق واسع ومكالمات إلى صحيفة عربية تصدر في لندن وكلها توحي بأن هجوما ضخما ضد الولايات المتحدة يجري التخطيط له. هذه الاجزاء من المعلومات لم يتم أبدا دمجها بطريقة يمكن معها استخلاص ما تنطوي عليه من معان، وهذا يعود في جزء منه إلى استبعاد الخبراء الامريكيين المختصين بشئون العالم العربي ـ أو من يسمون بالمستعربين ـ من جهاز السياسة الخارجية في وقت سابق أو التقليل من شأنهم. وكبداية لعملية تصحيح أوجه القصور التي أدت إلى وقوع الهجمات على البنتاجون ومركز التجارة العالمي، ربما يكون تصحيح الثغرات في عمل أجهزة المخابرات الامريكية وفهم العالم العربي بصورة أفضل هو المكان الجيد الذي يتم البدء به. د.ب.ا