آن الأوان للتطرق إلى مصير الأبطال الآخرين في هذه القصة. كان أمام اثنين منهم وهما جويل بار والفريد سارانت حياة زاخرة، وجد بار نفسه في أمان في تشيكوسلوفاكيا منذ 22 يونيو 1950 ولكنه كان دائماً مطلوباً، من قبل الأف بي آي حتى ولو كان في منأى عنه. وكان من مصلحته أن يبقى في الخفاء. بالاتفاق مع الأجهزة التشيكية صنع بار لنفسه أسطورة: كان يدعى جوهان بيرج، وكان من اتحاد جنوب أفريقيا. لم تكن هذه مجرد بلاد بعيدة ولكنها كانت أيضاً من الدول المرتبطة بالتاج البريطاني ولم يكن لها تمثيل خلف الستار الحديدي من قبل أية مفوضية أو سفارة. في شوارع براج كانت أمام بار الكثير من الفرص للالتقاء بجنوب أفريقي حقيقي قادر على تكذيب اختراعاته. وليس بشخص من البابو يرتدي تنورة من أوراق النخيل. وكان هذا الأصل يفسر شكله الأوروبي ومعرفته باللغة الإنجليزية وجهله للغة المحلية. ونتيجة لتحريف يمكن معرفة أسبابه أصبح اسمه الافريكانر جوزف بيرج الذي كانت له لهجة تشيكية تماماً. الإجراء الاحتياطي الأخير هو أن جويل أصبح أصغر سناً بثمانية عشر شهراً حيث اخذ لنفسه تاريخ ميلاد شقيقه الأصغر آرثر وهو 7 اكتوبر 1917. في بداية عام 1951 استدعي بيرج إلى موسكو على عجل من دون أن يخبره أحد عن السبب. توفر له بالكاد الوقت الكافي لتكديس بعض الملابس والأغراض في حقيبة صغيرة. وعندما وصل إلى فندق موسكفا في مقابل الكرملين وجد بانتظاره هناك الفريد سارانت ورفيقته كارول ديتون. الاستقرار في براغ قرر الكي جي بي أنه من الأفضل للصديقين أن يعيشا ويعملا في مكان واحد. وبما أن بار كان يعمل أصلاً في براغ فقد تقرر ان يلحق به سارانت وكارول هناك. لم يكن من الصعب إعداد سيرة سارانت. كان قد اعتاد على تغيير اسمه. كان والده الذي دخل الولايات المتحدة في نهاية القرن الماضي يدعى سارانتوبولوس. كان اسماً مفرطاً في الطول بالنسبة للأذن الأمريكية فأصبح ببساطة سارانت. بالطبع سافر سارانت إلى موسكو باسم آخر. أصبح يدعى فيليب ستاروس. كان اسماً يونانياً بما يكفي لكي لا يتنافر مع شكله. ولم يكن يذكر بالاسم الوارد على مذكرة البحث. ولد ستاروس في اليونان وعاش في كندا. مما يفسر تمكنه من اللغة الإنجليزية. بقي صاحبانا المحبان للموسيقار باخ في تشيكوسلوفاكيا لمدة خمسة أعوام. كانا موهوبين للغاية وخلال عدة أشهر أصبحا يجيدان لغة البلاد التي اختاراها. اندمج بار في البلد حتى أنه تزوج تشيكية جميلة تدعى فيرا برجوفا. وبعد عشرين سنة فقط علمت أن زوجها هو في الحقيقة أمريكي من نيويورك. ترأس بار وسارانت معاً مختبر أبحاث سرياً يعمل لحساب الصناعة العسكرية. اخترعا في ذلك المختبر جهازاً قد نطلق عليه اليوم اسم الحاسوب بالقياس. كان الجهاز يحدد إحداثيات الطائرات المعادية. سرعتها واتجاهها وكان يصحح أوتوماتيكياً تأثير الرياح. بعبارة أخرى كان هذا الحاسوب يسمح بتوجيه صواريخ أرض جو عن طريق تصحيح ثوابت الطيران. لم يكن في هذا الاختراع الثوري في ذلك الحين سوى عيب واحد: كان كبيراً بحجم غرفة في فندق. كان بحاجة إلى تصغيره بعدة مئات من المرات ليصبح قابلاً للتطبيق. تحمس التشيكيون لهذه الفكرة بقدر ما تحمس لها المخترعان. لكن كانت هناك مشكلة، فقد كان تصغير حجم المكونات يتطلب استثمارات ضخمة وإقامة معاهد أبحاث ووحدات إنتاجية. احتاج الأمر إلى إنشاء صناعة كاملة ولم يكن بمقدور تشيكوسلوفاكيا التي كانت دولة صغيرة أن تفعل ذلك. خلال صيف عام 1955 كتب سارانت وبار إلى رفاقهما السوفييت بهذا الشأن. كلفني المركز بإجراء اختبار للثنائي الرائع الذي عرفته في الأربعينات. كنت في ذلك الحين موجودا في براغ منذ عامين بصفتي ممثلاً لجهاز البي جي. أويو كنت أساعد رفاقنا التشيكيين على تنظيم جهاز الاستخبارات الخارجي الخاص بهم. أذكر أننا التقينا من جديد أثناء حملة للإذاعات الغربية التي كانت تدعو شعوب الدول الاشتراكية إلى ان تثور ضد أنظمتها. وبالنتيجة لم يكن الوضع يميل إلى الفرح والسعادة. دعوت عميلي السابقين إلى مطعم جيد. جاء بار من دون أن يصطحب زوجته. ولكن كارول كانت مع سارانت، كانت هذه المرة الأولى التي أقابل فيها سارانت: في نيويورك كان كل إنتاجه ينقل عن طريق بار. كان شاباً وسيماً من نموذج البحر المتوسط، شعر أسود ممشط إلى الخلف. حاجبان سميكان. شارب صغير... كانت عيناه الكبيرتان البنيتان غائرتين. في الصور رأيته مبتسماً. ولكنه الآن بدا جاداً وليس سعيداً جداً. بار ايضاً كان كذلك. حدق فيّ الاثنان بنظرات متفحصة. أثناء تناول الطعام وجدت الوقت الكافي لمراقبتهما. كانا مختلفين تماماً. لم يكن الفريد طويل القامة. كان طوله حوالي متر وسبعين سنتمترا. كان قوي البنية عريض الكتفين. كانت لديه القوة الحيوية الخاصة بالمناطق التي تغمرها الشمس. كان مظهر جويل يوحي بأنه مثقف. كان طويل القامة كان طوله يصل إلى متر وسبعين سنتيمترا على الأقل. كان نحيلاً وعندما يقف كان ظهره يحدودب قليلاً. كان وجهه يبدو أكثر طولاً بسبب الصلع وكانت نظارته ذات الإطار الفاتح اللون تحمي عينيه الرماديتين. كانت أهدافهما تبدو واعدة. ولكنها كانت تتجاوز إمكانيات البلاد بكثير. أراد الصديقان صناعة حواسيب مصغرة للجيش، ولكن الاتحاد السوفييتي وحده هو الذي كان قادراً على تخصيص الأموال اللازمة للتقدم في هذا المجال. كان بار وسارانت يرغبان في العمل في الاتحاد السوفييتي. كانت تلك آخر مرة أقابل فيها عميلي. ولكنني فعلت ما بوسعي لمساعدتهما. في موسكو بعد عدة أشهر وفي نهاية عام 1955 استقر آل بيرج وآل ستاروس في موسكو. كان الفريد وكارول قد رزقا بطفلين. وكان جويل وفيرا قد رزقا بأول طفل من أطفالهما الأربعة. من اجل هذه الحياة الجديدة كان عليهم تغيير سيرتهم. أصبحوا منذ ذلك الحين تشيكيين! وفي روسيا كان يجب إضافة اسم العائلة على أسمائهم المستعارة، كانت العبارات مثل جوسبودين وجوسبوجا (سيد وسيدة) قد اختفت منذ الثورة. وأصبحت الطريقة الرسمية لمناداة أحدهم هي مناداته باسم العائلة وبكلمة «رفيق» قبلها (رفيق ستاروس أو رفيق بيرج). كان والد بار يدعى بنجامين. أصبح جويل يدعى يوسف فنيامينوفتش بيرج. في حين أصبح اسم سارانت منذ ذلك الحين فيليب جيورجيفتش ستاروس. كارول أصبحت آنا بيتروفنا. وبعكس زوجها لم تتوصل أبداً إلى التحدث باللغة الروسية بطريقة جيدة. ولكن على حد قول جويل بار والعديد من الأشخاص الآخرين الذين عملوا معه كان سارانت عبقرياً. لم يكن يتكلم فقط بلغة بلده المختار ولكنه توصل أيضاً إلى تحدث اللغة بصورة أفضل من معظم مواطنيه. في مختبره كان الروس يتوجهون إليه من أجل تدقيق إملاء كلمة أو ترتيب جملة. أما بار فكان يتكلم الروسية بشكل ممتاز ولكن مع لهجة بسيطة من بروكلين. في البداية تعين على المهندسين مواصلة أبحاثهما في مجال المعدات الخاصة بالطائرات، وتم إلحاقهما بوزارة صناعة الملاحة الجوية. كان الشك يبدو على رؤسائهما عندما يزعمان أن جميع قطع حاسوبهما الضخم سوف تصغر بمئات المرات. كان هذا الشك يحتوي على الكثير من النزاعات, وأصبح من الواضح أنه يجب على هذين المخترعين أن يحلقا بأجنحتهما الخاصة. قدموا لهما مختبراً كان اسمه المختصر إل كي بي مجهولاً تماماً خارج المجمع العسكري ـ الصناعي السوفييتي. كان هذا الاختصار يعني ببساطة مكتب دراسات ليننجراد في الاتحاد السوفييتي كانت معظم النفقات العسكرية تموه ضمن موازنات القطاعات المدنية وكان مختبر إل كي بي تابعاً رسمياً للجنة الحكومية للتقنية الإلكترونية. تم تعيين سارانت رئيساً للبنائين في مختبر إل كي بي وبار مساعداً له. لم يكن عدد العاملين كبيراً ولكن الاستثمارات كانت ملائمة. أهم شيء هو أنه تم إطلاق يد الشريكين في العمل. كما سعدا بالاستقرار في ليننجراد. في هذه المدينة الأوروبية كان الناس يتنفسون بحرية أكثر من العاصمة. حتى مختبر ال. كي. بي كان يبدو استثنائياً. كما في كافة «صناديق البريد» وهذا هو الاسم الدارج للمنشآت السرية كان العاملون في هذا المكتب الخاص بالدراسات مقيدين بإجراءات أمنية صارمة. لم يكن يسمح لهم بالاتصال مع أجانب وكانوا يحصلون على تأهيل للاطلاع على الوثائق السرية. أما التشيكيان فكانا يتمتعان بوضع متميز. لم يضطرا حتى إلى توقيع التزام بعدم نشر الأسرار. وكانا يشاركان أحياناً في مؤتمرات دولية بأسمائهما الجديدة. أثناء تناول الغداء في مطعم آستوريا مع عائلتيهما كان باستطاعتهما التحدث مع السياح ومع رجال الأعمال الأمريكيين. هذه المخالفات للنظام الأمني الصارم الذي فرضه جهاز مكافحة الجاسوسية لدى الكي جي بي كانت تدهش الأشخاص غير المطلعين على الأمور. ولكن هل كان بالإمكان إذلال أبطال العمل السري عن طريق الريبة والشك بهما؟ لقد أنجزا أعمالاً باهرة. وتوصل سارانت وبار أخيراً إلى امتلاك الوسائل لتحقيق حلمهما. كان العاملون السوفييت متحمسين مثلهما. كان أول حاسوب لمختبر ال. كي. بي أصغر بعشر مرات من الأجهزة السوفييتية المماثلة وكان يستهلك تياراً كهربائياً أقل ويعمل بطريقة ممتازة. ولكن استمرت الجهود لتصغير حجمه. وكانت سلطة عميلي السابقين في هذا المجال تزداد باستمرار. في هذا المختبر الرائد للبحوث المعلوماتية تعاقب في العمل موظفون كبار أمثال مستيسلاف كلديش رئيس أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي وديميتري اوستينوف النائب الأول لرئيس الوزراء المكلف بالصناعة العسكرية. كانت تتم تلبية طلبات الشريكين المتعلقة بتزويدهما بالعاملين والمقار من دون تردد فلقد كانت النتائج مذهلة. حتى الرواتب كانت في مكتب الدراسات ال. كي. بي أعلى من مكاتب الدراسات الأخرى. وسرعان ما وصلت هيبة ال. كي. بي ذروتها، كان أول جهة في الاتحاد السوفييتي تصنع أجهزة الترانزستور والدارات المتكاملة. حدث لم يسبق له مثيل, مع موظفيه الذين وصل عددهم إلى الألفين تم إلحاق مكتب الدراسات مباشرة بالكساندر سوكين رئيس اللجنة الحكومية للتقنية الإلكترونية. وبدلاً من الإجراءات البيروقراطية المعقدة لم يكن هناك سوى الاتصال الوحيد المباشر بين المقرر والمنفذين. في نهاية الخمسينيات، وفي حين لم تكن الأجهزة الإلكترونية الصغيرة قد صنعت بعد, اخترع سارانت وبار أول حاسوب لإدارة العمليات التكنولوجية، ونالا جائزة الدولة لاختراعهما أول حاسوب إداري. ونشرت صورهما على الصفحات الأولى للبرافدا. ربما كان ذلك تهوراً ولكن يبدو ان بار وسارانت كانا قد فقدا اهتمام الأف بي آي الذي كان يعلم منذ محاكمة روزنبرج بأن الهاربين موجودان في مكان ما في أوروبا الشرقية. اشعر بالفخر لكون عميليّ هما اللذين كانا السبب في بداية ثورة تقنية في الاتحاد السوفييتي. كان باستطاعة بلادي أن تصبح أول قوة عالمية في مجال المعلوماتية. كان سارانت يعلم منذ ذلك الحين أن المستقبل هو للحاسبات. وكانا ينتظران الفرصة المناسبة لإطلاق مشروع عزيز على قلبيهما. خروشوف على الخط سنحت هذه الفرصة من دون تأخير. قام نيكيتا خروشوف السكرتير الأول للحزب الشيوعي السوفييتي بزيارة لمكتب الدراسات ال. كي. بي. قرر الصديقان أن يطلبا من الزعيم السوفييتي إنشاء مركز ضخم لاختراع وتصنيع الحاسبات أي شيء أشبه بسيليكون فالي قبل الأوان. كتبا بهذا الخصوص مذكرة تفصيلية لتسليمها إليه ووافق شوكين على فكرتهما. وصل خروشوف إلى ال. كي. بي في الساعة العاشرة صباحاً وكانت معه حاشية مكونة من حوالي ثلاثين شخصاً. كان برفقته ديميتري استينوف وكان معظم مرافقيه من المسئولين في الجيش: وزير الدفاع روديون مالينوفسكي وقادة الجيش البري والطيران والأسطول. أطلعهم سارانت على الحاسبات القديمة الكبيرة الحجم وإنتاج ال. كي. بي الذي صنع بواسطة أجهزة الترانزستورات وأسلاف الأجهزة الإلكترونية. وأنهى خطابه بما يلي: «نيكيتا سيرجيفتش. نحن على عتبة ثورة ثقافية سوف تغير ليس فقط أسلوب معيشتنا وإنما أيضاً طريق تفكيرنا». بعد ثلاثة أيام قررت الحكومة بناء مركز للإلكترونيات الدقيقة بالقرب من موسكو. وخلال ثلاثة أشهر بدأت ورشة بناء مدينة زيلينوجراد على بعد حوالي أربعين كيلومتراً من موسكو. كانت العاصمة في الحقيقة محاطة بمدن تابعة لها وكل منها متخصصة في مجال مختلف: الفيزياء النووية - الصواريخ. الملاحة الكونية ... وهكذا بوشر ببناء المدينة الخاصة بالمعلوماتية. جند سارانت وبار العاملين وترأسا الأعمال. فكرا في ناطحة سحاب مكونة من حوالي خمسين طابقاً. ولكن خروشوف فضل مجمعاً ضخماً من المختبرات والمباني السكنية. جرى تعيين ستاروس لرئاسة المركز وعين بار كالعادة مساعداً له. في الاتحاد السوفييتي كان يجب على مدير أية هيئة أن يكون بالضرورة عضواً في الحزب. بأمر شخصي من خروشوف قبل ستاروس مباشرة في الحزب الشيوعي السوفييتي. في حين اضطر بيرج إلى اتباع الإجراءات العادية. التوصيات - المقابلات مع لجنة المنطقة ـ الموافقات ـ التأكيدات. بالنسبة للصديقين بدا المستقبل وردياً، كما كان بالنسبة لجميع السوفييت في ذلك الحين. للأسف كثر عدد الغيورين من حولهما. كانت طاقتهما تجعلهما ينجحان في كل ما يقومان به. كانا على رأس مشروع ضخم في مجال ثوري. حضرا المؤتمرات وقابلا الأجانب. وكانت رواتبهما جيدة: لغاية 1000 روبل شهرياً في حين كان الراتب الوسطي للمهندس 120 روبلاً والاهم من كل شيء انهما كانا موهوبين. وهذا أمر لا يغتفر. وجد ستاروس وبيرج نفسيهما وسط نسيج سميك من المؤامرات. كانت الفكرة الأساسية بسيطة، لا يمكن للأجانب أن يتولوا رئاسة منشأة رائدة. ولم يكن هناك اعتبار لكونهما قد حصلا على الجنسية منذ وقت طويل. وبعد ستة أشهر من تعيينه أقيل ستاروس من مهام منصبه كمدير للمركز. تحققت تنبؤات خروشوف. أرسل إليه ستاروس وبيرج رسالة عن طريق شويسكي. وعد مساعد السكرتير للحزب بأن يسلمها إليه فور عودته من إجازته. كان ذلك في شهر اكتوبر 1964. عندما عاد خروشوف من القرم لم يكن سوى رجل متقاعد. فريق بريجنيف الذي استلم السلطة صرف العديد من الموظفين. اتهم ستاروس وبيرج بأنهما ألقيا بأموال الشعب من النوافذ وعزلا عن منصبيهما. أرسلا إلى مصنع سفيتلانا في ليننجراد. كان عبارة عن مكتب للدراسات مزود بوحدة لإنتاج الحاسبات. ولكن حددت العملية بخطة واحدة: إنتاج مئة حاسوب في الشهر. ولم يكن باستطاعة الورشة أن تنتج أكثر من ثلاثين. فهم بيرج ما يحدث وطالب بتنزيل رتبته من رئيس مهندسين إلى رئيس مختبر. ولكنه تمسك بالبقاء في ليننجراد. رحيل سارانت كان ستاروس طموحاً مستقلاً ولم يكن باستطاعته أن يقبل شيئاً سوى الدور الرئيسي. كان من المقرر إنشاء مختبر جديد لأنظمة الذكاء الاصطناعي في فلاديفوستوك انطلاقاً من الصفر. وكان من المفترض أن يكون مديره شخصاً مبدعاً وإدارياً وبدا عميلي السابق كالمرشح النموذجي لذلك المنصب. لم يتردد. وفي عام 1974 انطلق إلى الشرق الأقصى السوفييتي مع عائلته. حتى زوجته آنا بيتروفنا وجدت هناك عملاً مهما، فقد كانت تعطي دروساً باللغة الإنجليزية في التلفزيون المحلي. من جديد جعل سارانت من مختبره أحد افضل معاهد البحوث في البلاد. في 16 مارس 1979 قدم ترشيحه ليكون عضواً مراسلاً لأكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي. ذهب إلى موسكو لحضور الجلسة التي سيتقرر فيها انتقاؤه. على الرغم من أنه كان منفياً عن العاصمة لمسافة 7000 كيلومتر كانت تحيط به دائماً هالة النجاح. ورفض زملاؤه الذين شعروا بالغيرة ترشيحه. في السيارة التي أعادته إلى فندق موسكفا شعر بتوعك. وبعد لحظة قضت أزمة قلبية على الفريد سارانت.