ودّع اللبنانيون أمس الضحية اللبنانية الثانية في التفجيرات الأمريكية بطرس جرجس الهاشم، في قداس أقيم في كنيسة السيدة بمسقط رأسه بلدة العاقورة بقضاء جبيل، ومثل رئيس الجمهورية فيه المدير العام في قصر الرئاسة الدكتور ايلي عساف. وكانوا ودعوا بعد ظهر أمس الأول الضحية الثانية في العمليات نفسها وليد اسكندر في كنيسة مار انطونيوس في سن الفيل ببيروت، وتمثل الرئيس اميل لحود فيه برئيس التشريفات في القصر الجمهوري مارون حيمري. وفيما يجري حديث غير مؤكد، ومن دون تفاصيل رسمية أو أهلية جاهزة للتوضيح، عن ضحايا لبنانية أخرى، يلف الحزن الشعبي والعام سائر المناطق والطوائف والشرائح اللبنانية، ازاء هول ما حصل. و«طائر الفينيق» وهو رمز حب اللبنانيين للاسفار وعشقهم للاغتراب والاكتشاف ـ يطأطيء رأسه قهراً على شباب رحل في عز الصبا عن وطنه بحثاً عن علم أو عمل، ليرحل إلى الأبد في ربيع العمر، ولتبدأ رحلة البحث غير المجدي عن مجدر اشلائه. في العاقورة يروون الكثير من حكايا الخصال الحميدة لدى ذلك الصبي الخجول والطموح بطرس «ابن جريس الهاشم لن ينساه أحد منا»، والذي هاجر من منطقته وبلده عام 1970 إلى الولايات المتحدة برفقة الأفراد الأساسيين في عائلته: والداه، وشقيقاه (جوزيف وعبدو)، وشقيقاته الخمس (وهن حسب تسلسل أعمارهن: صباح، روز، نجوى، نجاة، وفدوى. برع بطرس الهاشم في الكمبيوتر. وتخرج بشهادة عالية من جامعة ماساشوستس. فحظي بوظيفة رفيعة المستوى، لكنه كان يشكو منها باستمرار، لأنها تضطره للسفر بالطائرة مرتين في الأسبوع داخل الولايات المتحدة، فيحرم من رؤية زوجته ريتا الهاشم (وهي ابنة خالته أساساً) وولديه: كريستوفر (11 عاماً)، وباتريك (تسعة أعوام). وفي كل سفرة كان يقول لزوجته: «بسيطة يا ريتا.. لقد تزوجتك وجئت بك إلى أمريكا، لأنني أحبك، وأحب لبنان، وأريد أن يكون كل شيء من حولي لبنانياً». فتضحك الزوجة على المؤاساة الغزلية: «تسهل يا بطرس الله معك. لا تشغل بالك عليّ وعلى الأولاد. كل شيء تمام». فتنكشف أسارير بطرس: «طيب أنا رايح إلى بيتي الثاني لأيام عدة». وكان يطلق على الطائرة لقب «البيت الثاني». وقد تعلق بها في عمله، كما تمسك ببيته الأول في حبه وزواجه. هكذا انطفأ أيضا ريعان العمر عند وليد جوزف اسكندر (مواليد 25 أغسطس 1967)، وهو اللبناني ـ الفلسطيني الأصل ، والذي بدأ يتعرف بدوره إلى الحياة في «البيت الثاني» ـ الطائرة أيضاً ـ قبل 25 عاما عندما ارسلته عائلته من الكويت، حيث تقيم، إلى الولايات المتحدة، حيث برع أيضاً علماً وعملاً حيث سافر من هناك إلى لندن للعمل، بعد أن انتدبته شركة أمريكية كبرى لإدارة فرعها هناك. وفي العاصمة البريطانية اختارته جامعة هارفرد لحيازة درجة «امتياز» في الدراسات العليا «ام.بي.ايه»، وأصبح لاحقاً مساهماً في الشركة التي ارسلته إلى بلدان عديدة في العالم لتأسيس فروع جديدة لها. وبدأت خيوط المأساة عندما كان وليد متوجها في زيارة لأهله من بوسطن إلى لوس انجلوس في طائرة لـ«شركة الخطوط الأمريكية الرحلة رقم 11». ويروي عمه مارون اسكندر داخل منزله في بيروت ان وليد حجز مقعده في الطائرة قبل شهر: «وكان يحضر لزفافه في 28 يونيو 2002. فالتحضير يتم قبل عام لحجز الكنيسة، وحجز أماكن لأهله والمدعوين في جزيرة سانت تورينو في اليونان. وسافر وليد إلى سانت تورينو ليؤمن زفافه، ومنها إلى بوسطن لزيارة أخيه. ظل ثلاثة أيام هو وخطيبته نيكوليت عند أخيه في بوسطن. وكان قد حجز في الرحلة المشئومة والأخيرة قبل شهر لأنه في اجازة، ورغم ان خطيبته كانت مرتبطة بعملها في ذلك النهار (11 الجاري)، لم يقبل أن يؤجل سفره إلى اليوم التالي لأنه دقيق جداً في مواعيده، وكانت كلماته الأخيرة لها: أسافر أنا اليوم فأكسب نهاراً لرؤية أبي وأمي». لكن وليد لم يكسب شيئا فخسر حياته في تحطم الطائرة بالمركز التجاري العالمي، كما خسرهما جميع أهله ومحبيه ومعارفه.
