ما تابعناه على شاشات التلفزيون يوم الثلاثاء الماضي كان نوعاً من الأحداث التي طالما حاولت هوليوود رسمها لنا في أسوأ افلامها. لكن الواقعية في الحياة الأمريكية طالما عودتنا ايضا ان تتجاوز بإيقاعاتها السريعة والقوية الخيال. وان كان الشبه كبيرا بين نتاجات هوليوود وما تكشفت عنه ملحمة الثلاثاء في نيويورك وواشنطن فإن الخلاف يظل موجوداً ايضاً ويتركز في النهايات. اذ تفضل هوليوود دائماً ان تكون النهايات سعيدة حيث يخرج الأبطال من المعمعة مغبرين او دامين لكن الابتسامة على الأغلب تعلو وجوههم في الدقيقة الأخيرة. اما في نيويورك فلن تكون هناك نهايات سعيدة. ذلك ان العديد من أبطال القصة الدرامية وأغلبهم من عمال الانقاذ ورجال الاطفاء الذين وصلوا لموقع الحدث بعد الانفجار الاول في احد برجي مركز التجارة العالمي فارقوا الحياة فور انهيار البرج الاول ثم الثاني. انها الواقعية التي لم تتجرأ حتى هوليوود بعد على رسمها بهذا القدر من التصعيد الخيالي لتواتر الاحداث وقوتها كما حدثت في ملحمة الثلاثاء الامريكي التي تابعنا فيها المشاهد النمطية المعتادة من انفجارات هائلة وغيوم حمراء وسوداء وبيضاء ضخمة وحشود من الناس تهرع في الشوارع، فيما الرعب يطل من عيونها وتواتر المعلومات المضطربة والمتضاربة، لكن دون اي بروفات طبعاً. لكن شاشات التلفزيون تركتنا هذه المرة حتى نتخيل بأنفسنا الرعب البشري الذي ساد داخل الطائرات المخطوفة وفي ممرات البرجين وأبنية البنتاجون وفي المصاعد. لقد قدمت هوليوود لأمريكا وللعالم عشرات من هذه المشاهد المرعبة وأوقعت آلافا من القتلى على شاشات السينما وأطاحت بعشرات وعشرات من ناطحات السحاب وهوت بعشرات غيرها من الطائرات قبل وقت طويل من اختطاف اول طائرات من الطائرات المختطفة يوم الثلاثاء الدامي في أمريكا. قبل عامين من الان خرجت علينا هوليوود بفيلم «نادي القتال» الذي لعب بطولته براد بيت وادوارد نورتون. شخصيتا الفيلم شابان محبطان يسحقهما ايقاع الحياة الامريكية الذي لا يعترف بالفشل في العمل ويقوم على النفاق وثقافة الاستهلاك. وسرعان ما يصبح الاثنان صديقين يجدان راحتهما النفسية بخوض جولات مصارعة متوحشة يضربان فيها بعضهما البعض دون اي قواعد للعبة. وبسرعة تتطور الفكرة الى نادٍ للقتال يستقطب عدداً كبيراً من الشبان المحبطين وينتهي الامر في احدى هذه الجولات الى معركة كبيرة وشرسة يصل الامر فيها الى تدمير عشر ناطحات سحاب في قلب المراكز المالية الكبرى لأمريكا. وولع هوليوود بناطحات السحاب جعلها لا توفر اقدم وأصغر ناطحات سحاب في العالم وهي تلك التي في اليمن فقبل ذلك بعام لم يتردد المخرج ادوارد زويك بالتحرش بكل العرب وخصوصاً المقيمين في الولايات المتحدة حينما خرج علينا بفيلمه «الحصار» الذي يبدأ باختطاف الجيش الامريكي لزعيم مسلم من اليمن الامر الذي يجعل مدينة نيويورك هدفاً لعدة عمليات ارهابية. وفي الفيلم يلعب دينزل واشنطن دور انطوني هوبارد رئيس شعبة مكافحة الارهاب في الاف. بي. اي المسئول عن التحقيق في التفجيرات. والمشكلة ان شريك هوبارد في التحقيق هو فرانك حداد الذي يلعب دوره طوني شلهوب وهو الذي يتوجب عليه القتال دفاعاً عن عائلته باعتباره من سكان نيويورك ليتحول الى شخص منبوذ بين الجالية العربية في امريكا. وفي غضون ذلك تتحول نيويورك الى مسرح مجنون لعمليات الارهاب الامر الذي يدفع واشنطن الى ادخال الجيش بقيادة الجنرال ديفيروكس الذي يسيطر على المدينة ويعلن تطبيق القوانين العسكرية، لتبدأ حرب الشوارع وناطحات السحاب بين الجيش والارهابيين وتصبح نيويورك تحت الحصار. وعلى نحو مماثل يصور فيلم «اكاذيب صحيحة» الذي شارك فيه ارنولد شوارزنجر فيما تصور البطولة السلبية عربي ارهابي يريد اذلال امريكا وتركيعها بعد ادخاله لسلاح نووي الى البلاد. وطبعا يدخل شوارزنجر في سباق عالمي ضد الزمن للتخلص من الارهابي ومجموعته الشريرة ويصل به الامر الى قيادة مقاتلة حربية في مسعاه هذا. وابتداء بفيلم برج الجحيم «1974» الذي يصور حريقاً هائلاً يبتلع اعلى ناطحة سحاب في العالم ويحتجز مجموعة من الناس في طابقها العلوي، الى سلسلة افلام «داي هارد» وآخرها من بطولة بروس ويليز الذي يعثر فيه شرطي من نيويورك في أمسية عيد الميلاد على زوجته الهاربة في حفلة تقام في الطابق العلوي من ناطحة سحاب عملاقة يستولي عليها الارهابيون ويتحول الشرطي ذو المواهب الخارقة الى الأمل الوحيد في البقاء، كانت صور ناطحات السحاب المحترقة والملتهبة أشبه بلازمة تميز أعمال هوليوود طوال التسعينيات. لكن هذه اللازمة اتسعت كثيراً لتتضمن تدمير مجموعة من الأبنية الضخمة ذات القيم الرمزية في أمريكا مثل البيت الأبيض على يد الغزاة مع نزول فيلم «يوم الاستقلال» الى الصالات عام 1996. في هذا الفيلم الذي تكلف انتاجه 71 مليون دولار ووظفت فيه مؤثرات تبهر الابصار ويعتبر امتدادا لأعمال مثل «اليوم الذي توقفت فيه الارض» و«حرب الأكوان» يقوم غزاة من كوكب آخر بالوصول الى الارض والتحليق بسفنهم الفضائية التي لا تحصى فوق كبريات مدن العالم مسببين حالة عالمية من الذعر. ويستخدم هؤلاء الغزاة «الأوباش» مدافع الاشعة لتسوية مدن نيويورك وواشنطن ولوس انجلوس بكل ما فيها من ناطحات سحاب بالتراب لكن حفنة من الامريكيين «الابطال» يتضمنون الرئيس الامريكي ولاعب كونج فو وطيار وعبقري كمبيوتر يحاولون وضع خطة لهزيمة الغزاة ومع بدأ الهجوم الدفاعي الذي تشنه الطائرات الامريكية (والرئيس الامريكي يقود واحدة) يصبح العالم كله رهنا بنجاح عالم الكمبيوتر في مهمته. على كل حال، يبدو ان كل مشاهد الدمار والتخريب والعنف والارهاب وتهاوي ناطحات السحاب هذه واستفراد العرب دوما بتهمة العدو الارهابي لم تكف هوليوود بعد التي تستعد لاتحافنا بمذبحة ارهابية تتضمن الويل والثبور وعذاب القبور صيف العلم المقبل وهي من بنات أفكار اشهر مؤليفها الروائي توم كلانسي. ففي رواية كلانسي بعنوان «خلاصة مخاوفنا» التي تعمل استديوهات هوليوود على تحويلها لعمل سينمائي الآن ينجح اصوليون اسلاميون بالحصول على ما يكفيهم من البلتونيوم لصنع قنبلة نووية يفجرونها في الشيشان لتعمل على تحويل عاصمتها الى ركام. وهنا يبدأ التوتر حينما توجه روسيا الاتهام الى امريكا بأنها وراء هذه الفعلة النكراء ولتصعيد جو عدم الثقة يقوم هؤلاء الارهابيون انفسهم بتفجير قنبلة نووية اخرى في مدينة بالتيمور الامريكية بهدف التسبب بحرب عالمية ثالثة. وهذا ما ينجحون به حقا حين يكررون التفجير بقنبلة اخرى في بالتيمور ايضا خلال احدى مباريات دوري البيسبول، حينها يندفع العالم بجنون نحو حافة حرب عالمية ثالثة عندما تستعد فرقة المدرعات في الجانبين للمواجهة التي لا يوقفها إلا نجاح ضابط من المخابرات الامريكية في توفير الدليل القاطع على براءة الروس والامريكان وإدانة المسلمين في هذه المؤامرة العالمية. وتزيد ما قدمته هوليوود من اعمال في هذا الصنف السينمائي عن نطاق الحق هنا وإن اردنا تعدادها مثل سلسلة «ناطحة السحاب» وآخرها 1996 حينما يطارد شرطي بمروحية عسكرية ارهابيين التجأوا الى ناطحة سحاب من 86 طابقا لتشتعل فيها النيران او فيلم «المخطط الخلفي» عام 1996 الذي يصور ناطحات السحاب وهي تحترق وتتهاوى، فإننا لم ننته. ان هوليوود اصبحت بتاريخها هذا كله موضع اتهام فعلي بالتحريض على العنف على اقل تقدير هذا ان لم نقل التحريض على العنصرية والتمييز ورسم صورة سلبية في اذهان الامريكيين وغيرهم عن العربي خصوصا والمسلم عموما وجعله شماعة تعلق عليها كل تناقضات وسلبيات المجتمع الغربي، والاتهام الحالي يتجاوز مجرد التوصل لمصالح مشتركة بين منتجي هوليوود على الساحل الامريكي الغربي وسياسيي امريكا على ساحلها الشرقي. لقد اصبح من الصعب على الامريكيين الآن تجاهل كيف اعتاد منتجو هوليوود على وضع اشهر معالم بلادهم وسط الكوارث التي رسموها في افلامهم وأيام القيامة التي طالما عرضوها عليهم. والمفارقة ان هذه الرؤى التدميرية هي جزء من طوفان الصادرات الثقافية وافرة الربح التي تضخها امريكا نحو العالم وهو ما ساهم كثيرا في تشكيل جو الاستياء العالمي نحو القوة العالمية العظمى الباقية. ومهما كان ما ستفعله واشنطن الآن ردا على الثلاثاء الامريكي الدامي، فإن هوليوود ستكون قد سبقتها به بكثير حينما وفرت له الارضية الفكرية ورسمت معالم سلوكه. بقلم: جلال الخليل